ما كان يحدثُ فعلاً بين زوجي وسكريتيرته؟

لم أشكّ يوماً بزوجي حتى مجيء تلك السكريتيرة الجديدة. فكان لُطفي منذ البداية إنساناً وفيّاً رغم وسامته ولباقته مع الناس. جاءَت لتأخذَت مكان سلوى الموظّفة القديرة التي تقاعدت بعد أن عمِلت لسنين طويلة مع زوجي ومن قبله مع أبيه. في البداية لم أنزعج من شيء لسبب بسيط: لأنني لم أتعرّف عليها. ولكن لحظة رأيتُها علمتُ أي صنف من النساء هي. فكانت دنيا من أولئك اللواتي تنظر إلى المرء في عينيه وعلى وجهها تلك البسمة المكتفية وكأنها تقول: أنظروا إليّ فأنا جميلة. وكانت بالفعل جذّابة وجميلة. ودقّ في رأسي ناقوس الخطر لأنّ هذه المخلوقة كانت ستبقى طوال الوقت مع حبيبي.

في البدء لم يحصل شيء يُذكر فبقيَ لطفي كما هو حنون ومحبّ يهتمّ بي وبأولادنا ولكن بعد شهرين بدأتُ ألاحظ تغييراً بمزاجه فباتَ عصبيّاً ينزعج من أشياء تافهة. عندما سألته عمّا كان يشغل باله قال لي أنّ بعض العملاء في الشركة يتأخرون في دفع المستحقّ عليهم وأنّ كل شيء سيزول بعد فترة قصيرة. قبّلتُه وحضّرتُ له فنجاناً من الشاي وقضينا الأمسية أمام التلفاز حتى أن غلبني النعاس وذهبتُ لأنام. ولكن بعد بضعة ساعات إستيقظتُ ولم يكن زوجي بقربي في السرير. نهضتُ لأجده كما تركته على الأريكة ولكن الهاتف بين يديه يتبادل الرسائل مع أحد. عندما رآني خبّأ بسرعة هاتفه تحت إحدى الوسادات وقالَ لي:

- أنا آتٍ... هيّا إسبقيني.

- لا... سندخل الغرفة سويّاً... عليكَ أن تنام فأنتَ تستيقظ باكراً وأصبحت الساعة متأخّرة جداً.

وإنتظرتُه فقام ولحقني إلى السرير. منذ تلك اللحظة قررتُ أن أراقبه. مع من كان يتراسل في هذا الوقت المتقدّم من الليل؟ مع موظّف أم عميل؟ وللحقيقة لم أفكّر آنذاك أنّها قد تكون دنيا هي التي تُبقي زوجي مستيقظاً فكما قلتُ كنتُ أثق جدّاً بلُطفي.

وعندما ذهبتُ إلى مكتب زوجي بعد يومين لاحظتُ أنّ السكريتيرة عمِلت جهدها لتتفاد النظر إلي مباشرةً وكأنّها تخفي شيئاً عنّي. ثمّ أخذَت الهاتف ودقّت لزوجي وقالت له:

- إنّها هنا وتريد رؤيتك.

وجدتُ أن ما قالته كان فظّاً فلم تسمّيني بإسمي أو بكنيتي بل إستعملت صيغة الغائب وكأنني غير موجودة وعندما دخلتُ مكتب لطفي قلتُ له أنّ موظفته لا تتحلّى بأدنى مبادئ الآداب وأخبرته ما جرى. وبدلاً من أن يوافقني الرأي بدأ يدافع عنها وبشدّة:

- إنّها إنسانة ممتازة وخلوقة ولا أفهم لما تتحاملين عليها هكذا! ألأنّها جميلة؟ هل يجب أن تكون مساعدتي كسلوى عجوز وقبيحة؟ أرجوكِ لا تتدخلي بعملي وإن كانت دنيا تزعجكِ فلا تأتِ إلى هنا!

لم أصدّق أن زوجي يكلّمني يوماً هكذا فخرجتُ بعد أن إمتلأت عيوني بالدموع وركضتُ إلى البيت أبكي على راحتي فلم أرد أن تراني تلك الخبيثة وأنا أتألّم بسببها. عندما عاد لُطفي في المساء حاولَ التكلّم معي ولكنني تجاهلته ليعلم أنني لا أقبل أن يعاملني أحد بهذه الطريقة فأنا زوجته وأم أولاده وعليه إحترامي.

ومن تلك اللحظة، أصبح هاتف البيت يدقّ كل ليلة وعندما أجيب كان المتكلّم يقفل الخط بوجهي وأنظرُ إلى زوجي وأقول:

- كانت حتماً المكالمة لكَ ولكن صوتي لم يعجبهم.

