مقابلة مع Delphine Jelk مديرة ابتكار العطور لدى Guerlain

انسَي النظرة الوردية للأمور؛ فـ Delphine Jelk، مديرة ابتكار العطور لدى دار Guerlain، ترى وتشمّ اللون الأزرق، إذ تضفي منظوراً جديداً ومنعشاً على أحد عطور الدار الأسطورية بامتياز.

 

يُعدّ عطر L’Heure Bleue صرحاً شامخاً في عالم العطور. كيف تعاملتِ عاطفياً مع ابتداع تحفة فنّية كهذه؟ 

بدلاً من وصفها بأنّها "إعادة تفسير"، من الأفضل أن أصفها بأنّها "تحية تقدير". فالعطر هذا ليس نسخة مكرّرة، بل تفسير عصري يحمل المشاعر ذاتها. لقد استلهمتُ أفكاري من الطريقة التي فسّر بها جاك غيرلان عطر L’Heure Bleue، بأسلوبه الذي يغلب عليه النهج الانطباعي. بالنسبة لي، هو عطر بألوان الباستيل؛ عطر يكتنفه الغموض والنعومة الضبابية. لا توجد فيه تباينات حادّة أو فواصل قاطعة، بل يكمن كلّ شيء في التدرّجات وتناغم النوتات. أكثر ما يلامس مشاعري في L’Heure Bleue هو تلك الرقّة التي أجدها في مزيج زهرة السوسن (الإيريس)، والمارشميلو، وزهر البرتقال. تلك هي المشاعر التي أردت الحفاظ عليها وإعادة صياغتها لتناسب العصر الحالي. اليوم، أمتلك تشكيلة من المواد الخام التي لم تكن متاحة لجاك غيرلان، ولا سيما النوتات الأوزونية التي تستحضر شعور الهواء النقي ورائحة السماء. أردتُ إضفاء هذه الانتعاشة الهوائية مع الحفاظ على الروح الأصلية للعطر.

 

ما هو السؤال الجوهري الذي انطلقتِ منه في هذا الابتكار؟ 

كيف سيكون شكل عطر L’Heure Bleue لو أُنتج اليوم؟ كان هذا السؤال هو المحرّك لعملية الابتكار بأكملها. لقد استحضرتُ قصة تلك اللحظة الدقيقة التي يرحل فيها النهار دون أن يحلّ الليل بعد؛ إنّها لحظة انتقالية، ولحظة عبور وتحليق. فالنهار يمثّل الالتزامات والواجبات، بينما يمنح الليل حرّية جديدة. إنّها لحظة تتّسم بالنعومة، والحميمية، والشاعرية، وتبدو وكأنّها خارجة عن الواقع. لقد وجّهتني تلك المشاعر بعمق، إلى جانب فكرة التباين: التباين بين الدفء والانتعاش، وبين جاذبية العطر الحسّية على البشرة والهواء البارد الذي يبعث قشعريرة في الجسد. إنّها قشعريرة تجمع بين الأجواء المحيطة والمشاعر الداخلية؛ إنّها نشوة الحرية وآفاق الاحتمالات اللامتناهية.

 

لماذا تمّ تحضير صبغة السوسن خصّيصاً لهذا العطر؟ 

كانت صبغة السوسن جزءاً من الخبرة التاريخية لدار Guerlain، وقد أردتُ إحياء هذا التقليد. وما يعجبني في هذه الصبغة هو عملية تحضيرها الطبيعية، فضلاً عن خصائصها العطرية التي تجمع بين الغنى والانتعاش الفوري؛ إذ تبرز رائحة السوسن منذ اللحظات الأولى في النوتات العليا، ثمّ تتكشّف تدريجياً على البشرة لتكشف عن جوانب عطرية متعدّدة. ونحن في Guerlain نمتلك خبرة فريدة في تحضير الصبغات العطرية داخلياً، وهي ميزة هائلة نعتزّ بها.

