وعدٌ ندِمتُ عليه

وقفتُ فوق جثمان زوجتي الحبيبة، وذرَفتُ دموعًا لا يملكُها سوى مَن أحبّ مِن كلّ قلبه. إقتربَت أمّي وحماتي منّي وبكينا سويًّا. ثمّ قالَت لي والدتي بِنبرة جدّيّة للغاية:

ـ إقسِم... إقسِم لها أنّكَ لن تتزوّجَ امرأة أخرى.

 

ثمّ ردَّدَت حماتي:

ـ إقسِم! هيّا... ألا ترى أنّها تنتظرُ جوابكَ! هيّا!

 

وبالفعل أقسَمتُ لزوجتي الحبيبة أنّني لن أربطَ حياتي بحياة أخرى. ثمّ ودّعتُها لآخِر مرّة، ورحتُ أحضنُ ولدَيّ اللذَين كانا في ضياع تام. قبّلتُهما ووعدتُهما أنّني سأبقى إلى جانبهما طوال حياتي. في هذا اليوم كنتُ رجُلًا مكسورًا.

الحياة مِن دون زوجتي كانت صعبة للغاية، فالبيت بدا لنا فارِغًا تمامًا، لِذا رحنا إلى بيت أهلي ومكَثنا هناك لفترة طويلة. إلّا أنّ الحديث كلّه دارَ حول المرحومة، فباتَت حياتنا مصبوغة بِحزن دائم. لِذا قرّرتُ أنّ مِن الأفضل أن نعودَ إلى بيتنا. لكن قَبل ذلك، غيّرتُ الديكور لأُعطيَ ولدَيّ الفرصة لمُتابعة حياتهما بعيدًا عن الذكريات الأليمة. لامَتني أمّي كثيرًا على ما فعلتُه وكذلك حماتي، ففي نظرهما، كنتُ قد محَوتُ أثَر زوجتي، وهذا فِعل مُشين لِذكراها. لَم يكن ذلك قصدي طبعًا، لكنّ المرأتَين لَم تفهَما أنّ للحياة أن تستمِرّ، وأنّنا لا نستطيع المواصلة هكذا. فكان ولَدايَ لا يزالان صغيرَين، وعليهما أن يفرَحا قليلًا بعيدًا عن أجواء الموت، فما ذنبهما إن أتى سائقٌ ثمِلًا ودهَسَ أمّهما حين كانت عائدة مشيًا مِن السوبرماركت؟ مرَّت الأشهر والسنوات، وكبرَ صغيرايَ قليلًا وبدآ يعتادا على العَيش مِن دون أمّهما. لكنّني بقيتُ أخبرُهما عنها، وأبقَيتُ صوَرها في البيت كَي لا ينسياها يومًا. أنا الآخَر لَم أنَسها، بل كنتُ أُصلّي دائمًا لراحة روحها، وأتذكّر محطّات مُهمِّة مِن حياتنا السعيدة سويًّا.

ثمّ تعرّفتُ على نجوى.

لَم أقصِد أبدًا البحث عن الحبّ، بل الحبّ وجدَني في حين اعتقدتُ أن حياتي كرجُل انتهَت إلى الأبد. إلّا أنّ نجوى عرفَت كيف تُعيد لي أحاسيسي التي ماتَت مع زوجتي.

أخفَيتُ علاقتي بِنجوى عن العالَم بأسره، لأنّني كنتُ أشعرُ بالذنب حيال زوجتي المُتوفّاة ووَعدي لها. عذري لِنجوى كان أنّ ولدَيّ يحتاجان إلى بعض الوقت ليكونا حاضرَين لوجود امرأة في حياتي، وهي تفهّمَت الوضع. لَم أكن أكذِب حقًّا، فمَن يدري ما ستكون ردّة فعلهما إن عرَفا أنّني أنوي استبدال أمّهما بأخرى؟ فالحقيقة أنّني كنتُ أُخطِّط للزواج مِن نجوى، لأنّني وجدتُ فيها الإنسانة الوحيدة التي بإمكانها أن تحلّ، ولو بعض الشيء، مكان المرحومة. على كلّ الأحوال، كانت قد مرَّت سنوات وأنا لوحدي، وآنَ الأوان لأعيشَ كباقي البشَر. فأنا لَم أقتُل زوجتي لأُعاقَب حتّى آخِر أيّامي، بينما حكمَت المحكمة على ذلك السائق بالسجن لمدّة 15 سنة، مع أنّه هو القاتِل. عشتُ أيّامًا سعيدة للغاية مع نجوى وخطَّطنا لحياتنا المُستقبليّة. لكنّ الوقت كان يمرّ وبدأَت المسكينة تفقد صبرها، فلَم أقُم بأيّة خطوة لتحضير ولدَيّ لوجودها بينهما. لكنّ خوفي كان مِن أمّي وحماتي والانتظار لَم يكن مُفيدًا، فهما كانتا بصحّة جيّدة وبدا لي أنّ عمرهما سيطول.

