عروس من طين (الجزء الثاني)

رحتُ أرتمي في أحضان أهل جهينة، وهم استقبلوني بأذرع مفتوحة، بل تكلّموا سوءًا عن أبي وأمّي. لَم أستأ لِسماع ذلك، فكنتُ غاضِبًا لأقصى درجة، ووعدتُهم بأنّني سأجِدُ أفضل عمَلًا وأُعطي لابنتهم أفضل حياة. لكنّ استقبال هؤلاء لي كان مصحوبًا بشرط أساسيّ، وهو أن أتزوّج جهينة. فلا يجوزُ أن أعيشَ وسطهم، حتّى لو كان ذلك لفترة قصيرة، مِن دون أن تكون لي صفة شرعيّة. ولَم أتأخّر عن عقد قراني على حبيبتي!

بعد ذلك، رحتُ أُفتّشُ عن وظيفة. لَم أكن مهمومًا، فشهادتي واسمي كانا كافيَين لفتح كلّ الأبواب لي. لكنّني كنتُ مُخطئًا، فلَم تكن لدَيّ خبرة واسِعة في مجال العمَل، وكلّ مَن كان يعرفُ أبي تفاجأ أنّني لَم أعُد أعمَل لدَيه فخافَ أن يتعامَل معي.

طالَ بحثي أشهر طويلة، وكانت جهينة قد بدأت تفقِد صبرها، إذ أنّها أرادَت إقامة الفرَح الكبير الذي وعدتُها به، وبالحُلى والشقّة الفخمة. شرحتُ لها أنّها فقط مسألة وقت وأنّني سأُغرِقُها بالهدايا الثمينة، وكلّ ما عليها فعله حتّى ذلك الحين هو أن تكون أجمَل وألطَف عروس. لكنّ الأجواء في البيت تغيّرَت، وذلك بالرغم مِن أنّني كنتُ أصرِفُ مِن مالي الخاصّ على هؤلاء كَي لا ينزعِجوا مِن الصهر الذي هبَطَ في دارهم. أسمعوني الكلام القاسي وأعرَبوا عن ندَمهم على إعطائي ابنتهم. فأجبتُهم:

ـ أيّ ندَم تتكلّمون عنه؟ وهل أنّ جهينة كانت تعيشُ كالملكة بينكم؟ فالذي قدّمتُه وأُقدِّمه لها هو أكثر بكثير مِن الذي حصلَت وتحصلُ عليه منكم.

 

ـ لقد هرَبَ العرسان الأثرياء منذ كتب الكتاب... ولولاكَ لزوّجناها لأحَدِهم.

 

ـ أيّ عرسان أثرياء؟ أعطِني أسماءهم!

 

ـ هذا لا يعنيكَ! ركِّز على إيجاد عمَل وإعطاء ابنتنا الحياة التي وعدتَها بها!

 

إنتظرتُ طبعًا أن تُدافِع جهينة عنّي، لكنّها بدَت وكأنّها تُقاسِمهم الرأي. حزِنتُ كثيرًا لكنّ ذلك أعطاني حافِزًا إضافيًّا لإيجاد عمَل واثبات جدارتي لدى أهل زوجتي.

حصَلتُ أخيرًا على وظيفة، لكنّها كانت بسيطة، فاعتبرتُها وسيلة للعَيش بكرامة وليس أكثر. لكنّ زوجتي لَم تكن أبدًا مِن رأيي. فلقد حقّرَت مِن شأني قائلة إنّ مال ومصنع أبي هما ما أعطاني قيمة، ومِن دونهما لا قيمة لي. أحدَثَ ذلك الكلام وجَعًا حقيقيًّا في قلبي، إذ أنّ مَن يُحِبّ لا يستطيع جرح الحبيب هكذا، خاصّة أنّ ما يحدثُ لي هو بسببها، فلولاها، لبقيتُ حيث كنتُ.

لَم أكن أعلَم حينها أنّ تلك المُعاملة كانت لتحفيزي لإقناع أبي بالعدول عن قراره، لتحصل جهينة وأهلها على مرادهم. لكنّ الخطّة لَم تنجَح إذ أنّني كنتُ مُصمِّمًا على النجاح مِن دون مُساعدة أحَد. وحين طفَحَ كَيل زوجتي منّي، قرّرَت أن تحمَل منّي لاستعمال المولود كورقة ابتزاز، فلا تنسوا أنّني ابنٌ وحيدٌ لأهلي، وهما ينتظران بفارغ الصبر أن تكبَرَ العائلة ويأتي مَن يحمل اسمنا... لكن ليس مِن جهينة، بل مِن امرأة جديرة بهذه المُهمّة. تجاهلتُ توصيات أبي بعدَم الإنجاب، وعمِلتُ وزوجتي على أن نأتي بمولود إلى هذه الدنيا، ظنًّا منّي أنّني أُعطيها بذلك إثباتًا على جدارتي كرجُل.

