يحمل الحمض النوويّ الخاص بك معلومات أكثر بكثير من الصفات التي ترثينها من والديْك، إذ بات بإمكان الباحثين الآن فحص الاختلافات الجينيّة لتحديد أنماط قد تكشف عن استعداد الشخص للإصابة بأمراض معيّنة قبل ظهور العوارض بفترة طويلة. ورغم أنّ الاختبارات الجينيّة لا تستطيع التنبّؤ بالمستقبل بدقّة، إلّا أنّ التقدّم في أبحاث الجينوم يُتيح بشكل متزايد تحديد الأشخاص الذين قد يواجهون خطرًا أكبر للإصابة بأمراض معيّنة، وفي بعض الحالات، يمنح الأطباء فرصة للتدخل المبكر.
كيف يكشف الحمض النووي عن خطر الإصابة بالأمراض؟
يفحص الاختبار الجينيّ الحمض النوويّ بحثًا عن تغيرات، تُعرَف بالمتغيّرات الجينيّة، التي قد تؤثّر على وظائف الجسم أو تزيد من قابليّة الإصابة بأمراض معيّنة. ترتبط بعض الحالات المَرَضيّة ارتباطًا وثيقًا بتغيّرات في جين واحد، بينما تتأثّر أمراض شائعة مثل داء السكّري من النوع الثاني وأمراض القلب التاجيّة وبعض أنواع السرطان، بالعديد من الاختلافات الجينيّة، بالإضافة إلى نمط الحياة والعوامل البيئيّة.

في هذه الحالات الأكثر تعقيدًا، يمكن للعلماء استخدام مؤشّرات المخاطر متعدّدة الجينات، التي تجمع تأثيرات العديد من المتغيرات الجينية لتقدير قابلية الفرد الوراثية للإصابة. على عكس العديد من تقييمات المخاطر السريريّة التقليديّة، التي قد تركز على عوامل مثل العمر وضغط الدم والكوليسترول، يمكن تقييم المخاطر الجينيّة في وقت مبكر من العمر لأنّ الحمض النوويّ الموروث يبقى من دون تغيير إلى حدّ كبير طوال حياة الشخص.
الأمراض قد تظهر قبل سنوات
تبرز أهميّة هذا النهج بشكل خاص عندما يقارن الباحثون المخاطر الجينيّة بالعمر الذي تظهر فيه الأمراض فعليًا. فقد وجدت دراسة نُشِرَت في مجلة "نيتشر ميديسن" أنّ الأشخاص الذين لديهم درجات عالية في مؤشر المخاطر الجينية المتعددة لعدة أمراض شائعة، كانوا أكثر عرضة للإصابة بها طوال حياتهم، وفي بعض الحالات، أصيبوا بهذه الأمراض قبل أربع إلى تسع سنوات من الأشخاص ذوي المخاطر الجينية المتوسطة. وشملت الأمراض التي تم فحصها: أمراض القلب التاجية والسكّري من النوع الثاني والرجفان الأذينيّ وسرطان الثدي وسرطان البروستاتا.
لا يعني هذا أنّ الحمض النووي يمكنه تحديد وقت ظهور المرض بدقّة، لأنّ الجينات تتفاعل مع عوامل أخرى مثل نمط الحياة والبيئة والعمليّات البيولوجيّة الأخرى، ولكنّه قد يساعد في تحديد الأفراد الذين قد يستفيدون من المتابعة الدقيقة أو التدابير الوقائية المبكرة.

ماذا يعني هذا للوقاية؟
تكمن القيمة الأكبر لمعلومات المخاطر الجينية في ما يحدث بعد تحديد نتيجة تشير إلى ارتفاع المخاطر، إذ يمكن للأطباء استخدامها جنبًا إلى جنب مع التاريخ العائليّ والفحوصات الصحيّة التقليديّة لتحديد مدى ملاءمة إجراء فحوصات إضافيّة أو تقديم رعاية وقائيّة. من المهم ربط الفحص الجيني بالرعاية الطبية القائمة على الأدلة، بدلًا من اعتباره تنبؤًا قائمًا بذاته، ومن الضروريّ أيضًا التذكير بأن نتيجة المخاطر الجينيّة ليست تشخيصًا. فالاختبار التنبؤي الإيجابيّ يشير عمومًا إلى زيادة المخاطر لا إلى اليقين، بينما لا يمكن للنتيجة السلبية دائمًا استبعاد المرض، لأنّ الاختبارات الجينيّة لا تكشف جميع التغيّرات الجينيّة المسبّبة للأمراض. ولهذا السبب، يُفضَّل تفسير النتائج الجينيّة بالتشاور مع اختصاصيّ رعاية صحيّة أو مستشار وراثيّ، حيث يمكنه مراعاة التاريخ الطبي والعائلي للفرد إلى جانب نتائج تحليل الحمض النوويّ.