يوم سقَط القناع!

صفَعَني جميل زوجي يوم طالَبتُه بالحقيقة المُطلقة في ما يخصّ ما اكتشفتُه عنه. ولَم يكتفِ بذلك، بل أمسكَني بشعري ورماني خارج البيت الذي عشتُ فيه لمدّة ثلاثين سنة. جلستُ على حافة الطريق أبكي كما لَم أبك في حياتي، ثمّ مشيتُ إلى أقرب محلّ لأتّصِل منه بأختي حتى تأتي بأسرع وقت وتأخذني إلى بيتها. لَم أقُل لها ما حصَل لي خوفًا مِن أن تقودَ بسرعة وبغضب وتقَعَ ضحيّة حادِث سَير، لكن حين رأتني جالِسة على الرصيف، فهِمَت أنّ أمرًا فظيعًا قد وقَع.

ولدى وصولي إلى بيت أختي، جلستُ معها وزوجها ورويتُ لهما ما جرى. فالواقِع أنّني اكتشفتُ صدفة منذ فترة أنّ لِجميل عشيقة.

المرأة قد تنتظرُ أن يقومَ زوجها بهفوة خلال ثلاثين سنة مِن الزواج، وقد تُسامِحه على ذلك شرط ألّا يُعيد الكرّة، لكن ما رأيتُه في هاتف جميل كان أفظَع بكثير: هو على علاقة بتلك المرأة منذ أكثر مِن عشر سنوات! فذلك الرجُل المُحترَم، الأب والجَدّ الوقور كان كاذِبًا مِن الطراز الأوّل، إذ إنّه عرِفَ كيف يُخفي تلك العلاقة لسنوات، بينما كان يلعَب دور الزوج المُحِبّ والوفيّ. سكتُّ عن اكتشافي هذا، لأنّني لَم أعلَم في ذلك اليوم كَم مِن الوقت دامَت الخيانة، وصرتُ أُراقِب هاتفه على الدوام. تصوّروا أنّ جميل لَم يُفكِّر بوضع كلمة سرّ على هاتفه، لكثرة غروره واعتقاده أنّه بارِع في التمثيل، وأنّ لا أحَد سيكشِفُ سرّه! وعندما رأيتُ أنّ العلاقة قائمة، لا بل ينويان السفَر سويًّا قريبًا، قرَّرتُ التصرّف. واجهتُ جميل الذي نظَرَ إليّ وكأنّني أنا الخائنة، وصرَخَ بي:

ـ مَن سمَحَ لكِ بِفتح هاتفي؟!؟ أليس لدَيكِ أخلاق؟

 

ـ تتكلّم عن الأخلاق بينما أقولُ لكَ إنّني على عِلم بخيانتكَ؟؟؟

 

ـ ما أفعلُه بوقتي ليس مِن شأنكِ! ألا أُعطيكِ كلّ ما يلزمكِ؟

 

ـ تخونُني، يا جميل، ولا أعذار لذلك. أريدُ أن أعلَم مَن هي عشيقتكَ.

 

ـ لماذا؟ هذا لن يغيّر شيئًا!

 

ـ إنّها هفوة، أعلمُ ذلك... ربّما أنتَ بحاجة إلى الشعور برجوليتكَ، وأنا مُستعدِّة لمُسامحتكَ.

 

ـ هاهاها! هفوة؟ إنّها علاقة جدّيّة بدأَت منذ عشر سنوات!

 

ـ ماذا؟؟؟ علاقة؟ عشر سنوات؟؟؟ ولماذا لَم تتزوّجها إذًا؟؟؟

 

ـ إنّها مُتزوِّجة ولا تُريدُ أن تُطلِّقَ.

 

ـ وأنتَ؟ هل كنتَ ستُطلّقني؟

 

ـ لا لزوم لذلك طالما أفعلُ ما أشاء، أعودُ إلى هذا البيت حيث كلّ شيء حاضِر لراحتي. فلماذا أتخلى عن ذلك؟ ثمّ، ماذا سيقول الناس عنّي؟

 

ـ ألا يهمّكَ ما سأقولُه أنا عنكَ؟

 

ـ للصراحة لا.

 

ـ طالما تهتمّ بحديث الناس لهذه الدرجة، سأقولُ للجميع أيّ صنف مِن الرجال أنتَ: لأولادنا وأولادهم، لِجيراننا وعائلتَينا، لأصدقائنا، وما هو أهمّ، لكلّ مَن اعتبرَكَ قدوة له وتعامَلَ معكَ على هذا الأساس. لنرى ما موقِف شركائكَ بالعمَل!

