هربتُ مِن زوجي ليلًا (الجزء 2)

هربتُ مِن زوجي ليلًا (الجزء 2)

وعدتُ إلى البلدة لأصرف آخر ما تبقّى لي مِن مال على حاجيّات ضروريّة، ولأتكلّم مع مالك الدكّانة، أي الانسان الوحيد الذي عرفتُه منذ مجيئي إلى المنطقة. وكان ذلك الرجل الطيّب بانتظاري:

 

ـ كنتُ سأقصدكِ ولكنّني خفتُ أن تسيئي فهمي... لقد تغيّر الزمن... في ما مضى كانت العلاقات بين الناس أسهل... اليوم باتَ الكلّ يُفسّر الأمور ويُعطيها معانٍ ليس لها أي وجود... يا صغيرتي... هل تجيدين التعامل مع الصغار؟

 

ـ نعم... أقصد لا... ربما... لستُ أدري... لماذا تسأل؟

 

ـ يعني نعم... تجيدين التعامل مع الصغار وتحبّينهم كثيرًا... أليس كذلك؟

 

ـ أنا؟ أجل... ولكن...

 

ـ عظيم! لدَينا عائلة ميسورة هنا في البلدة... يأتي أفرادها إلى البلدة خلال الصيف، ثمّ يعودون إلى خلف الحدود.

 

ـ وما شأني أنا؟

 

ـ لقد كلّمتُهم عنكِ... هم يبحثون عن مربّية... أقصد أنّني أقنعتُهم بأن يفعلوا... هكذا ستتمكّنين مِن الرحيل بعيدًا.

 

ـ ماذا تقصد؟ بعيدًا عن ماذا أو مَن؟؟؟

 

ـ لا تخافي يا صغيرتي... لم يأتِ أحد للبحث عنكِ ولم أحاول معرفة شيء...

 

ـ كيف علِمتَ إذًا؟

 

ـ أنا رجل عجوز... رأيتُ وسمعتُ الكثير خلال حياتي، ففي البلدات الصغيرة تحصل أشياء كثيرة بالرّغم مِن محاولة الجميع ابقاءها سريّة... وأعرف عندما يكون الانسان يُخفي شيئًا... إمرأة شابة في بيت مهجور بالجبل وصاحب المكان لا يأتي ولا يسأل... مالكِ قليل وأكلكِ أقل... الخوف ظاهر في عَينَيكِ يا صغيرتي... وعليكِ أن تخافي فالناس لدَيها قلوب سوداء... ستعملين عند تلك العائلة وسترحلين معهم... إنّهم ناس طيّبون، أضمَن لكِ ذلك... وحتى موعد رحيلكِ ستمكثين في بيتي.

 

ـ في بيتكَ؟ لا! لا أستطيع...

 

ـ دعيني أكمل... في بيتي معي ومع زوجتي... أعلم أنّ الحياة لم تكن لطيفة معكِ ولكنّ الخير لا يزال موجودًا

 

أخَذَ هاتفه واتصل بزوجته التي جاءَت بعد دقائق وأخَذَتني معها.

في تلك الليلة بكيتُ كثيرًا... مِن كثر سعادتي. وفي اليوم التالي، أخَذَتني الزوجة إلى بيت تلك الأسرة حيث خضَعتُ لاستجواب بسيط بعد أن أعطاهم منقذي ضمانته.

 

ولم أخَف في حياتي بقدر ما خفتُ في الأسبوعَين اللذَين تليا، لأنّني توقّعتُ أن يجدَني زوجي أو أن يعود جمال ولا أتمكّن مِن السفر. ولكن لم يحدث شيء واستطَعتُ الرّحيل بسلام. لم أكن بحاجة إلى أوراقي كلّها فالتي كانت بحوزتي كانت كافية، خاصّة بعدما قلتُ للجميع إنّ بيتي احترق بأكمله. إضافة إلى ذلك، كان ربّ عملي الجديد رجلاً ثريًّا ولديه نفوذ، فلم يكن تمريري عبر الحدود صعبًا.

وجاء وقت توديع محسني وزوجته. تعانقنا مطوّلاً وبكينا كثيرًا، ووعدتُهما بأن أبقى على اتصال بهما.

وتغيّرَت حياتي كلّها فأصبحَت لديّ عائلة وعمل أحبّه. زِرتُ معهم شتّى البلدان وقضيتُ أجمل الأوقات. توفّيَ صاحب البقالة بعد خمس سنوات وزوجته بعده بسنة. كنتُ أبعث إليهما برسائل وهدايا باسم ربّة عملي كي لا يستطيع أحد الوصول إليّ، وتمنَّيتُ أن أزورهما يومًا ولكنّ القدر لم يشأ ذلك.

مضى على هروبي مِن زوجي عشر سنين ولم يُحاول بسّام أو جمال العثور عليّ. وبالطبع لم أتزوّج ولم أحاول حتى أن أحب، فكيف أفعل بعد الذي مرَرتُ به؟ صحيح أنّ حياتي تغيّرَت بفضل رجل عظيم، ولكنّه ابن زمَن كان يعلم معنى المروءة والشهامة... وأين ذلك الزمن الآن؟

 

هربتُ مِن زوجي ليلاً (الجزء 1)

 

حاورتها بولا جهشان

قد يهمّكِ أيضاً