المُتنمّر

المُتنمّر

بكيتُ كثيرًا بعد أن أحسَستُ أنّ لا شيء سيُرضي زوجي يومًا. لا شيء؟ بلى: مُعاشرته لنساء أخريات. أجل، كان زوجي يخونُني. كيف علِمتُ ذلك؟ لأنّه لَم يُخفِ عنّي الأمر، بل اعتبرَ ذلك حقّه كرجُل قويّ وذي رغبات لن أستطيعُ يومًا إشباعها. ربّما استطعتُ إشباع تلك الرغبات لو هو عرِفَ كيف يُثير رغبتي به، بدلاً مِن أن أرتعِب وأشمئزّ كلّما هو لمَسَني. عدتُ وقلتُ لنفسي ما تقولُه مُعظم الزوجات المخدوعات: "المُهمّ أن يعودَ زوجي إلى البيت في المساء". ترَهات! هو يعودُ إلى البيت ليس لِشعوره بالانتماء إلى مؤسّسة الزواج، بل لِينام في سريره ويأكل أكلاً مطهوًّا على ذوقه ويلبس ثيابًا نظيفة ومكويّة بشكل يُرضيه.

سرعان ما باتَ كريم يُهينُني أمام ابننا وكلّ مَن زارَنا أو التقى بنا. كانت كلمات مؤذيّة يتلفظّ بها وكأنّها دعابة، وتصبُّ كلّها في خانة تحجيمي وتكبيره هو. أرادَ زوجي بذلك أن يرى الجميع إلى أيّ مدى هو مغبون معي، وكيف أنّه يتحمّل امرأة مثلي. لكن ممّا أشكو بالفعل؟ ألَم أكن زوجة صالحة وربّة بيت مُمتازة وأمًّا مثاليّة؟ صحيح أنّني لَم أنَل شهادات عالية، لكنّني لَم أكن أُمّيّة أو جاهلة بل أتحلّى بمستوى لا بأس به مِن المعرفة. لماذا لَم يتزوّج كريم مِن مُحامية أو طبيبة أو مُهندسة؟ لأنّه بكلّ بساطة كان ليشعرُ بالنقص تجاههنّ، ولن يتمكّن مِن الظهور بكامل رجولته معهنّ. إختارَني أنا بالذات لأنّه علِمَ أنّني أُمثّلُ الضحيّة المثاليّة لِتنمّره. فالجدير بالذكر أنّ المُتنمِّر إنّما هو جبان وحسب.

وخلال تلك السنوات، تحطّمَت معنويّاتي لِدرجة أنّني بالفعل صرتُ أؤمِن بِعدَم وجود قُدرات لدَيّ، ونسيتُ نفسي لأنصهر في زوجي. تركتُه بِصمت يقودُني إلى حيث هو يُريد.

ويوم أخبرَني كريم أنّه تزوّجَ عليّ، لَم أجرؤ على الزَعَل منه. مُحيطي نفسه لَم يرَ مانعًا في ذلك، فكان مِن المنطقيّ أن يجدَ كريم لِنفسه زوجة تليقُ به. ما آلَمني حقًّا هو أنّ زوجي كان يُعير أهميّة كبيرة واهتمامًا ملحوظًا بتلك المرأة، الأمر الذي لَم يفعله معي. لِذا تقصَّيتُ عنها وعلِمتُ أنّها ابنة أناس ذوي مركز اجتماعيّ مرموق، وأنّها مُتعلِّمة وتتحلّى بشخصيّة قويّة. فهِمتُ أنّ كريم وجَدَ بالفعل زوجة تليقُ به. وبعد ذلك غرقتُ في الكآبة، فلَم أعُد مُتعلّقة بالحياة، ليس لأنّني أحبُّ زوجي وأخافُ أن أخسره، بل لأنّني صرتُ بالفعل نكِرة. فكّرتُ بالانتحار لكنّني لَم أجرؤ على ترك ابني مع زوجي وزوجة أبيه.

وأنقذَني الإنترنِت. أجل، لَم يأتِ فارس شجاع أو صديق أو قريب لِنجدتي، بل مُجرَّد إعلان ظهَرَ يومًا على شاشة جوّالي يعرضُ تعليم لغات جديدة ومهارات مُختلفة. كانت الدروس مجّانيّة ولا تتطلّب وقتًا مُحدّدًا، بل أستطيع التعلّم على سجيّتي. إنتسبتُ للموقع بداعي الفضول، وبسبب ملَلي بعد أن صرتُ وحيدة في البيت أثناء تواجد ابني في المدرسة وزوجي عند تلك المرأة. وفي ذلك اليوم، حين نقرتُ على كبسة "دخول" الموقع، لَم أُدرك أنّ حياتي ستتغيّر للأبد. فقد انفتحَ أمامي أفق، لا بل آفاق، لَم أكن أعرف مدى أهميّتها بالنسبة لحالتي النفسيّة والثقافيّة... والعلميّة.

درستُ ودرستُ مِن دون توقّف، وكأنّني أبتلعُ المعرفة بشراهة. وبدأَت الأمور تتغيّر في داخلي، خاصّة بعد أن اكتشفتُ أننّي مُتعلِّمة بارعة على خلاف ما كنتُ أعتقد. حصلتُ على شهادة بالمراسلة في اللغة الانكليزيّة، ومِن ثمّ كمُساعِدة تنفيذيّة بعد أن تعُلّمتُ أيضًا الطباعة على لوحة المفاتيح وبسرعة مُرضية للغاية!

 

قد يهمّكِ أيضاً