 

عندها صرَخَ بي جميل: "أصمتي وإلّا جعلتُكِ تصمتين بالقوّة!"، وعنّفَني وطردَني خارج البيت.

إستمَعت أختي وزوجها إليّ مذهولَين، فلا شيء بتصرّفات جميل دلَّ أنّه خائن وأنانيّ وعنيف، بل اعتبراه الزوج المثاليّ، الرجُل الذي لا يقترِفُ الأخطاء، ويُسدي النصائح الصائبة للناس خاصّة للمُتزوِّجين منهم. أرادَت أختي أن أخبِرَ أولادي عمّا فعلَه بي أبوهم، إلّا أنّني رفضتُ، فأرَدتُ أن يحتفِظوا بالصورة الجميلة والزائفة، التي كبِروا عليها، فما ذنبهم إن كان والدُهم أسفَل السّفلة؟

في اليوم التالي، وأثناء وجود جميل في عمَله، رافقَتني أختي وزوجها إلى البيت حيث جمَعتُ أمتعتي، وعُدنا إلى مسكنهما. ولدى رجوعه مِن الشركة واكتشافه ما فعلتُ، إتّصَلَ بي زوجي مُستفسِرًا وطالبًا منّي التعقّل والعودة إلى المنزل الزوجيّ، على الأقلّ للتكلّم بالأمر. فهو أدركَ أنّ رحيلي سيكون له تداعيات على صورته الاجتماعيّة، وليس لأنّه أخطأ بخيانتي وتعنيفي. فالنظرة التي رأيتُها على وجهه، دلَّت على عدَم اكتراث كلّي لِمشاعري وكياني، وعلى بُغض عميق لي.

رفضتُ بقوّة العودة وطلبتُ الطلاق، مُهدِّدةً بِخلعه إن هو رفض، الأمر الذي أثارَ جنونه، فبدأ بِشَتمي بكلمات لَم أتصوّر أنّها تخرجُ يومًا مِن فَمه. أقفَلتُ الخط في وجهه وحظَرتُه.

في اليوم التالي، قصدتُ وأختي مُحاميًا، وأخبرتُه بكلّ ما لدَيّ، وبدأنا نُحضِّرُ ملفّ الطلاق.

مرَّت الأيّام قَبل أن يأتي اتّصال مِن رقم مجهول، وتفاجأتُ بصوت امرأة تقول:

 

ـ أنا عشيقة زوجكِ... هل لكِ أن تعودي إلى بيتكِ مِن فضلكِ وتنسي موضوع الطلاق؟

 

ـ يا لوقاحتكِ للاتّصال بي والتدخّل بقراراتي! ألا تخجلين مِن نفسكِ؟؟؟

 

ـ للحقيقة لا... فالذنب ليس ذنبي، فلو كان زوجكِ رجُلًا وفيًّا لَما أقامَ علاقة معي... إن لَم أكن أنا عشيقته، فستكون هناك أخرى.

 

ـ لماذا تُريدينني أن أعودَ إلى بيتي ولا أُطلِّقَ زوجي؟ فبتصوّري، تريدين العكس تمامًا.

 

ـ أنا أنفِّذ ما طلَبَه منّي جميل، فهو يُلقي اللوم عليّ، وهدَّدَني بالانفصال إن لَم أقنِعكِ. ولا أُريدُ أن أخسِره، فهو كريم جدًّا معي.

 

ـ ما هذا الهراء؟؟؟ أنا لا أكترِثُ أبدًا لمصيركِ! ولِما لا يصرفُ زوجكِ عليكِ؟؟؟

 

ـ لأنّه رجُل فاشِل!

 

ـ طلِّقيه وتزوّجي جميل فهو سيكون رجُلًا حرًّا بعد فترة قصيرة!

 

ـ ستتفاجئين بِجوابي... أحِبّ زوجي ولا أنوي العَيش مِن دونه.

 

ـ أنتِ حقًّا إنسانة غريبة! على كلّ الأحوال، أفعلُ ما أشاء بحياتي ولا دَخلَ لكِ فيها! فلتذهبي وجميل... وزوجكِ إلى الجحيم!

 

أقفَلتُ الخط وجلَستُ أفكِّر بهذَين المريضَين نفسيًّا، فلَم أفهَم علاقة جميل بعشيقته وكيف دامَت لعشر سنوات.