خبَر حَمل جهينة كان أسعَد يوم في حياتي، فأهدَيتُها الحُلى مِمّا تبقّى لي مِن مال، وهي نسيَت لفترة أنّني "فاشِل". مرَّت الأشهر عشتُ خلالها بفرَح وسط عائلة زوجتي التي كانت تنتظِرُ بلهفة يوم الولادة، ليس لرؤية الطفل، بل لابتزاز والِدَي.

ففي اليوم الذي أبصَرَ ابني النور، أرسلَت جهينة صورة له لأبي بعد أن أخذَت مِن هاتفي رقمه الخاصّ. لَم أكن على عِلم بالذي فعلَته، إلى حين اتّصَلَ بي والِدي بعد سنة على مُقاطعته لي، ليقول:

ـ هنيئًا لكَ بِولَدكَ... لكن ما سبب إرسال زوجتكَ تلك الصورة لي؟ أقولُ زوجتكَ لكنّني لستُ مُتأكِّدًا مِن أنّكَ تزوّجتها.

 

ـ بالطبع تزوّجتها! إلّا أنّني لَم أعرِف بأمر الصورة، هي فعلَت ذلك مِن تلقاء نفسها، حتمًا لأنّها تعلَم أنّ مِن حقكَ وأمّي رؤية حفيدكما.

 

ـ حتمًا؟ تظنّ أنّ تلك المرأة أرسلَت الصورة لهذا السبب؟

 

ـ أجل! ولأيّ سبب آخَر؟

 

ـ ألَم أنصحكَ بِعدَم الإنجاب؟ أجِبني!

 

ـ بلى، لكن لي الحقّ بالإنجاب، أمّا أنتَ فليس لكَ الحق بِمَنعي!

 

ـ أنا لَم أمنعكَ، بل أسدَيتُ لكَ نصيحة. فالطلاق بوجود أطفال يصبح صعبًا ومُعقدًّا.

 

ـ مَن قالَ إنّني سأُطلِّق جهينة؟!؟

 

ـ معرفتي بالناس وبابني. فأنتَ تحت سحر تلك المرأة وسيأتي يوم وتَعي مَن هي بالفعل.

 

ـ كفى! أنا سعيد معها وسنبقى سويًّا لآخِر أيّامنا!

 

أقفَلَ أبي الخط بوجهي وانتهى الحديث. بعد ذلك طلبتُ مِن جهينة عدَم إرسال شيء لأبي أو التواصل معه، لكنّها إستاءَت كثيرًا منّي وقالَت صارخِة: "عليه أن يدفَع إن أرادَ رؤية ابني!". نظرتُ إليها بتعجّب وسألتُها:

ـ يدفَع؟!؟ إبنكِ؟!؟

 

ـ أجل.. إسمع... الولَد هو ورقة رابِحة... سأُكلِّم أمّكَ وسأسمَح لها برؤيته مُقابِل المال، والكثير منه. فالجدّات هنّ أكثر ليونة، سترى... أُريدُ مالًا! مالًا!

 

ـ هل فقدتِ عقلكِ؟ نبتزُّ أمّي؟ يحقُّ لها أن ترى حفيدها حينما تُريد! ومِن دون مُقابِل!

 

ـ القرار يعودُ إليّ! هذا إبني ولقد حمِلتُه في بطني تسعة أشهر!

 

ـ وكأنّكِ حمِلتِ به لوحدكِ! إضافة إلى ذلك، إنّه يحملُ اسمي! لن أسمحَ لكِ بتحويل ابننا إلى سِلعة!

 

ـ تتكلّم وكأنّكَ رجُل البيت! ها أنتَ تعيشُ مع أهل زوجتكَ وتشغلُ وظيفة حقيرة! ولَم تستطِع حتّى إقناع أبوَيكَ بي! لو علِمتُ أنّ ذلك سيحصل، لمَا تزوّجتُكَ!

 

ـ وهل تزوّجتِني مِن أجل مالي ونسَبي؟؟؟

 

ـ بالطبع! وها أنتَ مِن دون شيء! يا لِخذلاني!

 

دخلَت أمّ جهينة علينا ونحن نتشاجَر وقالَت لي:

ـ إمّا أن تطلب المال مِن أبوَيكَ مُقابِل رؤية الولَد، أو الرحيل مِن هنا... لوحدكَ.

