لم أعد أطيق الرجال

إذا كنتُ اليوم أكره فكرة الإرتباط، فالحقّ يقَع على الرجلَين اللذَين عايشتُهما واللذَين شوّها بالنسبة لي صورة الرجل الحقيقيّ. لَم أعد أقبل بالمخاطرة مِن جديدة، فمُجرّد الفكرة تُثيرُ في قلبي الخوف والإشمئزاز.

المُذنب الأوّل كان أبي الذي زجّني في زيجة لَم يكن مِن المفروض أن تحصَل. إلا أنّه كان مِن الذين يُحبّون شرب الكحول والسّهر، وكان قد صاحَبَ أناسًا مثله ليقضوا أوقاتًا مُمتعة سويًّا. وكان لهؤلاء الناس إبن أرادوا تزويجه، فاقترحوا على والدي ربط العائلَتين. وهو رأى في ذلك فكرة جيّدة للغاية. إلا أنّني كنتُ لا أزال في الخامسة عشرة مِن عُمري، ولَم يخطر ببالي أبدًا أنّني قد أصبحُ سيّدة متزوّجة في سنّ يجدرُ بي التفكير بأمور أقلّ جدّيّة وأتهيّأ لمستقبل دراسيّ ومهنيّ واعد.

بالطبع رفضتُ الزواج، لا بل تفاجأتُ أن يُفكّر أبي "بتسليمي" هكذا، خاصّة أنّني لَم أرَ عريسي بحياتي. لكنّ والدي بقيَ مصرًّا بل وصَلَ الأمر به لتهديدي. وعندما رأى أنّ مصيري لَم يكن يهمُّني بالقدر الذي تصوّره، قال لي: "حسنًا، سنرى كَم تحبّين أمّكِ... فإذا لَم تتزوّجي مِن إبن أصدقائي، سأقتلُ والدتكِ وأخفي جثّتُها في مكان لن يجده إنسان."

تصوّروا موقفي حينها! نظرتُ إلى ذلك الرجل الذي كان مِن المفروض به أن يُشعرُني بالأمان، وهو يُخبرُني أنّه ينوي قتل أمّي وإخفاء جثّتها كي لا تحظى بمأتم لائق، وأدركتُ فجأة ضُعفي ووحدَتي. فحتّى لو لم يكن سيُنفّذ والدي تهديده، كان مُستعدًّا لإرهابي وإقلاقي لأقصى درجة مِن أجل حَملي على القبول برغبته. أيّ أب يفعلُ ذلك بابنته؟ ألا يجدرُ به إختيار أفضل عريس لي حين أكون قد كوّنتُ نفسي وأصبحتُ جاهزة لبناء عائلة؟ لذلك قبلتُ باكية خوض تجربة كانت ستبوء طبعًا بالفشل. فالعريس الذي إسمه سعيد كان شابًا أنانيًّا وغير مسؤول، كَبِرَ وسط عائلة لا قيَم لها ولا أخلاق، ورأى فيّ أداة لهو وحسب. فكنتُ آنذاك فتاة جميلة وفتيّة لا أفهم بأمور الحياة.

ستسألون عن أمّي وموقفها مِن الموضوع، وسأجيبُكم بأنّ أبي كان قد عمِلَ لسنوات، على السيطرة عليها ومحو قدرتها على الوقوف بوجهه كي يستطع العَيش كما يحلو له. أعطاها أولادًا كثيرين لتنشغل بهم عنه، ونجَحَ بذلك.

وسعيد كان صورة طبق الأصل عن أبي، وأرادَ هو الآخر بسط سلطته عليّ. وأوّل ما فعَلَه كان حَملي على الحبَل. وبعد سنة بالتمام، كان لدَيّ ولد ولَم أستطع الوقوف بوجه زوجي إلا بعد ولادة إبني الثاني، إذ صِرتُ أكثر نضوجًا وعزيمة.

 


في البدء، حاولتُ إفهام سعيد بأنّ عليه المكوث في البيت ومع عائلته بدلاً مِن السهر والشرب ومعاشرة النساء. إلا أنّه نظَرَ إليّ باحتقار، فبالنسبة له، ليس على النساء إعطاء توجيهات للرجال، بل العكس. وبالطبع بقيَ على حاله، لِذا امتنَعتُ عن القيام بواجباتي الزوجيّة، الأمر الذي أغضبه لأقصى درجة، ووصَلت وقاحته لأن يقول لي: "أجيء لكِ بالأكل والشرب فعليكِ إعطائي حقيّ بالمُقابل". عندها بالذات قرَّرتُ تركه.

