مريضة لن أنساها

كم مِن مرضى يمرّون في القسم الذي أعمل به في المشفى، والذي هو مخصّص لعلاج هذا الداء المريع والفتّاك الذي إسمه السّرطان... لزمَني وقت طويل لأعتادَ على كميّة المأساة التي شاهدتُها، والدّموع التي مسحتها عن خدود الأهل. ولكن هناك مريضة لن أنساها أبدًا لأنّها كانت في الخامسة مِن عمرها، ولأنّ أمّها عانَت مِن زوج معدوم الانسانيّة والمسؤوليّة. وأثناء قيامي بواجباتي في القسم، بدأتُ أتعرّف أكثر إلى تلك المرأة التي اسمها ربيعة، والتي لم تبارح سرير ابنتها الجميلة وسرعان ما أصبحنا مقرّبتين. وذات يوم أخبَرَتني ربيعة قصّتها:

 

- تزوّجتُ في التاسعة عشرة مِن عمري مِن رجل كان متزوّجًا مِن ابنة عمّه. لم أقبل به إلا بعدما أقسَمَ لي أنّه لا يُحبّ زوجته بل أُرغِمَ على أخذها بسبب صلة الدم التي بينهما، وإثباتًا لحسن نيتّه قام بتطليقها. وبالطبع لم يُسَرّ أهله بما فعَلَه، لِذا أخَذَني مُنير إلى منطقة بعيدة جدًّا عن ذويه ليُريح باله مِن الضغوطات والتأنيب. سكنّا في شقّة صغيرة ولكن جميلة وكنّا جدّ متحبّان، وسرعان ما اكتشفَتُ أنّني حامل وشعرتُ أن فرحَتي قد اكتمَلَت. كنتُ أحب مُنير إلى حدّ لا يتصوّره عقل، وكان هو يُبادلني هذا الحبّ ولا يُبخل عليّ لا بالعاطفة ولا بالهدايا، وأذكر أنّني خفتُ كثيرًا مِن هذا الكمّ مِن السعادة، خاصّة بعدما عانَيتُ كثيرًا مِن موت أبي المبكّر وفقرنا ويأسنا.

ولِدَت إبنتنا ناي بصحّة ممتازة ولكن حين بلَغَت الثالثة مِن عمرها، بدأَت تنحف وتمرض باستمرار. ولكنّ طبيب الأطفال لم يُشخّص حالتها جيّدًا فبقيتُ أعطيها الأدوية التقليديّة.

 

في تلك الأثناء، كان مُنير يُسافر إلى أهله مرّة بالشهر حتى أصبَحَ يزورهم كلّ أسبوع. إنزعَجتُ من الأمر ليس لأنّني لم أكن أريده أن يرى ذويه بالرّغم مِن كرههم لي، ولكن لأنّه كان يتركني لوحدي مع طفلة مريضة في منطقة لا أقارب ولا أصدقاء لي فيها والأهم أنّني كنت مِن دون سيّارة، أي أنّني لم أكن قادرة على التصرّف في حال حصَلَ أيّ مكروه لِناي. وبالرّغم مِن معاتبتي له، بقيَ زوجي يغيب يومَين في الأسبوع. سكَتُّ، فما عساني أفعل، خاصّة أنّني لم أكن أريد تعكير صفو علاقتنا.

 


ولم أعلَم بما كان يدور خلف ظهري إلا عندما اكتشَفتُ صدفة في هاتف مُنير محادثات ورسائل مع زوجته السابقة. وبالطبع أنكَرَ زوجي وجود أيّة علاقة بينهما، وقال إنّ الأمر يتعلّق بشؤون عائليّة بحت. ولكنّه نسيَ أن يُفسّر لي لماذا تلك المحادثات لم تكن تحدث سوى في آخر الليل حين أكون قد خلدتُ للنوم. فالجدير بالذكر انّ مُنير كان قد انتقَلَ للنوم في غرفة ثانية لأبقى مع ناي في غرفتنا، وأتمكّن مِن الانتباه إليها خلال نومها. وما أعتبرتُه لفتة نبيلة منه، لم يكن سوى حيلة للتمكّن مِن التحدّث مع زوجته السابقة. ولكنّني صدّقتُه ربما لأنّني كنتُ مشغولة بابنتي الحبيبة التي لم تكن صحّتها تتحسّن.

 

غيّرتُ الطبيب لأنّني لم أرَ نتيجة في علاجه وصُعِقتُ بالتشخيص الجديد. كانت صغيرتي مصابة بداء السرطان! خلتُ أنّني سأموت مِن الحزن، ولكنّني أجبَرتُ نفسي على المواصلة مِن أجل ناي التي كانت بحاجة إليّ وإلى أبيها. ولكنّ مُنير لم يُبدِ مثلي حزنًا أو حتى اهتمامًا عميقًا، بل" أسِفَ" على ابنته قائلًا:" إنّها مشيئة الله".