 

هل يمكنك إخبارنا أكثر عن هذه العملية؟ ما الذي تتضمّنه؟ 

تتألّف عملية التقطير من نقع مادة طبيعية في الكحول لاستخلاص كامل غِناها العطري. إنّها تقنية عريقة أتقنتها دار Guerlain على مدى قرابة ٢٠٠ عام، لا سيما من خلال صبغة فانيليا مدغشقر الشهيرة. بالنسبة لعطر L’Heure Bleue، أردتُ ابتكار لمسة جديدة في مجموعتنا العطرية ـ شيء أكثر حيوية وإشراقاً. يُعدّ السوسن رمزاً في Guerlain، فهو عنصر أساسي في مجموعة Guerlinade ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ هذا العطر. لكن استخدام السوسن كصبغة يتيح تعبيراً مختلفاً: أكثر انسيابية، وأكثر انتشاراً، وأكثر تأثيراً. أجرينا بحثاً مستفيضاً. أولاً، اخترنا الجذور المناسبة، وهي الجزء الموجود تحت الأرض من السوسن حيث تتركّز رائحته. وجدنا الجودة التي كنّا نبحث عنها في إيطاليا، وهي بيئة استثنائية لهذا "الذهب الأزرق" في عالم العطور. ثمّ قمنا بتحسين العملية: مدّة النقع، والنِّسب، واللمسات النهائية. استغرق الأمر ثلاث سنوات لتحقيق التوازن الأمثل. عملتُ عن كثب مع الفرق التي تسهر وتحافظ على خبرة Guerlain.

 

كيف عملتِ على ابتكار النوتة الأوزونية، ذلك الإحساس بـ"ملامسة السماء للبشرة"؟ 

من خلال استخدام مكوّنات عصرية، أبرزها مادة "كاسكالون" التي توحي بنسمات الهواء النقي. فهي تتيح لي ترجمة ذلك الشعور بالهواء الصافي، والأنفاس، والسماء الزرقاء، في تباينٍ بديع مع الطابع الحسّي الدافئ للبشرة.

تلعب الفانيليا ومادة "الأمبروكسان" دوراً محورياً في الأثر العطري، لماذا؟ لأنّ المزيج بينهما رائع وجذّاب للغاية. يضفي "الأمبروكسان" طابعاً حسّياً يماثل ملمس البشرة ـ بلمسةٍ مالحة تكاد تكون محسوسة ـ مما يوازن حلاوة الفانيليا. ومعاً، يخلقان انطباعاً ببشرةٍ دافئة تداعبها أشعّة الشمس، في طابعٍ محايد لا يتقيّد بتصنيفات الجنسين. وهذا يعكس فكرة أعتزّ بها كثيراً: اللون الأزرق للفتيات، تعبيراً عن أنوثة حرّة وأصيلة.

 

يحلّ اللون الأزرق هنا محل اللون الوردي؛ فما الذي يرمز إليه؟ 

لقد ابتكرتُ عطراً تفوح منه رائحة "اللون الأزرق"، وكان ذلك أمراً بديهياً بالنسبة لي. فالأزرق هو لون السماء، والسكينة، والثقة؛ إنّه يبعث على الهدوء ويفتح الآفاق للأحلام. كما أنّه لون عالمي محايد لا يرتبط بجنسٍ محدّد، ويدعو إلى تجسيد أنوثة تتّسم بالتنوّع، والحرية، والأصالة.

 

لو كان عطر L’Heure Bleue بمثابة دعوة، فماذا عساه يقول للنساء اليوم؟ 

عِشنَ الحياة بكلّ تفاصيلها. فهذه اللحظة الانتقالية تمنح حرية هائلة: حرية عدم تقديم تنازلات، والجرأة، والإقدام. ليس من السهل دائماً أن تكوني على طبيعتكِ تماماً. ويأتي عطر L’Heure Bleue كتلك النسمة الرقيقة التي تذكّرنا بأنّ كلّ شيء ممكن، في تلك اللحظة الساكنة التي ينساب فيها النهار برفق ليتحوّل إلى ليل.

المزيد
back to top button