لِذا قصَدتُ والدتي وقلتُ لها:

ـ ماما... لقد وجدتُ امرأة صالِحة ووقَعتُ في حبّها وأُريدُ الزواج منها.

 

تغيّرَت ملامحها فجأة، ونظرَت إليّ وكأنّني أعترفُ لها بجريمة كبيرة، وقالَت وهي تمسكُ برأسها وتُلوِّحُ به:

ـ يا إلهي... يا إلهي... لا... أكيد أنّني لَم أسمَع تلك الكلمات! كيف تُحِبّ امرأة أخرى؟ كيف تنسى زوجتكَ؟ أنتَ أقسَمت لها وهي جثّة هامِدة أمامكَ! أليس لدَيكَ شرَف؟؟؟ أيّ نوع مِن الرجال أنتَ؟!؟ وماذا أقولُ لأمّها وعائلتها؟ أتُريدُ أن يُصيبَني العار في مثل سنّي؟!؟ ماذا فعلتُ لكَ لتُبادِلني بهذا التصرّف المُشين؟

 

ـ أيّ تصرّف مُشين؟ أُريدُ الزواج، وهو أمر حلال مئة بالمئة!

 

ـ إن تزوّجتَ فلن تعودَ ابني، أسمِعتَ؟!؟

 

ـ لماذا تُريدين أن أهدرَ حياتي هكذا؟ ألا تُحبّيني؟

 

ـ وماذا عن ولدَيكَ؟ أيّها الأنانيّ! تجلِبُ لهما زوجة أب لتعُذِّبهما وتُدّمِر حياتهما؟ رحمكِ الله يا كنّتي! أترَين زوجكِ العزيز الآن؟!؟

 

ـ هي لا ترى شيئًا! بل ماتَت، ماتَت!

 

وبعد أقلّ مِن ساعة على عودتي مِن بيت أمّي، جاءَني اتّصال مِن حماتي. لَم أفهَم ما قالَته، لأنّها كانت تُوَلوِلُ عاليًا، فأقفَلتُ الخط عازِمًا على عدَم ترك تلك المرأتَين تُدمِّران حياتي. قرّرتُ التكلّم مع ولدَيّ بعد أيّام قليلة، وتعريفهما على نجوى في أقرب وقت. كنتُ واثقًا مِن أنّهما سيُحبّانها، فهي إنسانة هادئة ولطيفة. مِن جهّة أخرى، كنتُ أعلَم أنّهما إشتاقا لوجود امرأة في البيت، فمهما فعلتُ مِن أجلهما، كنتُ لا أزال رجُلًا.

تسارعَت الأحداث في الأيّام التي تلَت، إذ أنّني عدتُ إلى البيت ولَم أجِد ولدَيّ. خابَرتُ سائق الفان الذي يوصلُهما مِن المدرسة، إلّا أنّه قالَ لي إنّ أمّي أخذَتهما مِن المدرسة إلى بيتها. ركضتُ إلى أمّي، لكنّها رفضَت أن تفتَح لي الباب، بل صرخَت بي: "عُد أدراجكَ، أيّها الخائن! لن ترى ولدَيكَ بعد اليوم!". غضبتُ كثيرًا وخطَرَ ببالي أن أكسَرَ ذلك الباب، إلّا أنّني تراجَعتُ عن ذلك. فكانت هناك حلول سلميّة لاستعادة ولدَيّ، حلول قانونيّة.

إنتظرتُ يومَين كامِلَين حاوَلتُ خلالهما إقناع والدتي هاتفيًّا بتسليم ولدَيّ لي، لكن بعد رفضها وتهديداتها، رحتُ أشتكي عليها لدى الشرطة. زارَ المُحقّق أمّي، ثمّ طلَبَ منّي التوجّه إلى القسم للتكلّم.علِمتُ منه أنّ والدتي تدّعي أنّها "إضطرَّت" لأخذ ولدَيّ منّي، لأنّني أُعنِّفُهما بطريقة غير مقبولة. تفاجأتُ كثيرًا أن تصِلَ أمّي إلى ذلك الحدّ، لكنّني تفاجأتُ أكثر عندما قالَ لي المُحقّق إنّ ولدَيّ أكَّدا له ذلك الكلام، وقالا له إنّهما يخافان جدًّا منّي ولا يريدان العَيش معي. ماذا؟!؟ خلتُ أنّني سأفقِد صوابي، خاصّة عندما قالَ لي المُحقّق إنّني قد أخسر حضانة ولدَيّ، فلا يجوزُ تركهما معي، بل مِن الأفضل أن تُربيهما أمّي أو حماتي. خرجتُ مِن القسم مذهولًا وعدتُ إلى بيتي الفارغ.

