عروس من طين (الجزء الأول)

أعطَيتُها كلّ شيء لكنّ ذلك لَم يكن كافيًا. بانَت جهينة على حقيقتها، فلَم يهمّها كلّ الذي أنجزَته مِن أجلها، والتضحيات التي قمتُ بها لأكون معها. كلّ ما أرادَته كان مالي وجاهي.

ولتفهموا مدى حبّي لجهينة، عليّ سَرد قصّتي مِن الأوّل، أيّ منذ ذلك اليوم حين عرّفَتني صديقة لي على صديقتها جهينة. في ذلك الوقت، لَم أكن أنوي أبدًا خوض علاقة جدّيّة مع أحَد، إذ أنّني بدأتُ لتويّ العمَل في مصنع أبي لممارسة الذي تعلمتُه في الجامعة. كنتُ مليئًا بالحماس، فكنتُ الابن الوحيد والمُدلَّل منذ ولادتي، وجاءَ الوقت لأثبتَ جدارتي لأهلي والعالَم أسره في حين خالَني الجميع أنّني سأفشَل وأقضي حياتي أعيشُ مِن المصروف الذي أتقاضاه مِن والِدَي. فعائلتنا هي مِن أكبر وأهمّ عائلات المنطقة والكلّ يهابُنا ويحترمُنا في آن واحِد.

لكنّ جهينة كانت جميلة وجذّابة وتعرفُ كيف تُذوِّب قلوب الرجال لأنّ أمّها كبّرَتها لهذه الغاية بالتحديد، وعلّمَتها كلّ ما عليها معرفته لتنجَح بالنَيل مِن عريس ثريّ. إلّا أنّ نقطة ضعفها الوحيدة كانت أنّها كانت ابنة أناس فقراء وغير مُتعلّمين، أيّ بعيدة كلّ البُعد عن عالَمي والعالَم الذي تنوي دخوله. وعرفتُ على الفور أنّه سيكون عليّ خوض معركة كبيرة مع أهلي ليقبَلا بها، خاصّة أنّهما كانا ينويان تزويجي لفتاة مِن طبقتنا الاجتماعيّة. وقعتُ في حبّ جهينة وهي مثّلَت عليّ دور الصبيّة المُتيّمة، وأبقَينا علاقتنا سرّيّة حالما أجِدُ طريقة لإقناع والِدَي بها. قبِلَت حبيبتي بالبقاء في الظلمة لكنّها قالَت لي:

ـ لن أنتظرَ طويلًا... فلا أريدُ قضاء شبابي بانتظار إشارة مِن أبوَيكَ... أنتَ تعلَم أنّ العديد مِن الشبّان يُريدوني... إفعَل جهدكَ.

 

ـ لا تخافي يا حبيبتي، فأنا إبنهما الوحيد ولن يقسوان عليّ كثيرًا. إضافة إلى ذلك، حين يتعرّفان عليكِ، سيُحبّانكِ كثيرًا، تمامًا كما أحبَبتُكِ.

 

وفي تلك الفترة، تقرّبتُ كثيرًا مِن عائلة حبيبتي، فهم الوحيدون الذين يعلمون بتلك العلاقة. مِن جهتهم، هم عامَلوني أفضل مُعاملة، فلا تنسوا أنّني كنتُ بالنسبة لهم بمثابة كنز ثمين. لكن في تلك الفترة، حسبتُهم بالفعل يحبّونني لشخصي، بالرغم مِن الهدايا الثمينة والباهظة التي كنتُ أهديها لهم ولابنتهم.

ويوم أخذتُ جهينة للتعرّف على والِدَي، تقرَّرَ مصيري. فبالرغم مِن أنّ حبيبتي ارتدَت أجمَل ما لدَيها ولبِسَت الحُلى التي اشترَيتُها لها، عرفَت أمّي مِن نظرة واحِدة أنّها ليست مِن مُجتمعنا. فهناكَ تفاصيل لا تغيب عن العَين، فاللباس لا يخفي طريقة المشي والجلوس والتكلّم، وذوقٌ يتمثَّل بما تمرَّرَ عبر الأجيال. وعندما صِرنا كلّنا في صالوننا الفخم، وبعد أن نظرَت حبيبتي حولها مبهورة بهذا الكمّ مِن التحف الثمينة والأقمشة الفاخِرة، بدأَت والِدتي بسألها عن نفسها.

فأجابَتها جهينة:

ـ أنا صبيّة مُتعلِّمة، فلدَيّ إجازة في القانون.

 

ـ وماذا عن والدَيكِ؟

 

ـ إنّهما... أقصد لَم...

 

ـ ما مهنة أبيكِ؟ أيّة شركة يملك؟

 

ـ إنّه... أقصد ليس لدَيه شركة.

 

ـ وماذا لدَيه؟

 

ـ ليس لدَيه شيء... إنّه موظّف في مصرف.

 

ـ موظّف... في مصرف... وما هي وظيفته بالتحديد؟

 

ـ يوصِل البريد مِن فرع لآخَر.

 

نظَرت إليّ والدتي وعلى فمها بسمة سخرية، وقَبل أن تتابِع استجوابها، تدخّلتُ:

ـ ماما، أب جهينة رجُل طيّب، ضحّى مِن أجل عائلته كثيرًا وربّى أولاده أفضل تربية.

 

ـ لَم أقُل العكس.

 

ثمّ أستدارَت مُجدّدًا نحو حبيبتي:

ـ هل لدَيكم أملاك؟

 

ـ أملاك؟

 

ـ سكنكم، هل هو لكم؟ هل تملكون أراضي؟

 

ـ نعيشُ بالإيجار... وليس لدَينا أراضٍ.

