قسوة أب وغفران ابن...

وقفتُ مكتوف اليدَين حين كانت والِدتي تتحمّل مُعاملة أبي السيّئة لها بعدما أصابَها شلل نصفيّ بسبب جلطة قويّة. لَم أُدافِع عنها ولَم أُسكِت والِدي، بل حسِبتُها تستحقّ الذي حصَلَ ويحصل لها. فالواقِع أنّ أمّي اقترفَت خطأً كبيرًا حين خانَت زوجها، وهو قبِلَ بأن تبقى معنا لتُربّينا وليس أكثر. لِذا، حين هي صارَت شِبه مشلولة، وفي حالة ضعف كبير، صبَّ أبي عليها كلّ غضبه وشرّه.

منذ الأوّل نكرَت أمّي تلك التهمة وقالَت عاليًا إنّها لَم تخُن أبي يومًا، بل إنّه يختلِق الأكاذيب حولها. ولدى سؤالنا عن السبب الذي قد يدفعُ أبي لاتّهامها بالخيانة كِذبًا، هي لَم تستطِع الإجابة طبعًا. عندها ترَكناها لمصيرها، أيّ تتحمّل تداعيات أفعالها. تزوّجَ إخوَتي وبقيتُ مع والِدَي في البيت، أنا الابن الأصغر، لإنهاء جامعتي وإيجاد عمَل ولاحقًا زوجة. لكنّني أردتُ أنا الآخَر الرحيل بدَلًا مِن العَيش في أجواء كهذه، لكن أين ذهب؟ فصبِرتُ وتحمّلتُ صراخ أبي وبكاء أمّي يومًا بعد يوم إلى حين لَم أعُد قادِرًا على التحمّل، فأعطَيتُهما مهلة ليهدآ وإلّا تركتُ المنزل حتى لو عنى ذلك أن أعيشَ في الشارع.

بكَت أمّي كثيرًا، فكنتُ رجاءَها الوحيد والوحيد الذي يكنُّ لها ببعض الرحمة بالنسبة لحالتها الجسديّة وفي ما يخصّ الخيانة الشنيعة التي اقترفَتها منذ سنوات. للحقيقة، كنتُ أُحبُّ والِدتي كثيرًا بالرغم مِن كلّ شيء، إلّا أنّني كنتُ أتفهَّم غضب والِدي. لكن ألَم يحن الوقت ليغفرَ لها، خاصّة بما أنّها كبرَت في السنّ وأمسّت مُصابة بشلل نصفيّ؟ صحيح أنّ قساوة أبي كانت جزءًا مِن شخصيّته، فهو كان هكذا مذ ما فتحتُ عَينَيّ على هذه الدنيا، لكن كان عليه أخيرًا أن يضع الماضي وراءه، فطفَحَ كَيلي!

إلّا أنّ تهديدي لَم يلقَ الصدى المرجوّ عند أبي، وبقيَ يشتم ويُذِلّ بزوجته بشراسة ويشمُت بحالتها قائلًا: "إنّه قصاص إلهيّ، يا عزيزتي! تحمّلي غضب الله!".

عندها حزَمتُ حقيبة ورحتُ أسكنُ عند أهل أحَد أصدقائي بعدما شكَيتُ لهم مِمّا أمرُّ به. هؤلاء الناس كانوا مُثقّفين ومُحبّين، وأعترفُ أنّني تمنَّيتُ مرارًا أن أكون ابنهما بدلًا مِن الذَين عشتُ معهما.

لكنّ رحيلي زادَ مِن شراسة أبي تجاه أمّي، وتلقَّيتُ اتّصالًا مِن والِدتي تقولُ فيه أنّها في المشفى بعدما عنّفَها زوجها. ركضتُ لأراها، فكنتُ أحبُّها كثيرًا، ففي آخِر المطاف، هي خانَت أبي ولَم تخُنّي أو توقّعاتي ولو مرّة، بل كانت أمًّا رائعة لنا.

