هل يقتل أبنه من أجل سعادته؟

لا أدري إن كان من الحكمة أن تتزوّج إمرإة من رجل طلّق مرتين من قبل ولكن عندما يكون المرء واقع بالغرام لا يعد يرى الأشياء بوضوح أو يفكّر بمنطق. أنا أيضاً كنتُ مطلّقة ولكنني لم أرزق أطفالاً وكنتُ قد بلغتُ الخامسة والأربعين من عمري وأردتُ شريكاً أقضي معه باقي حياتي.   

للحقيقة عندما تعرّفتُ إلى مازن كان ما زال متزوّجاً من زوجته الثانية ولكن أغرم بي لدرجة أنّه قرّر الإنفصل فوراً. لم أكن موافقة على تركه زوجته فأنا لست من اللوات تدمّرن العائلات ولكنه أكّد لي أنّ الأمور بينهما كانت قد وصلت إلى نقطة اللا رجوع وأن وجودي لم يكن سوى حافز له لكي يمضي بطلاقه.

وجاء مازن وأخبرني أنّه أصبح حرّاً وبات بإمكاننا الإرتباط شرعيّاً. فرحتُ كثيراً وفي تلك اللحظة السعيدة أعترف أنني لم أفكّر بزوجته أو بإبنتِه فكنتُ متأكّدة أنّه عمل الصواب بتركه إمرأة لم يتّفق معها على الإطلاق.

وتزوّجنا وكنتُ أسعد النساء لأنّ مازن يعرف كيف يعامل من يحب ولكن إكتشفتُ إنّ غرامه صعب ومرتبط بشروط قاسية جدّاً.

لم يمرّ سنة على زواجنا حتى حملتُ وفي اللحظة التي علمَ بالأمر تغيّرت معاملة زوجي لي فبَدَت عليه علامات الهمّ والتشنّج وكأن مجيء هذا الطفل مصيبة كبيرة عليه. لم أكن أحلم حتى أن أنجب فكنتُ أعتقد أنني عاقر ناهيك عن عمري وكان هذا بمثابة معجزة بالنسبة لي. حاولتُ التحدّث معه في الموضوع ولكن رفض الإعتراف بأنّه منزعج للأمر. فضّلتُ حينها أن أغضّ النظر وأنتظر مجيء إبني على أمل أن نسترجع أيّام الغرام. ولكن ساءت الأحوال أكثر عند الولادة. لم يشأ حتى أن ينظر إلى إبنه وكأنّه ليس من لحمه ودمه وعندما عدتُ من المستشفى تفاجأتُ بأنّه نقل أغراضه إلى غرفة أخرى تحت ذريعة أنّه يذهب إلى عمله باكراً ويريد تمضية ليالي هادئة.  حينها قلتُ له:

- هذا إبننا نحن الإثنين فأنا لم آتِ به لوحدي ويجب أن نعتني به معاً. من المفروض أن نتعاون خلال الليل لإعطاءه زجاجات الحليب وتغيير حفاضاته. بأي عصر تعيش؟

- لن أفعل شيئاً من هذا القبيل. كانت حياتي أفضل بدونه. عندما تعرّفتُ إليكِ إعتقدتُ أنّكِ لا تستطعين الإنجاب وهذا ما شدّني إليكِ وقد خذلتني. إسمعيني جيّداً... لا أريد أن أعرف شيئاً عن هذا الولد أو أن أهتمّ به. أفهمتِ؟

لم أصدّق أذنيّ فأيّ أب يتكلّم هكذا؟ دخلتُ فوراً إلى الغرفة لكي لا أفتعل شجاراً.

لم يتحسّن الوضع بل ساء يوم بعد يوم. بدأ مازن يغيب عن البيت بشكل ملحوظ ووجدتُ نفسي وحيدة مع إبني معظم الوقت. نصحتني أمي بعد أن إشتكيته لها أن أضع الطفل عندها خلال عطلة نهاية الأسبوع وأمضي بعض الوقت مع زوجي ربما تتلطّف الأجواء بيننا وهكذا فعلتُ. وعندما جاء مازن إلى البيت في المساء ولم يجد إبننا حملني ودار بي في البيت كلّه وهو يقول: "كم أنا سعيد أنّكِ تخلّصتِ منه!".

عندما سمعته يقول هذا أجبرتُه على إنزالي من ذراعيه وصرختُ به:

- هل جننت؟؟؟ أنا لم أتخلّص منه فهو عند أمي ليومين فقطّ

- لم يكن هذا قصدي... لقد أخطأتُ التعبير. ما أردتُ قوله...

- هذا إبننا وليس غرض تستأجره يمكنكَ ردّه عندما تريد! إنّه كائن حيّ!

