أبشع عقاب

أنجبَ والدايَ ولدَين، وكان أخي محسن يصغرني بسنتَين فقط. كانت أمّي تدلّع إبنها بشكل فائق، الأمر الذي حمَلَ أبي على التعويض لي عمّا نقَصَني مِن عاطفة، وكان ذلك يكفيني لأنّه كان رجلاً عادلاً ومحبًّا علّمَني الإستقامة والاجتهاد لنَيل مُبتغاي. أمّا مُحسن فكان يُفضّل استعمال الطرق الملتوية، كالبكاء والتوسّل والتمثيل، للحصول على ما تطلبُه نفسه، يعني ذلك أيّ شيء تقع عيناه عليه حتى ولو كان ملك الآخرين، وبالأخص ملكي. عندها كانت تُجبرني أمّي على إعطاء أخي ما يُريده منّي، وأنا كنتُ أنفّذ أوامرها لأبعد عنّي غضب التي لم تعد تحسب لي أيّ حساب.

مرَّت السنوات وكنتُ أولى صفّي في المدرسة على عكس أخي الذي، بالرّغم مِن براعته في النقل والغشّ، كان دائمًا على شفير الرسوب. كنتُ مفخرة أبي وكنتُ سعيدة بهذا. إلا أنّ والدي الحبيب توفّي أثناء تأدية عمله، وتركَني أعيشُ تحت رحمة أمّ قاسية وأخ كسول.

دخلتُ الجامعة وبدأتُ أتخصّص بالهندسة وكان الكلّ أكيدًا مِن نجاحي. حتى والدتي كانت قد هنّأتني على اختياري، ولم تنسَ أن تذكّرني بأنّ لدَيَّ واجبات تجاه التي حملَتها في بطنها تسعة أشهر.

كنّا نعيش مِن راتب أبي، وكانت والدتي تنتظر لحظة أبدأ بالعمل لأصرف عليها... وعلى ابنها. بالطبع كنتُ أنوي مساعدة عائلتي حالما أبدأ بقطف ثمار دراستي، عالمة تمام العلم أنّ مُحسن لن يصرف قرشًا واحدًا على أحد سواه، هذا لو تمكّن مِن إيجاد وظيفة محترمة بعد أن تركَ الدراسة باكرًا، وبدأ يقضي وقته مُستلقيًا على أريكة الصالون يُشاهد الأفلام طوال النهار وينام باقي الوقت.

حصلتُ على إجازتي بالهندسة، وتوظّفتُ بسرعة فائقة بفضل أستاذي الذي أثنى عليّ لدى شركة كبيرة ومهمّة.

أعطَيتُ أمّي أوّل راتب حصلتُ عليه، الأمر الذي جلَبَ لي قبلات نسيتُها منذ سنوات عديدة. أمّا مُحسن، فنظَرَ إليّ قائلاً:

 

ـ أين حصّتي؟

 


ـ حصّتَكَ؟ ولِما يكون لكَ حصّة من تعَبي؟

 

ـ ألستُ أخاكِ؟

 

ضحكتُ للدعابة ولم أفكّر ولو للحظة أنّ أخي يظنّ فعلاً أنّ له حقوقًا ممّا أجنيه.

بعد حوالي السنة، عُرِضَ عليّ السفر إلى الخارج للعمل في فرع للشركة، وأسرعتُ بالقبول ربّما لكثرة رغبتي بترك منزل لستُ محبوبة فيه. ودّعتُ أمّي وأخي، وطرتُ إلى آخر الكرة الأرضيّة وفي قلبي غصّة لأنّ أبي ليس موجودًا ليفتخر بابنته.

كان العمل في الخارج شاقًا، لأنّ الناس هناك متطلّبون، ويعتقدون أنّ الوقت ثمين جدًّا ويقيسون المرء حسب انتاجه. عملتُ ليلاً نهارًا حتى أن نسيتُ أنّ لدَيَّ حياة شخصيّة، فلم أكوّن أصدقاء أو حتى معارف بل بقيتُ أتنقّل بين شقّتي الصغيرة ومقرّ عملي.

مالي، كنتُ أرسله لأمّي لتصرف منه وتضع جانبًا لي ما تبقّى منه كي أؤسّس عملاً خاصًا بي حين أعود. فأنا لَم أكن أنوي البقاء بعيدة عن بلدي طويلاً، وكنتُ أحلم بإنشاء شركة تكبر مع مرور الوقت لتصبح مِن الأنجح.

زرتُ أهلي وبلدي مرّتَين فقط خلال ثماني سنوات، لأنّ المسافة بعيدة جدًّا والسفر شاق، ولأنّني لم أشعر بأنّ أحدًا اشتاقَ حقًّا لي. حتى خلال مكالماتنا الهاتفيّة، كانت أمّي تتبادل معي كلمات قليلة وتسرع بإقفال الخط. أمّا أخي، فلم أسمع منه كثيرًا، خاصّة في الأواني الأخيرة، وكنتُ سأكتشف السبب حالما وطأَت قدماي عتبة بابنا حين عدتُ بصورة دائمة.

قبّلتُ والدتي التي لم تنظر مباشرة إليّ، بل بقيَت تدير وجهها عنّي، وسألتُ عن مُحسن. عندها قالت لي إنّه وجَدَ عروسًا منذ فترة سنة وسكنا سويًّا في شقّة جميلة. عندها قلتُ ممازحة: "لا بدّ أنّ تكون ثريّة، فأخي لا يملك فلسًا!" لكن مِن شكل وجه أمّي، علِمتُ أنّني أصبتُ نقطة مهمّة. أجبرتُها على التكلّم وهذا ما خَرَج مِن فمها:

 

ـ لا... ليست ثريّة، بل العكس.