 

ـ هل جننتم جميعًا؟؟؟

 

ـ لقد زوّجناكَ مِن ابنتنا على أمَل أن يُعيدَكَ أبوكَ... وعندما لَم يحصل ذلك، نصَحتُ ابنتي بأن تحمَل لتضغطَ على والِدَيكَ.

 

ـ لكن... لكنّ جهينة تُحبُّني! أنتِ الأفعى، فلولاكِ، لمَا وصَلنا إلى المُشاجرة والاتجار بالولَد!

 

ضحِكَت جهينة عاليًا وقالَت:

ـ غبيّ بالفعل... ما جذبَني إليكَ كان اسمكَ وثروتكَ... لَم أعرِف حينها أنّكَ فاشِل لدرجة فقدان كلّ شيء!

 

ـ فعلتُ ذلك مِن أجلكِ! تخلَّيتُ عن حياتي السابِقة مِن أجل حبّنا!

 

ـ بل حبّكَ لي فقط. كُفّ عن النِحاب الآن وتعالى نُفكِّر بكيفيّة استثمار المولود وجني المال!

 

ـ هذا لن يحصل!

 

ـ إذًا إرحَل الآن... لوحدكَ!

 

ـ ليس مِن دون ابني!

 

ركَضَ الأب والأخ الذَين كانا يستمِعان لحديثنا ومسكاني، ورمياني خارج الشقّة، وأقفلا الباب ورائي. بقيتُ واقِفًا أبكي بحرارة ثمّ اتّصلتُ بوالِدتي طالِبًا رؤيتها. خافَت أمّي أن تُغضِب والِدي، لذا أعطَتني موعدًا في مقهى لنتكلّم، فهي اشتاقَت لي كثيرًا وكانت حزينة مِن دوني. حاوَلَت المسكينة لسنة بكاملها تغيير رأي أبي، لكنّه بقيَ يقولُ لها إنّني سأعودُ مِن تلقاء نفسي.

وحين جلستُ مع أمّي بعد أن عانقتُها لدقائق طويلة وبكيتُ كلّ دموعي، أخبرتُها ما جرى بالتفاصيل. ثمّ هي أخذَت هاتفها واتّصلَت بأبي قائلة: "إبننا عادَ إلينا، جِد له مُحاميًّا بارِعًا لنأخذ حفيدنا مِن تلك الفاسِقة وأهلها".

عدتُ مع أمّي إلى البيت، ووصَلَ والِدي بعد حوالي الساعة. هو لَم يقُل لي شيئًا سوى أنّه كلَّمَ مُحاميًّا، ثمّ دخَلَ غرفته. لكنّني رأيتُ في عَينَيه نظرة اشتياق وحبّ، الأمران الذَين لَم أعُد أراهما في عَينَي مَن ضحِكَت عليّ لتستفيدَ منّي.

لَم تتّصِل بي جهينة قط، بل انتظرَت أن أعودَ بوعود، لكن حين خابَرَهم المحامي بشأن دعوى الطلاق والحضانة الحصريّة لابننا، إتّصلَت بي وبدأت تقولُ لي كَم هي تُحبُّني، وأنّها فعلَت ذلك مِن أجلي، لِتحثَّني على التواصل مع أبوَيّ لأنّها تريدُ أن يلتمَّ شملنا بعد أن شعرَت أنّ الشرخ الذي حصل هو بسببها. بكيَت عبر الهاتف، واتّهمَتني بأنّني ظالِم وأنانيّ، وأنّني لن أعرِف يومًا مدى حبّها لي. إلّا أنّنّي لَم أصدِّق كلامها أو دموعها بعد أن رأيتُ وجهها الحقيقيّ.

لَم يلزم الكثير لإنهاء الدعوى "حبيًّا"، فكما تصوَّرَ أبي، قبِلَت جهينة بِبَيع ابننا لي، فأعطيناها مبلغًا مِن المال لتوقِّع على التخلّي عن الولَد إلى الأبد. فهو كان منذ الأوّل سِلعة تبادل بالنسبة لها. أيّ أمّ لا تُناضِل مِن أجل التمسّك بمولودها؟

لَم يفتَح أبي يومًا موضوع جهينة أبدًا، بل عشنا وكأنّها لَم تكن موجودة قط. لكنّه قالَ لي في أحَد الأيّام: "أتتذكَّر حين طلَبتُ منكَ عدَم الإنجاب؟ كنتُ مُخطئًا، فحفيدي هذا هو نور عَينيّ ويُعطيني فرَحًا لا يُقدَّر وعزيمة للعَيش أطوَل قدرٍ مُمكِنٍ. أنا سعيدٌ أنّكَ خالَفتَ إرادتي!".

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button