نظرَ إليّ بحزن وخرج على الفور من البيت. لم يعد تلك الليلة وسعدتُ أنّه لم يفعل لأنني لم أرد رؤيته وأسفتُ أن يحظى إبني بأب كهذا. لا بدّ أنَه ذهب يرتمي في أحضان إمرأة أخرى مثلما إعتاد أن يفعل وسألتُ نفسي إن كان سبب طلاقاته السابقة أيضاً وجود الأولاد أو أنّه كان يتذرّع بإبننا لتركي فقررتُ أن أتحرّى عن الأمر. وعندما عاد مازن أخيراً في مساء اليوم التالي دخلتُ غرفته وهو نائم وأخذتُ هاتفه من قرب سريره وبحثتُ عن رقم زوجته السابقة.

عندما أتصلتُ بها في الصباح لم تكن مسرّة لسماع صوتي وقبل أن تبدأ بالشتائم قلتُ لها:

- أنا ضحيّة مثلكِ فإسمعيني. لديّ سؤال واحد ومن بعده لن تسمعِ صوتي مجدداً: هل مشكلتكِ مع مازن كانت بسبب الأولاد؟

- أكملي

- لقد أنجبتُ منه طفلاً ويتصرّف بغرابة ولا يريد أن يراه حتى.

- فإذاً سيترككِ كما فعل بي وبزوجته الأولى. لستُ آسفة لكِ لأنني لا أحبّكِ ولكن أنصحكِ أن تبعدي ولدكِ عنه وفوراً.

- أتقصدين أنّه...

- كان له ولد من إمرأته الأولى وتوفي وهو رضيعاً وهي التي تركته وأشيعَت أخباراً بأنه وراء موت الطفل ولكن لم أصدّقها. ولكن بدأتُ أشعر بأنّها الحقيقة عندما رأيتُ كيف كان ينظر إلى إبنتنا وكأنّها عاقة يجب إزالتها. ورغم حبّي الشديد له شعرتُ بالإرتياح عندما طلّقني. إحترسي فهناك إحتمال أن يؤذي إبنه كما فعل في الماضي!

خفتُ كثيراً مما أخبرتني تلك المرأة ولكن هل يُعقل أن يكون زوجي مريض لهذه الدرجة؟ قبل سماعه بقدوم طفل إلى حياتنا كان إنساناً محبّاً ولطيفاً تتمنّاه كل فتاة. كنتُ حائرة ولم أعد أعلم ماذا يجب أن أظنّ أو أفعل. وجاء الجواب في المساء نفسه.

جاء مازن إلى البيت وقال لي بحماس:

- أين الطفل؟ أريد أن آخذه في نزهة قصيرة.

 - لن تأخذه إلى أي مكان! تريد التخلّص منه؟؟؟ لن أدعكَ تؤذيه وسأقتلكَ إن لزم الأمر. أفهمت؟؟؟

- هل جننتِ؟ أريد أن أمضي بعض الوقت لوحدي معه لكي أتعوّد عليه فمنذ ولادته لم أكن موجوداً له.

- أنتَ كاذب! تريد قتله كما فعلتَ بإبنكَ الأوّل!

إمتلأت عيونه بالدموع عند سماع هذا وبكى. ثم مسح دموعه وقال لي بصوت حزين:

- أبني مات من الحمّى ولم أقتله ولا أدري كيف علمتِ بموته ولماذا تظنّين أنني قتلته. بعد وفاته لم نستطع أمّه وأنا إسترجاع حياتنا الزوجيّة فقررنا سويّاً أن نطلّق.

- وزواجكَ الثاني؟

- كنتُ جدّ سعيد أنني أنجبتُ بنتاً ولكن أمّها كانت تكذب طوال الوقت ولا تكفّ عن المطالبة بالمزيد من المال والرفاهيّة حتى انني أصبحتُ أكرهها.

- وإبننا؟

- معكِ لم أعد أريد أولاداً فالأوّل مات والثانية بعيدة عنّي بالكاد أراها وحين علمتُ أنّكِ حامل خفتُ كثيراً أن أفقد ولد من جديد وكل مرّة كنتُ أغيب عن المنزل كنتُ أذهب لأمي باحثاً عن النصيحة. هي التي قالت لي بالأمس أن آخذ إبني بنزهة وإن كنتِ لا تصدّقينني فإسأليها.

أخذتُ الهاتف وإتصلتُ بحماتي وأكّدت لي كل ما قاله وأخبرتني عن مخاوف إبنها. وعندما أقفلتُ الخط أخبرته بما قالته لي زوجته السابقة لكي تنتقم منه بالإيقاع بيننا وطلبتُ منه أن يسامحني فأجابني:

- لا... أنا أطلب السماح منكِ لأنني لم أساندكِ خلال الحمل والولادة ولأنني بسبب خوفي من الأذى كدتُ أن أفقدكما. هذا الطفل ليس معجزة بالنسبة لكِ فقط بل هو فرصة من السماء لكي يكون لي إبناً من جديد وأراه يكبر وسط عائلة محبّة.

حاورتها بولا جهشان​

المزيد
back to top button