 

ـ ومِن أين أتى أخي بالمال إذًا لإقامة زفاف وشراء شقّة في شارع فخم فهو عاطل عن العمل.

 

ـ لقد... لقد... أعطَيتُه المال الذي كنتِ تبعثينَه لي.

 

ـ ماذا؟!؟ أعطَيتِه ما جَنَيتُه خلال ثماني سنوات في غربة قاسية؟ هل فقدتِ عقلكِ؟!؟ كيف تخونين ثقتي هكذا؟ كيف تموّلين كسولاً لا منفعة منه على حسابي؟ ماذا سأفعل الآن؟

 

ـ تجدين عملاً هنا، بكلّ بساطة!

 


ـ وأواصل الصّرف على أخي؟

 

ـ بالطبع! ومَن أين سيستطيع دفع تكاليف حياته وزوجته؟ لقد اعتادا على حياة مريحة. إلى جانب ذلك، هو قال لها إنّه يملك أراض عديدة لِذا لا يحتاج إلى العمل. أتريدينَه أن يُذلّ أمام زوجته؟

 

ـ أنتِ حقًّا مجنونة! لن أمكث دقيقة هنا ولن ترَي وابنكِ قرشًا واحدًا منّي بعد الآن!

 

ـ أنتِ مُلزمة بأمّكِ! لقد صرفتُ عليكِ وعلى علمكِ سنين طويلة.

 

ـ أوّلاً أنتِ لم تفعلي، بل أبي. ومِن ثمّ صرفنا مِن راتبه. أنتِ لم تتعبي عليّ يومًا لا ماديًّا ولا عاطفيًّا، بل وضعتِني جانبًا واستغلَّيتِني بعد ذلك. أخذتِ تعَبي وسرقتِ مستقبلي. الوداع!

 

ذهبتُ أمكث في فندق، وباشرتُ بمراسلة شركتي لأستعيد منصبي الذي تركتُه. مِن حسن حظّي أنّهم كانوا يُريدوني أن أعود، وطرتُ إليهم فور وصول الأوراق اللازمة. بالطبع لم أودّع أحدًا، بل أسرعتُ أترك المكان الذي لم أعد أطيقُه.

كانت حالتي النفسيّة سيّئة للغاية، إذ لم أعد أملك شيئًا. وكنتُ وكأنّني عدتُ إلى نقطة الصفر، إلا أنّني تحلّيتُ بالصبر، وأقنعتُ نفسي بأنّني أفتح صفحة جديدة مِن حياتي. كنتُ لا أزال شابّة والدّنيا تفتح لي ذراعَيها.

أمّا بالنسبة لأخي، فحين لم تعد تصله الإمدادات الماليّة وجَدَ نفسه في مأزق كبير، إذ لم يعد يستطيع الأكل أو الشرب، ناهيك عن مشاكله مع زوجته التي طردَته مِن الشقّة بعد أن اكتشفَت أكاذيبه. كان مُحسن قد سجَّلَ الشقّة باسم زوجته كي لا أطالبُه بمالي عند عودتي مِن الغربة، ولم يجد مكانًا يذهب إليه سوى مسكن أمّه. هناك عاشَ معها على راتب أبي الضئيل. لم يُفكّر أخي يومًا بالعمل، إذ تربّى على الكسل وعلى الإعتقاد بأنّه أفضل مِن غيره. وحين مرضَت والدتي ولزمها علاج، لم يكن هناك ما يكفي مِن مال لذلك، خاصّة أنّ أخي لم يشأ التنازل عن قرش واحد مِن أجل صحّة والدته. لو علِمتُ بالأمر في حينه، لأرسلتُ لها كلفة العلاج، فحتى لو أنّها تسبَّبَت لي بخسارة ما جنَيتُه، تبقى أمّي وعليّ الإعتناء ولو بصحتّها الجسديّة.

لم أعرف بخبر موت والدتي إلا بعد سنوات، مِن أناس إلتقَيتُ بهم أثناء حفل أُقيمَ في السفارة. شعرتُ بحزن عميق، خاصّة عندما قالوا لي إنّها ماتَت مِن الإهمال، الأمر الذي تداوله سكّان الحيّ كلّه لكثرة فظاعته. علِمتُ أيضًا أنّ أخي يعيش لوحده في البيت نفسه، وأنّه بعزلة تامّة بعدما قرَّرَ الجميع تفاديه بسبب ما فعلَه بأمّه. لا أعتقد أنّ الأمر يُزعجه، فهو يظنّ حتمًا أنّ كره الناس له عائد إلى غيرتهم منه، بعدما بقيَت أمّه تقول له لسنين طويلة إنّه فريد مِن نوعه ويستحقّ الأفضل.

أمّا أنا، فلقد تزوّجتُ بعد عودتي إلى الخارج بسنتَين مِن زميل لي وأنجبنا صبيًّا وبنتًا، وأعمل جهدي ألا أفضّل الواحد على الآخر وأكون عادلة كما كان أبي، رحمه الله. هل سامحتُ أمّي؟ أجل، لأنّني متأكّدة مِن أنّها أدركَت خطأها عندما رفَضَ ابنها معالجتها وتركَها تموت وهو يتفرّج عليها. أليس ذلك أبشع عقاب؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button