لدى وصولي، ذُهِلتُ بما رأيتُه، فهي كانت مُغطّاة بالكدمات. كيف لإنسان أن يضربَ زوجته المشلولة نصفيًّا؟؟؟ ما هذا الكمّ مِن البغض وقلّة الرحمة؟ لماذا لَم يُطلِّقها آنذاك إن كان يكرهُها لهذه الدرجة؟ عانَقتُ أمّي المسكينة التي بكَت كثيرًا مُتمتِمة: "لَم أعُد أحتمِل، لَم أعُد أحتمِل!". إحتَرتُ لأمري، فكيف أُساعِد أمّي الحبيبة في حين كنتُ لا أزال تلميذًا جامعيًّا؟ إتّصلتُ بإخوَتي وقصَّيتُ لهم ما حصل طالِبًا منهم أخذ والِدتهم إلى بيتهم، لكنّهم رفَضَ كلٌّ منهم بحجّة مُختلِفة. هل أن كره أبي لزوجته أثَّرَ عليهم كونهم أكبَر منّي سنًّا؟ فأيّ منّا لَم يتذمَّر يومًا مِن مُعاملة أمّنا لنا، بل كانت مُحِبّة وعطوفة وقامَت بواجباتها على أكمَل وجه. حزِنتُ لأنّها في آخِر أيّامها وفي وضعها لَم تلقَ الدعم، حتّى مِن جانبي، وسألتُ نفسي لِما هي بقيَت مع أبي ومعنا طالما كان لها عشيق كما يقول والِدي.

لَم يزُر أبي زوجتَه ، بل بقيتُ أنا معها في المشفى، ولَم نتبادَل الكلام كثيرًا، خاصّة أنّها كانت نائمة في مُعظم الوقت بسبب المُسكّنات.

لكن في أحَد الأيّام، هي قالَت لي:

ـ أتعلَم شيئًا يا بُني؟

 

ـ ما الأمر؟

 

ـ أنت أفضلهم... بعد كلّ الذي فعلتُه لهذه العائلة!

 

ـ ربّما... أعني بسبب تلك القصّة... هم مُمتعِضون منكِ.

 

ـ آه... تلك القصّة... ألن ننتهي منها يومًا؟؟؟ المُجرِم يُطلق سراحه بعدما يُنفِّذ عقوبته، أجل المجرِم الذي يقتل نساءً وأطفالًا يُفرَج عنه، أمّا أنا، فعليّ أن أقضي عقوبتي حتّى مماتي.

 

ـ قولي لي... لماذا لَم يُطلّقكِ أبي؟

 

ـ هو يُطلِّقني؟ وكيف يدَعني أفلتُ منه؟ فشغفه الوحيد هو تعذيبي.لا، أبقاني معه ليُحطِّمني. ولو هو خانَني، لسامحتُه، لأنّني امرأة، وهكذا تربَّيتُ.

 

ـ ولماذا لَم ترحَلي؟

 

ـ أتركُ أولادي؟ لا... أُفضِّلُ تحمّل الذِلّ والشتيمة والضرب.

 

ـ لو فقط لَم... أعني...

 

ـ لو لَم أخُن زوجي؟

 

ـ أجل... كيف تفعلين ذلك... فهذا لا يُشبهُكِ أبدًا... لستِ امرأة خفيفة أو خبيثة. ما الذي جرى؟ أعذريني لكن عليّ أن أحصل على أجوِبة!

 

ـ قلّة الحبّ... قلّة الاحترام... قلّة الاهتمام. فأبوكَ تزوّجني لأخدمه وأُعطيه عائلة وأولاد... لَم يحسب حساب شعوري ولو مرّة، بل عاشَ بعد الزواج وكأنّه يملكُني وليس عليه القيام بأيّ مجهود لإسعادي. أنا إنسانة حيّة وبحاجة إلى حبّ وحنان، فلستُ صخرة! وحصَلَ يومًا أنّني وجدتُ مَن يُعطيني ما أفتقِدُ له... كانت مُغامرة عابِرة، صدّقني، لكن كافية لإعطائي الشجاعة لِمواصلة زواجي والبقاء معكم. قد لن تفهم ما أقولُه، وأرجو أن يأتي يوم وتُدرِك أنّ ليس عليّ أن أكون إنسانة سيّئة لأنّني بحثتُ عن دفء ما.

 

ـ لا أحكمُ عليكِ يا ماما... أودُّ فقط أن أعرِفَ الحقيقة.

 

ـ لن أخفيَ عليكَ أنّني لَم أندَم على ما فعلتُه. فما عدا خجَلي مِن ربّي، ما فعلتُه مُخبّأ في قلبي وفكري في مكان خاص، وأستخرِجُه عندما تكون الأيّام صعبة، كبصيص نور في ظلمة زواجي. لن أخفيَ عنكَ أنّه خطَرَ في بالي ألف مرّة فتح باب البيت والهروب مِن واقعي، لكن فكرة أن يأتي لكم والِدكم بزوجة أب كانت تردَعُني في كلّ مرّة. كان بإمكاني أن أجِدَ عمَلًا وزوجًا مُحِبًّا، لكنّ مصيري هو أن أبقى ذليلة.

