سارق الطفولة

سارق الطفولة

حزِنتُ للسيّد سعيد، فحيث أعيشُ لا نتركُ مُسنّينا بل نهتمُّ بهم حتى آخر أيّامهم. ربمّا كثرة المال والأعمال هي السبب... لستُ أدري.

أحبَبتُ العمل عند ذلك الرجل الطيّب والهادئ، الذي كان بالكاد يتنقّل بل يبقى طوال الوقت على كرسيّه في غرفته أو في سريره. كنتُ أساعدُه في كلّ شيء، حتى في أخذ حمّامه، فاعتبرتُه بمثابة جدّيّ. وفي آخر المطاف، عملي كان يُملي عليّ ذلك، تمامًا كما شأن الممرّضات في المستشفيات.

زرتُ أهلي كلّ أسبوع لِنهار واحد، وكانت تأتي مكاني إمرأة يُرسلُها المكتب نفسه الذي جئتُ مِن قِبَله.

طوال شهر لَم تدقّ إبنته بابنا، وهو شيء مؤسف للغاية. بدلاً مِن ذلك، كانت تكتفي بالإطمئنان هاتفيًّا، وكان الكلام بيننا يدورُ عنّي أكثر مِن عن راحة وسلامة أبيها. كنتُ أعلَم أنّ المسنّين الذين يحتاجون للخدمات هم وحيدون، لكن في أغلَب الأحيان هؤلاء الناس لَم يُنجبوا أو يكون أولادهم في الخارج. لكن أن تترك إبنة السيّد سعيد أباها هكذا، فذلك كان غير مقبول لدَيّ.

مرَّ شهر ثانٍ مِن دون أن أشعر به لشدّة إرتياحي في ذلك العمل، وصرتُ أبني المشاريع بفضل راتبي الجيّد ووعد العجوز بإضافة مبلغ شهريّ أسماه "مكافأة" قد تمكّنُني أخيرًا من شراء سيّارة. لِذا بذلتُ كلّ ما لدَيّ لأستحقّ هكذا مُعاملة.

يوم وضَعَ السيّد سعيد يدَه على صدري أطلقتُ صرخة رغمًا عنّي وهو كادَ يقَعَ في الحمّام. سادَ السكوت ومِن ثمّ قال لي:

 

ـ آسف يا صغيرتي، فلقد شعرتُ بدوار وخلتُ أنّني أهوي، فحاولتُ التمسّك بكِ.

 

تفهّمتُ الوضع طبعًا ونسيتُه سريعًا، فلَم يكن مِن المعقول أنّ رجلاً في مثل سنّه وحالته الصحيّة قد يُفكّر بهكذا أمور ويلمسُ جسدي عمدًا. لكنّ السيّد سعيد بقيَ صامتًا لأيّام وعملتُ على الترفيه عنه قدر المستطاع، لأريه أنّني لَم أُفسِّر حركته تلك على أنّها غير لائقة. كلّ ما قالَه كان: "أرجو ألا تعلم إبنتي بالذي حصَل". طمأنتُه وطلبتُ منه نسيان الموضوع، فهكذا أمور تحصل ولا ينبغي إعطاؤها أيّ تفسير. عادَت الأمور إلى ما كانت عليه واشترَيتُ السيّارة بالتقسيط طبعًا، الأمر الذي ملأ قلبي بالفرَح والأمل، ورحتُ آخذ عائلتي بنُزهة إلى قريتنا لإفراح جدّي العجوز وأخوالي. بارَك لي الجميع وعدتُ ليلاً إلى بيت السيّد سعيد مُنهكة. ولشدّة إرهاقي، رأيتُ أحلامًا مُزعجة ومُفزعة أثناء نومي، الأمر الذي أثَّرَ على مزاجي في اليوم التالي. لاحظَ العجوز ذلك وسألَني عن السبب، فكان مِن المفروض أن أكون سعيدة لشراء سيّارتي، فأجبتُه أنّني حلِمتُ بأنّ سارقًا دخَلَ البيت وغرفتي بالتحديد، فابتسَمَ العجوز وقال: "هذا البيت آمِن للغاية يا صغيرتي، ولَم يحدث بعد أن حاوَلَ أحدٌ التسلل إليه. الكوابيس تحصل وهي ليست سوى أوهام". وافقتُه الرأي ورددتُ الأمر إلى جمال البيت والتحف التي تملأه، فلا بّد أنّني فكّرتُ ضمنيًّا أنّه يكون محطّ أنظار لصّ ما.

بعد أسبوعَين تقريبًا، طلَبَ السيّد سعيد منّي أن نتكلّم في موضوع هام، فجلستُ قُبالته وهو قال لي:

 

قد يهمّكِ أيضاً