أخذتُ إجازة مِن عمَلي لأُفكِّر في الذي حصَل وسيحصل لي. كيف وصلَت الأمور إلى ذلك الحدّ؟!؟ وما شأن أمّي بزواجي؟ كنتُ أعي خوفها على حفيدَيها، لكن أن تتوصّل إلى تدمير حياتي هكذا؟!؟

أخذتُ هاتفي واتّصلتُ بِنجوى وأخبرتُها كلّ شيء. هي سكتَت مُطوّلًا ثمّ قالَت:

ـ يا لَيتكَ أطلعتَني على وضعكَ منذ الأوّل، فلقد بنَيتُ أحلامًا عن حياتنا سويًّا.

 

ـ لَم ينتهِ كلّ شيء... إسمعي... ماذا لو نتزوّج سرًّا... سآخذُ لكِ شقّة جميلة وأقضي معكِ كلّ وقتي الفارغ، لكن خلال النهار فقط. وقد أدّعي أنّني مُسافِر بين الحين والآخَر.

 

ـ هل تعي ما تقوله وتعرِضه عليّ؟ وهل أنا عشيقتكَ لِتراني سرًّا؟

 

ـ بالطبع لا.

 

ـ أنا آسفة... الوداع.

 

بكيتُ كثيرًا في ذلك اليوم، لكنّني كنتُ أعلَم أنّني كنتُ لأبكي أكثر لو خسِرتُ ولدَيّ. وفي اليوم التالي، إتّصلتُ بوالدتي وأطلعتُها على فسخي لعلاقتي بِنجوى. هي لَم تُصدِّقني، بل قرّرَت أن تنتظِر فترة مِن الزمن قَبل إعادة ولدَيّ لي. وحين هما عادا إلى البيت، تعانقَنا مُطوّلًا، إلّا أنّني لَم أُعاتِبهما لأنّهما كذِبا أمام المُحقِّق بشأني. ففي آخِر المطاف، كانا لا يزالان صغيرَين ولا يفهمان أبعاد أقوالهما. فالحق يقَع حصرًا على أمّي التي أخذتُ منها موقفًا صارِمًا، ولَم أعُد أتبادَل معها سوى الكلام الضروريّ.

عدتُ إلى حياة العزوبيّة وانصبَبتُ على عمَلي وولدَيّ. أصابَني إحباط عميق حاولتُ إخفاءه قدر المُستطاع، خاصّة أنّني، مِن جرّاء ما فعلَته أمّي بي، صِرتُ مُمتعِضًا مِن زوجتي المُتوفّاة إذ حمّلتُها الذنب لما آلَت إليه حياتي.

حاوَلتُ أن أبنِيَ بعض العلاقات الغراميّة، لكن مِن دون حماس، فكان ممنوعًا عليّ أن أحِبّ، وكأنّها جريمة عظيمة!

مرَّت السنوات وكبرَ ولدايَ وطلبَا منّي أن أتزوّج مُجدّدًا، فكانا قد أصبَحا في سنّ يُمكِّنهما مِن الوقوف في وجه زوجة أب شرّيرّة. إتّصلتُ بِنجوى لأرى إن كانت لا تزال عزباء، لكنّها كانت تزوّجَت وأنجبَت وتعيشُ حياة سعيدة. الكلّ كان سعيدًا إلّا أنا!

ساءَت حالة أمّي الصحّيّة وطلبَت أن تراني. ركضتُ إليها، ظانًّا أنّها تُريدُ أن تعتذِر منّي على ما فعلَته، لكنّها قالَت لي:

ـ إقسِم لي يا إبني أنّكَ لن تتزوّج بعد موتي.

 

ـ لا يا ماما، لن أُقسِم لكِ، ولَم يكن يجدرُ بي أن أقسِمَ لكِ في المرّة الأوّل . إنّها حياتي وسأعيشُها كما يحلو لي، فأنتِ عشتِ حياتكِ كما يحلو لكِ، ولا سلطة لكِ عليّ بعد الآن. إعلَمي فقط أنّني أحبُّكِ كثيرًا وأدعو الله أن تتحسّني بسرعة.

 

ماتَت والدتي بعد فترة وحزِنتُ كثيرًا عليها، ونسيتُ طبعًا كيف أساءَت إليّ. لكنّني لَم أنسَ في تلك المرّة أن أتصرَّف بحياتي كما أُريد، فتعرَّفتُ على امرأة أحبّبتُها وتزوّجتُها وعامَلَت ابنَيَّ بِلطف ومحبّة. وها أنا أبٌ لِفتاة صغيرة في غاية الجمال، وأعلَم أنّ زوجتي المرحومة، مِن حيث هي الآن، هي سعيدة مِن أجلي.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button