 

وبدأَت معركتي مع مرض ابنتي التي عانَت كثيرًا مِن الفحوصات العديدة التي أُجريَت لها، وكنتُ أبكي معها وعليها. خضعَت المسكينة لعلاجات مؤلمة ولكنّ حالتها لم تتحسّن. لِذا جئتُ إلى هذا المشفى على أمل أن يجدوا لناي العلاج الذي سيُعيدها إليّ.

 

ـ وأين زوجكِ؟ لم أرَه سوى مرّتَين أو ثلاثة خلال شهر؟

 

ـ إنّه في بلدته... على الأرجح مع تلك المرأة... لِما تزوّجَني إن كان لا يزال يُريدها؟

 

ـ ربمّا بسبب ضغوطات أهله عليه.

 

ـ ألا يجدر للحبّ أن يكون أقوى مِن كلّ شيء؟

 

ـ ربّما في الكتب والأفلام، حبيبتي... الواقع مختلف، فليس هناك مِن شيء ثابت، خاصّة الحب... علينا تغذيته باستمرار وإلا ضَعُفَ بالأخص إن كان يفتقد إلى ركائز قويّة... أظنّ أنّ زوجكِ رأى فيكِ الصّبا ووعدًا بالحصول على ذريّة، وعندما اكتشَفَ مرض ابنته إستيقَظَ حبّه لعائلته وبيئته وربما لابنة عمّه.

 

ـ هذا يعني أنّ مُنير هو جبان وكاذب.

 


ـ تركَكِ تواجهين مَرَض ناي لوحدكِ... نَعَم هو جبان يا حبيبتي... أطلبُ مِن الله أن يكون بعونكِ ويُعطيكِ القوّة والصّبر

 

بقيَت ربيعة مع ناي في المشفى لشهور إلى أن تفشّى المرض في كامل جسم الصغيرة. عندها قال لها الأطبَّاء إنّ مِن الأفضل أن تأخذ ابنتها وترحل فلم يعد هناك مِن جدوى في تعذيبها.

ودَّعتُهما بالبكاء ورأيتُهما ترحلان في سيّارة أجرى. لم يتكّبد زوجها السّافل حتى عناء المجيء لأخذهما.

 

وانقطَعَت أخبار ربيعة، ولم أعد أعلم شيئًا عنها ولكنّني لم أكفّ عن التفكير بتلك المرأة المسكينة. لم أستوعب أبدًا ما فعَلَه زوجها بها وبابنته، فلم أكن أعلم بعد مدى قباحة قلب بعض الناس.

وفي أحد الأيّام، زارتنا إحدى مرضانا القدامى بعد أن شفيتت تمامًا مِن السّرطان. جاءَت لتشكرنا على مجهودنا وتشاركنا فرحتها بعودتها إلى حياة طبيعيّة. عندها سألتُها إن كانت تعلم شيئًا عن ربيعة وناي، لأنّ تلك المرأة كانت تجلس دائمًا معهما ورأيتُ مرارًا المرأتَين سويًّا. قالَت لي إنّها بقيَت على تواصل مع ربيعة، وإنّ زوجها طلّقها فور عودتها مع ابنتها إلى بيتها، وأضافَت أنّ ناي ماتَت بعد فترة قصيرة وأنّ أباها لم يحضر جنازتها، بذريعة أنّه يسكن بعيدًا ولكنّه أتصل بربيعة هاتفيًّا ليّعزّيها.

لم أصدّق أذنَيَّ! صُدِمتُ كثيرًا وانهمَرَت الدموع على وجهي مِن الحزن والغضب. جلستُ على كرسيّ وحدَّقتُ بالحائط أسأل نفسي إن كان مِن المعقول أن يوجد أناس مثل مُنير.

أخذتُ رقم هاتف ربيعة مِن المرأة واتصلتُ بها فور عودتي إلى البيت. بكينا ناي سويًّا وعلِمتُ أنّها توفّيَت بهدوء أثناء نومها.

أمّا ربيعة فأصبحَت امرأة محطّمة ولكن حرّة، ولمستُ لدَيها رغبة بالعيش وإرادة بتخطّي ما فعَلَه بها زوجها وذلك اكرامًا لابنتها المتوفّاة. فاستسلامها يعني انتصار ذلك الرجل القبيح عليها، وهي لم تكن مستعدّة لتركه يتذوّق طعم أفعاله. والغريب بالأمر أنّني حين اتصَلتُ بربيعة كنتُ أنوي مواساتها واعطائها المعنويّات اللازمة للمواصلة، وإذ بها هي التي قوَّتني بفضل شجاعتها وإيجابيّتها.

لا نزال صديقتين حتى اليوم، وأنا متأكّدة من أنّ تلك المرأة الجبّارة ستجد السّعادة قريبًا.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button