بعد أيّام، خابرَني ابني البِكر مُستاءً منّي لأنّني ترَكتُ أباه:

 

ـ كيف تفعلين ذلك يا أمّي بعد كلّ تلك السنوات؟ أنا مُستاءٌ جدًّا!

 

ـ مُستاء؟ وما دخلكَ أنتَ لِتستاء؟ أليست لدَيكَ عائلة خاصّة بكَ؟ وهل أنتَ أبي وأنا إبنتكَ؟ إحفظ لسانكَ!

 

ـ أنا آسِف يا ماما... لكنّ أبي اتّصَلَ بي واشتكى مِن "نوبة جنونكِ" ورحيلكِ.

 

ـ لَم أرِد أخباركَ واخوَتكَ، لكن مِن الواضِح أنّ جميل بدأ يخترِع الأكاذيب. إليكَ ما حصل فعلًا.

 

لَم يُصدِّق ابني أذنَيه، فسكَت واتّصَلَ بأبيه ليؤنِّبه بشدّة. بعد ذلك هدأَت الأمور، لكنّ ذلك الهدوء كان كالذي يحصل قَبل العاصِفة. فأدرَكَ جميل أنّ أمره سيُفضَح في كلّ مكان، ويخسَر سمعته الجيّدة التي تعِبَ على خلقها والمُحافظة عليها، وأنّ عليه أن يمنَع طلاقنا. لِذا، هو قرّرَ التخلّص منّي.

فذات يوم، دهسَني جميل بسيّارته وأنا عائدة مشيًا على الأقدام مِن السوبر ماركت. شعرتُ بصدمة رهيبة... ثمّ لا شيء، إلى حين استَفقتُ في المشفى وكلّ جسمي يؤلمُني بشكل فظيع، وإلى جانبي أختي وأولادي كلّهم. سألتُهم عمّا حدَثَ لي، وسادَ سكوت طويل قَبل أن تقولَ لي أختي:

 

ـ لَم يعُد بمقدوره أذيّتكِ، لا تخافي.

 

ـ مَن؟ ماذا حصَل؟؟؟

 

ـ منذ أيّام، أي قَبل وقوعكِ في الغيبوبة، حاوَلَ جميل دهسكِ.

 

ـ ماذا؟!؟

 

ـ لكنّ الناس رأته بوضوح وسجلَّت كاميرات مُراقبة السوبر ماركت الحادِثة. وبعد ساعات قليلة، قبضَت عليه الشرطة، فكان مِن الواضِح بِحسب الشهادات والكاميرات أنّه أمر مُفتَعل وليس حادِثًا. إستُدعيتُ إلى القسم لأنّني أختُكِ ولأنّكِ تسكنين معنا، فأخبَرتُ المُحقِّق لماذا يُريدُكِ جميل ميّتة.

 

نظرتُ إليها غير مصدِّقة ما سمِعتُه، ثمّ إلى أولادي وتمتمتُ: "أنا آسِفة". لكنّ أولادي صرَخوا أنّهم آسفون، وليس أنا، فلقد تركوني مِن غير قصد أعيشُ مع وحش ضارٍ حين تزوّجوا وانشغلوا بحياتهم الخاصّة. في الواقع، الحقّ كلّه يقَع حصرًا على الذي كان زوجي، فهو لعِبَ دور الزوج والأب المثاليّ لسنوات لا تُحصى، بينما هو بالفعل إنسان كاذِب وخائن ومُجرم. كيف لَم يشكّ به أحدٌ؟ حيَّرَني ذلك السؤال لفترة طويلة قَبل أن أستوعِبَ أنّ هناك مَن يخلِقُ لنفسه هويّة بكاملها ويختبئ وراءها، لِدَفن قلب أسوَد وأفكار لعينة، ويُحقِّق في الخفاء كلّ ما تطلبه نفسه. هؤلاء قليلون، لكنّ الظروف شاءَت أن أحبّ وأتزوّج أحدَهم، لسوء حظّي.

لا يزال جميل مسجونًا وأنا عدتُ إلى بيتي لفترة قصيرة قَبل أن أبيعه، فاستحال عليّ أن أعيشَ في مكان مجبول بالكذب والاحتيال. الآن أعيشُ بالمداورة عند أولادي وأنا سعيدة معهم وأحفادي. لا نأتي على ذكر جميل أبدًا، فهكذا أفضل، وإلّا كيف بإمكاني تخطّي ما جرى لي؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button