وبقيَ لطفي يتراسل عبر الهاتف مع أحد ما في الليل ولكنني لم أقل له شيء لأنني أصبحتُ متأكّدة أنّها هي ولم أكن أريد أن أسمع من زوجي كلاماً مهيناً.

وبعد شهر على هذا النحو قطعتُ كل علاقة جسديّة معه فكنتُ أرفض أن يلمسني بعد أن يكون قد لمسها هي من قبلي. فعندما سألني عن سبب كل هذا الجفاف قلتُ له:

- ولمَ تأبه؟ لديكَ من يعطيكَ ما تريد.

- أنتِ مخطئة... ليس لديّ شخصٌ غيركِ في حياتي... أنتِ من أحبّ ومن أرغب به.

- لستُ غبيّة يا لُطفي... هذه السكريتيرة دخلت بيننا وأنتَ تدعها تُخرب علاقتنا. لو كنتَ تحبّني فعلاً لكنتَ طردتها.

- أنتِ لا تفهمين... لا أستطيع فعل ذلك.

- بل أفهم جيّداً. هنيئاً لكَ...

وساءت الأحوال بيننا إلى درجة أنني فكّرتُ بترك البيت وأخذ الأولاد معي. بهذه الطريقة سيكون له كل الحريّة التي يحتاج إليها. وعندما أطلعتُ زوجي على قراري فصرخَ بي:

- أنتِ مجنونة!

- لا بل أنا عاقلة وسئمتُ من مغامراتك مع موظّفتكَ العزيزة. يجب أن تكون مسروراً لأنني راحلة. أليس هذا ما تريده؟

- لا... إسمعيني... أحبّكِ أنتِ ولا أريد سواكِ... عندما جاءت دنيا للعمل عندي علمتُ فوراً أنّها ستسبب ليَ المتاعب من طريقة لبسها وحركاتها الودودة فتكلّمتُ معها بهذا الشان وطلبتُ منها التقيّد بأنظمة العمل. وشرحتُ لها أنّها لن تنال شيئاً من هكذا تصرّف بل بالعكس ستخسر عملها عندي. غضِبَت كثيراً وصرخَت بي: "أنا لا يرفضني أحد... إذا فكّرتَ بطردي سأقول لزوجتك أنني على علاقة معك حتى لو ليس لديّ إثبات بذلك يكفي أن أزرع الشكّ في رأسها حتى أقلب حياتكَ جحيماً". وحاولتُ إقناعها بالرحيل بسلام عبر رسائل عديدة كانت تبعثها لي في الليل وطلبتُ منها الكفّ عن الإتصال بي في البيت. ولكنّها رفضَت.

- ولماذا لم تُخبرني بكل هذا؟

- ظننتُ أنّ بإستطاعتي معالجة الموضوع دون أن أشغل بالكِ.

- دع الأمر لي إذاً... أنا أعلم كيف نتخلّص منها.

وفي الصباح الباكر ذهبتُ إلى مكتب زوجي. عندما رأتني دنيا تفاجأت وقالت لي أنّ زوجي لم يصل بعد فأجبتُها:

- جئتُ لأراكِ أنتِ وليس لُطفي.

- أنا؟ ولماذا؟

- لأشكركِ على "إهتمامكِ الخاص" بزوحي فأنا سررتُ جدّاً أنّ أحداً أتى على حياته ليشغله عنّي وليأخذ عبءه عني. فأنا لا أطيقه ولم أعد أحبّه منذ زمن بعيد وأنا باقية معه فقط لكي لا يصاب بالحزن العميق... ولكن الآن بعد أن قال لي أنّه يحبّكِ ويريد الزواج منكِ أستطيع الرحيل مرتاحة البال... وسأتركُ لكما الأولاد أيضاً... لا تنسي دعوتي إلى الزفاف! شكراً جزيلاً وهنيئاً لكما!

ثم أقتربتُ منها وقبّلتُها على خدّها. نظرَت إليّ بتعجّب وصرخّت:

- لا! أنا لا أريده! لا أحبّه حتى! لديّ حبيب وأنا مغرمة به... كل ما أردتُه هو أن أضمنَ بقائي في الشركة. خذيه أنتِ فأنا التي سترحل... لم أتصوّر أنّ الأمور ستصل إلى هذا الحدّ. الوداع!

وأخذَت حقيبتها وخرجَت بسرعة. ضحكتُ كثيراً لما جرى وهنّأتُ نفسي على تلك الفكرة. وعندما وصل لُطفي إلى الشركة رآني جالسة مكان دنيا. وعندما سألني عنها قلتُ له:

- ذهبَت من دون رجعة وسأحلّ مكانها إلى حين أجدُ لكَ موظّفة جدّية وكفوءة.

- وبشعة جدّاً؟

- جدّاً!

ضحكنا وغمرنا بعضنا عالمين أنّ حبّنا أقوى من كلّ شيء.

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button