 

إمتلأت عَينا جهينة بالدموع، فصرختُ بأمّي لتكفّ عن مُضايقة حبيبتي. عندها تدخّلَ أبي:

ـ نحن لا نُضايِق هذه الصبيّة، نُريدُ التعرّف عليها أكثر.

 

ـ هذه الصبيّة اسمها جهينة.

 

ـ هذا لا يهمّ... وكما أرى، هي مِن بيئة مُختلِفة تمامًا.

 

ـ ما هذا الكلام؟!؟

 

ـ وأظنّ أنّ ما يهمُّها الأكثر هو دخول بيئتنا والاستفادة مِن مالنا.

 

ـ كفى! تتكلّم وكأنّني لستُ مرغوبًا لشخصيّ!

 

ـ أعرفُ الناس أكثر منكَ يا بُني... ومِن نظراتها مِن حولها، وجهودها لتبدوَ واحِدة منّا، فهمتُ على الفور ماذا تُريد... أليس كذلك يا حبيبتي؟

 

عندها أجابَته أمّي:

ـ بالطبع... لسنا أغبياء ولقد صادَفنا الكثير مِن صنفها.

 

بدأَت جهينة بالبكاء فقمتُ مِن مكاني وسحبتُها مِن ذراعها وخرَجنا مِن البيت بعد أن قلتُ:

ـ أخجَل منكما! كيف بإمكانكما معاملة إنسانة هكذا؟!؟ أليس لدَيكما أيّ إحساس؟ وهل يجب أن يكون الجميع أثرياء؟ وماذا عن الأخلاق؟ لن أوجِّه لكما الكلام إلى حين تعتذران على الأقلّ منّي، فبإهانة جهينة، أنتما أهنتماني!

 

خرجتُ غاضبًا وجهينة باكيةً، وواسَيتُها إلى حين ابتسَمت أخيرًا بعد أن قصدنا مطعمًا جميلًا وتناولنا العشاء. وعندما عدتُ إلى البيت مساءً، كان والِداي بانتظاري ليقولا لي إنّ جهينة لن تصبحَ يومًا جزءًا مِن عائلتنا، وإنّ هذا هو قرارهما النهائيّ. لَم أقُل شيئًا لأنّني أمِلتُ في داخلي أن يُغيّرا رأيهما يومًا. فالواقع أنّ أمّي وأبي بالفعل طيّبان، وهذا بالذات ما أدهشَني في موقفهما مِن جهينة، فأمّي كانت عضوًا في جمعيّات خيريّة كبيرة وأبي مُساهِم في إعالة عائلات عديدة. لذلك صبرتُ.

لكنّ جهينة وأهلها لَم يصبروا، بل صاروا يحثّوني على الوقوف في وجه والِدَي، واقترَحَ أب حبيبتي أن أطلبَ حصّتي وأنفصلَ عنهما وأتزوّج جهينة.

في البدء، رفضتُ الفكرة تمامًا، لكن مع الوقت والإصرار مِن جانب أهل جهَينة، قابَلتُ والِدي في مكتبة في المصنع وقلتُ له:

ـ أُريدُ حصّتي!

 

ـ أيّة حصّة؟

 

ـ حصّتي في المال!

 

ـ أيّ مال؟

 

ـ مالكَ وأمّي!

 

ـ أنتَ قلتَها: مالي وأمّكَ.

 

ـ إنّه أيضًا مالي!

 

ـ مالكَ هو راتبُكَ التي تتقاضاه هنا في المصنع، والمصروف الذي نشاء إعطاءَه لكَ.

 

ـ وماذا عن الميراث؟

 

ـ ما زلتُ حيًّا وأتكلّم معكَ... أمّ أنّكَ تُريدُني أن أموت؟

 

ـ لا، طبعًا... لكن قيلَ لي...

 

ـ مَن قالَ لكَ ذلك؟ أهل حبيبتكَ؟

 

ـ كيف علِمتَ؟!؟

 

ـ قلتُ لكَ إنّني أعرفُ الناس جيّدًا وخاصّة ذلك الصنف.

 

ـ لماذا لا تأخذ وقتكَ بالحكم عليهم؟

 

ـ ألَم تسمَع مِن أهلها وجئتَ تطالِب "بِحصّتكَ؟" ألا ترى أنّهم يُريدون مالنا؟ حسبتُكَ أذكى مِن ذلك!

 

ـ هم يُريدون الأفضل لي ولابنتهم! فلو عاملتوها بطريقة أفضل...

 

ـ كفى! لن نُغيّر رأينا وأنصحُكَ بأن تستعمِل عقلكَ قليلًا.

 

ـ أنا ذاهب ولن أعود!

 

ـ بل ستعود حالما تفهَم اللعبة. لكن حتّى ذلك الحين، أنتَ مطرود مِن المصنع. لنرى كم مِن الوقت ستبقى "حبيبتكَ" تُحبُّكَ!

ـ هي تُحبُّني لنفسي! سترى!
 

ضحكَ أبي عاليًا وأضافَ:

ـ إعلَم أنّ بابنا مفتوح لكَ، وسنكون بانتظاركَ.

 

ـ لن أعود! بل سأتّكِل على نفسي وأبني عائلة مع جهينة!

 

ـ نصيحة أخيرة: لا تُنجِب منها. وفّقَكَ الله.

 

خرجتُ غاضِبًا مِن المصنع واعِدًا نفسي بالنجاح. لكنّني كنتُ بعيدًا كلّ البُعد عن تصوّر الذي ينتظرُني.

 

يتبَع...

المزيد
back to top button