طلاقي كان صعبًا للغاية، فلَم يكن أحد موافقًا، وكان عليّ القتال مِن أجل إنهاء مهزلة سبّبها أبي. لِذا رحتُ وطلبتُ منه أن يقوم، ولو لمرّة، بواجبه كأب ويُصلح غلطته. حاوَلَ التهرّب مِن المهمّة، لكنّني لَم أقبَل بالتراجع. إصراري وتصميمي كانا مُخيفَين، فلَم أعد تلك الفتاة الضعيفة والمُطيعة، بل إمرأة شرسَة وقويّة.

قَبِلَ سعيد بأن يُطلّقني بشرط ألا يدفع لي ولولدَيه قرشًا واحدًا. لِذا حملتُه على التنازل عن حقّه بالحضانة، فذلك الإنسان كان بطبيعته غدّارًا وخفتُ أن يأتي يوم ويُطالب بولدَيه.

واستعَدتُ حرّيتي وبدأ مشواري الصّعب الذي لَم ينتهِ حتى اليوم. فالكلّ راهَنَ على فشَلي، وتوقّعوا منّي عودتي إلى زوجي باكية ومُستنجدة. فلَم أكن أحملُ أيّة شهادة أو أملكُ أدنى خبرة في العمل لأجني ما يكفي لإطعام ولدَيّ أو نفسي. بعتُ القليل الذي أملكُه، وسكنتُ عند والدَيَّ اللذَين كانا يعيشان مِن معاش والدي الذي كان بالكاد يكفيهما وباقي اخوَتي الصغار.

لَم يتركني أبي بسلام، بل صارَ يشمتُ ويستهزئ بي طوال النهار ويُردّد: "لَم تعرفي كيف تُقنعين رجلاً بكِ... هذا أقلّ ما يُطلَب مِن إمرأة حقيقيّة... الآن عليّ الإختباء مِن الناس، فلقد جلَبتِ العار عليّ. ماذا أقول لهؤلاء القوم الطيّبين الذين قبِلَوا بكِ وأعطوكِ أفضل الشبّان؟ كيف أسهَر معهم؟ يا لَيتني لم أُنجبُكِ يومًا!". وكنتُ أبكي بحرارة، لأنّ والدي لَم يشعر بيأسي أو عذابي بل كان يُفكّر فقط بنفسه وصحبه. أمّا أمّي، فكانت تطلبُ منّي أن أتحمّل هذا الكلام البشع، تمامًا كما فعلَت هي لسنين طويلة.

لَم أجد عملاً بظروف البلد الصعبة، فقرّرتُ أن أستفيد مِن مهارتي في الخياطة. كنتُ قد اكتشَفتُ في نفسي ميلاً للتفصيل والخياطة، عندما وُلِدَ إبني الثاني وتوقّفَ سعيد عن إعطائي مصروفي ومِن ثمّ مصروف البيت. عندها صرتُ أقصّ قطعًا مِن فساتيني وأحوّلها إلى ملابس لصغيرَيّ. وهذا ما قرّرتُ فعله: قصدتُ تجّار الأقمشة وطلبتُ منهم إعطائي الفضلات، إمّا مِن دون مقابل أو بمبلغ زهيد. وهكذا بدأتُ أبتكرُ ملابس للصغار. كانت البداية صعبة وبطيئة لكن مع الوقت بدأتُ أجني القليل. وذات يوم، طلَبَ أحد تجار الأقمشة رؤية عملي، مِن باب الفضول طبعًا. ولقد أُعجِبَ الرجل كثيرًا بما رآه، وعرَضَ عليّ مساعدتي في إيجاد محلات تتعاقدُ معي. وبالطبع قبلتُ! وبالمبالغ التي صرتُ أتقاضاها، إستطعتُ تعليم ولدَيّ واعطاءهما ما يلزم لأي طفل... إلا أبًا. فبالرغم مِن أنّ رجالاً كثيرين حاولوا إستمالَة قلبي، لَم أقدر على الوثوق بأيّ منهم. إضافة إلى ذلك، لَم أكن أريدُ جلبَ مَن قد يستبدّ بطفليَّ بعد أن عانا الكثير.

 


مرَّت السنوات بهدوء، ومرِضَ أبي بسبب الكحول والسهر، ولَم يعُد قادرًا على التحرّك. عندها عادَت عاطفتي له، فكانت تلك أوّل مرّة أراه فيها إنسانًا ضعيفًا و... لطيفًا. صحيح أنّه هو الذي أقحمَني في حياة لَم أكن أريدُها ولَم تكن ناجحة لا بل مأساويّة، إلا أنّ قلبي لَم يعُد قادرًا على الحقد عليه. نسيتُ كلّ شيء وصرتُ أهتمّ به شخصيًّا وآخذه في نزهات. كان عليّ حمله إلى السيّارة وكأنّه طفل صغير، فقد كان قد خسِرَ الكثير مِن وزنه جرَّاء حالته الصحيّة. وكنّا نذهب إلى أماكن جميلة حيث أركنُ سيّارتي ونتفرّج على المارّة والمناظر الخلابة. وفي إحدى النزهات قال لي أبي:

 

ـ لَم أتصوّر أن تُعامليني بهذا الحنان بعد الذي فعلتُه بكِ.