 

ذرفتُ الدموع، كنتُ أعلَم أنّ أمّي لَم تكن سعيدة منذ الأوّل، لكن في الحقيقة، هي كانت تعيسة لدرجة لا توصَف. فقلتُ لها:

ـ صِرتِ فريسة أبي بعد إصابتكِ بالأزمة القلبيّة ولا يسعُني التفرّج عليكِ وأنتِ تُضرَبين هكذا. سأتركُ الجامعة وأجِدُ عمَلًا ومكانًا نعيشُ فيه.

 

ـ لا! لن أقبَل بتاتًا! إيّاكَ أن تفعل!

 

خرجتُ مِن المشفى وقصدتُ أهل صديقي الذين كانوا يستضيفونني، وطلبتُ منهم المساعدة بعد أن أطلعتُهم على وضع أمّي مِن دون أن أذكر أمر الخيانة. شاءَ القدر أن يمتلِكوا شقّة صغيرة في الجِهة الأخرى مِن العاصِمة، فقرّروا تأجيرها لي بسعر زهيد بعد أن رفضتُ السكن فيها مِن دون مُقابل. بعد ذلك، نقلتُ أمّي إليها وقلتُ لأبي إنّ زوجته لن تعودَ إليه إطلاقًا، وعليه أن يكون مُمتنًّا أنّها لَم تشتكِ عليه لأنّه عنّفَها. دارَ شجارٌ عنيف بيننا، لكنّني لَم أخَف منه أو أتراجَع، فلن أسمَح له بعد ذلك أن يُدمِّر باقي حياتها. وجدتُ عمَلًا واستطعتُ البقاء في الجامِعة في آن واحِد. أدركتُ أنّني سأتعَب كثيرا، لكنّ حياة أمّي كانت تستحِقُّ ذلك التعَب.

حاوَلَ أبي استرجاع أمّي ليُكمِل تهذيبها، كما قال، ووصلَت وقاحته للقول إنّني على الأرجح لستُ ابنه بل ابن حرام، ثمرة خيانات أمّي. لَم أتأثّر بكلامه، فكنتُ نسخة طبق الأصل عنه، على الأقل جسديًّا.

ومع الوقت، بدأَت أمّي تستعيد الحركة في ذراعها ورِجلها، وصارَت قادِرة على الاهتمام بالشقّة بشكل مُستقِل. مِن جانبي، أكمَلتُ دراستي بنجاح وبرَعتُ في عمَلي لدرجة أنّني حصلتُ على ترقية. والسبب كان إصراري على إعطاء أمّي ولو جزءً مِن الذي هي أعطَته لي، والتعويض لها عن سنوات العذاب الذي مرَّت بها. وعندما إستوعَبَ والِدي أنّ ضحيّته المُفضّلة لن تعود، عندها فقط طلَّقَها، وكان ذلك اليوم مُبارَكًا، فعادَ النور إلى وجه أمّي وبدأَت تبتسم، فأطلَقَ جلّادُها سراحها أخيرًا.

لَم أحكُم أبدًا على أمّي، فالإنسان يُخطئ خلال حياته، خاصّة إن كان يعيشُ مع شخص كأبي. فلو هو كان مَن خانَها، لوجَدنا الأمر شِبه مقبول، وأسرَعنا لإيجادِ الأعذار له وإقناع أمّي بمُسامحته ونسيان الموضوع. مُجتمع ذكوريّ وظالِم، وأفتخِرُ بأنّني لَم أتماشَ معه بالحكم على التي أعطَتني الحياة وربَّتني.

مع الأيّام، وبعد حصولي على شهادتي الجامعيّة، تحسَّنَت أحوالي، وأعَدتُ الشقّة لأصحابها مع الشكر لأستأجِرَ مكانًا أكبَر ليتّسِع للعروس الجميلة التي اختارَها قلبي. وعدتُها قَبل الفرَح بأنّني سأصونُها دائمًا، وأُعطيها الحبّ والحنان والدعم، فهذا واجبي كزوج.

أمّي اليوم صارَت جَدّة، وضحكتُها تملأ المكان. أمّا بالنسبة لأبي، فلَم يجِد أحدًا ليُعذِّبه، وبقيَ وحيدًا.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button