 

ـ لقد سامحتُكَ يا بابا... وعفوتُ عمّا مضى.

 

ـ لأنّني سأموت قريبًا؟

 

ـ لا، بل لأنّكَ اليوم الأب الذي حلِمتُ به.

 

ـ صحيح أنّني كنتُ إنسانًا كريهًا ودمَّرتُ حياتكِ وحياة كلّ الذين أحبّوني، ربمّا لأشعر بقوّتي. أين قوّتي الآن؟

 

ـ ولِما تحتاج إلى القوّة عندما يكون لكَ مَن يُحبّكَ؟ القوّة للأعداء يا بابا.

 

ـ أنتِ على حق... كالعادة. أنتِ قويّة أيضًا، لكن بشكل آخر، قويّة بعزيمتكِ.

 

ـ أنا مثل أمّي.

 

ـ أمّكِ؟ لَم أرَها قويّة يومًا.

 

ـ بلى، لَزِمَها الكثير مِن القوّة لتتحمّلكَ بصمت وتُركّز على بيتها وأولادها.

 

ـ كَم كنتُ مخطئًا... يا لَيتني أستطيع العودة في الزمن، كنتُ...

 

ـ كنتَ ستكون كما في السابق، صدّقني. مِن الجيّد أنّكَ تغيّرتَ الآن، حتى وأنتَ مريض، فهذه الفترة هي الأهمّ بنظر الله.

 

ـ هل سيُسامحني هو الآخر؟

 

ـ أنا متأكّدة مِن أنّه فَعَل. فهو يقرأ في القلوب ويعرفُ ما يدورُ فيها. لا تخَف.

 

ـ إذًا يُمكنُني الرحيل بسلام.

 

ماتَ والدي بعد أشهر قليلة، وكان مِن الجيّد أنّني حزنتُ عليه. فلو ماتَ وهو بصحّته ومِن دون أن يتوب، لَما كنتُ قادرة على ذكره بصلاتي كما أفعلُ الآن. لحِقَت أمّي بأبي، وأظنّ أنّهما الآن سعيدان سويًّا حيث هما، بعد أن علِمَ والدي أين أخطأ وصارَ قلبه نقيًّا. وأنا متأكّدة مِن أنّ والدتي لاقَت أخيرًا ما انتظرَته مِن زوجها، أي أن يُحبّها ويحترمُها ويُكرّمُها بقدر ما تستحقّ.

صارَ ولدايَ شبابًا، وأستطيع القول إنّني فخورة بهما إلى أقصى درجة. فهما لم يأخذا شيئًا مِن طباع أبيهما أو جدّهما، الأمر الذي يُثبتُ بشكل قطعيّ أنّ التربية هي الأساس في قَولَبة الطفل. وصار همّهما الوحيد أن أجد السعادة وأرتاح مِن العمل بعد أن باتَ باستطاعتهما جلب القوت إلى البيت. وأنا لَم أترك عملي، بل خفّفتُ مِن وتيرته قليلاً، لأنّني تعوّدتُ على أن يكون لي هدف ألاحقُه وأصل إليه.

حاوَلَ ولدايَ إقناعي بالتعرّف إلى أحد لأكمل معه مشوار حياتي، لكنّني لا أزال أرفضُ حتى التفكير بالموضوع. على كل حال، لا أشعرٌ بالحاجة إلى مقاسمة أيّامي مع أحد، بل أرى أنّ أي رجل سيكون عبئًا على حياتي التي أحبُّها كما هي. قد يفهمُني البعض، وقد يقول البعض الآخر إنّني بحاجة إلى مُعالجة نفسيّة لنسيان الماضي.

هل أنا تعيسة ووحيدة؟ أبدًا، فلدَيّ إبنَاي وعمَلي. وعندما سيتزوّجان، سأفرحُ لهما وأزورُهما لألاعبَ أحفادي، كما كنتُ سأفعلُ لو أنّني تزوّجتُ وتوفّى زوجي. فالحياة ليست رجلاً، بل إكتفاء ورضى بالذي لدَينا، وشكر الله دائمًا على ما أعطانا، لأنّ كل شيء منه جميل.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button