مِن أجل الشهرة

إتّسمَت تلك السنة بالعذاب والحيرة والخوف، فلقد قضيتُها بين جلسات التحقيق والسّجن الإحتياطيّ والمحاكمة لتظهر أخيرًا براءتي. كيف لإنسان خلوق مثلي أنّ يتورّط رغمًا عنه بهكذا مكيدة؟ إليكم قصّتي:

بعد انتهائي مِن المدرسة، قرّرتُ عدَم دخول الجامعة وذلك بهدف جني المال، لأنّني كنتُ فقيرًا ولا يُمكنُني إضاعة الوقت بتحصيل العلم. لِذا رحتُ إلى مصوّر عريق يعرفُه أحد أقربائي، طالبًا منه تعليمي فنّ التصوير مُقابل مُساعدتي له وأجر ضئيل. إقتنَعَ بقبول طلَبي بعدما أرَيتُه الصوَر البسيطة التي التقطّتُها بواسطة هاتفي والتي كانت تدلّ على موهبة يجب تنميَتها. وهكذا بدأتُ بالعمل في الستوديو أحضّرُ المعدّات وأمسكُ للمصوّر الأضواء وكلّ ما يحتاج إليه. وفي تلك الأثناء، كنتُ أُراقبُ كلّ ما يفعله عن كثب وأنفّذُ أوامره حرفيًّا مُتناسيًا القساوة التي عاملَني بها.

مرَّت السنوات وصرتُ مُتمرّسًا بالتصوير، أطبّقُ بعد انتهاء الدّوام ما تعلّمتُه بتصوير مَن هم حَولي، إلى أن وجدتُ نفسي قادرًا فعلاً على الإنطلاق بنفسي. شكرتُ المصوّر وودّعتُه، وهو اعترَفَ بأنّني فعلاً موهوبٌ وأنّ لدَيّ مستقبلاً لامعاً.

إستأجرتُ محلاً صغيرًا يُعنى بتصوير الأفراح والأشخاص، وانتظرتُ الزبائن الذين أتوا في البدء بسبب أسعاري المدروسة ولاحقًا لِمهارتي.

وبعد سبع سنوات، صِرتُ مصوّرًا معروفًا في بلادي، ألتزمُ أكبر الحفلات والأعراس بأسعار عالية مكّنتَني مِن العَيش كما كنتُ أحلم أن أفعل. بكلمة واحة كانت الحياة تبتسمُ أخيرًا لي.

لكن كلّ شيء تغيَّرَ يوم زارَني أبٌ وابنته لأجراء جلسة تصوير للصبيّة. قال لي الرجل:

 


ـ هذه إبنتي نجوى، ولقد خطَرَ ببالها أن تؤسّس صفحة على مواقع التواصل الإجتماعيّ بغَرَض اكتساب شهرة لا يطلبُها سوى الذين بسنّها أي السابعة عشرة، وذوي العقل الفارغ! لستُ مسرورًا بما تنوي فعله، لكن كونها إبنتي الوحيدة يصعبُ عليّ رفض أيّ شيء تريده. آملُ فقط أن تهتمّ إبنتي بأمور أكثر عمقًا في المستقبل. أتَينا إليكَ بسبب شهرتكَ، ولأنّني لا أريدُها أن تلتقط صوَرها بِنفسها أي في غرفتها وحمّامها... فهي صبيّة بالفعل غير ناضجة!

 

نظرتُ إلى نجوى ورأيتُها تبتسمُ لكلام أبيها، فهي لَم تكن بالغباء الذي وصَفها لي، بل فهِمَت أنّ عليها التزام الصمت وعدَم مُعارضته لنَيل مرادها. إتّفقنا على سلسلة مواعيد ومِن ثمّ خرجا مِن الستوديو.

عادَت نجوى بعد يومَين حاملةً معها مجموعة ملابس جميلة وباهظة الثمَن، وراحَت تبدّلُ ثيابها وراء الحاجب الموضوع لهذا الغرَض. جرَت الجلسة بسلاسة، فهي كانت تعرفُ تمامًا كيف تقِف وتبتسم أمام الكاميرا. قُمنا بحوالي العشر جلسات على فترة امتدَّت على شهرَين، وكانت نجوى تجلب خلالها شابًّا بسنّها جلَسَ يتفرّج عليها مبتسمًا. وأنا أيضًا ابتسَمتُ للمشهد لأنّ المراهَقة سنّ لَم أعِشه كالآخرين بسبب انكبابي على مهنتي، فنسيتُ أن أحبّ وتكون لي صديقة أفكّرُ بها بشوق وحبّ.

قبضتُ أجري وكان عاليًا بسبب الوقت الذي قضيتُه لتصوير نجوى، ولأنّ أباها كان رجلاW ثريًّا وسخيًّا، وانتقلتُ إلى أشغال أخرى.

للحقيقة كنتُ قد نسيتُ أمر هؤلاء الناس كليًّا، حين جاءَ الأب إليّ بعد حوالي الأسبوعَين. تفاجأتُ بوجهه الغاضب ونبرة صوته العالية، فكان قد تراءى لي مِن لقائنا الأخير أنّه رجل مُهذّب وهادئ. إلا أنّه دخَلَ الستوديو وهو يصرخ:

 

ـ أين أنتَ؟ أين أنتَ أيّها الفاسق؟!؟ سأشربُ مِن دمكَ! أجل، سأقتلُكَ بيدَيَّ!!!

 

ـ إهدأ يا سيّدي وقُل لي ما الأمر؟ هل أنتَ غير ممنون مِن صوَر إبنتكَ؟ سآخذ صورًا أخرى، لا تخَف، فلِكّل مشكلة حلّ!

 

ـ ومشكلة حَمل ابنتي؟ ستحلّها أيضًا؟

 

ـ وما دخلي بِحَمل إبنتكَ؟ أنا مصوّر ولستُ طبيبًا!

 

ـ سأقتلُكَ!!! ستصلح غلطتكَ مع إبنتي وإلا...

 

ـ لَم أغلط معها قط! ما الأمر وما دخلي؟

 

ـ لقد استغلّيتَ سذاجة نجوى وأقمتَ معها علاقة حميمة وها هي حامل! هذا هو دخلكَ! ستصلحُ غلطتكَ أقولُ لكَ! صحيح أنّكَ مُجرّد مصوّر ولستَ مِن مقامنا، لكن مِن الضروريّ أن تتزوّج مِن نجوى وتُطلّقها بعد فترة قصيرة أيّها المُغتصِب!

 

ـ أنا؟!؟ لَم ألمسها يومًا! لَم أقترب منها حتى! مَن قال لكَ إنّني أقمتُ معها علاقة حميمة؟

 

ـ هي اعترفَت بذلك باكية بالرّغم مِن أنّكَ هدَّدتَها بأذيّتها لو تكلّمَت!

 

ـ هي كاذبة! قد يكون الأب ذلك الشاب الذي جلبَته معها أثناء جلساتها. لن أُصلِحَ شيئًا يا سيّدي لأنّني لَم أفعل شيئًا. إذهب الآن وفتّش عن المسؤول الحقيقيّ فلدَيّ أمور أهمّ أقومُ بها. هيّا أخرج ولا تعود!

 


بالفعل لَم يعد الرجل بل جاءَ مكانه رجال شرطة الذين أمسَكوني وكبَّلوني وأخرَجوني مِن الستوديو عنوةً أمام الجيران وأهالي الحَيّ. شعرتُ في تلك اللحظة أنّ كلّ ما فعلتُه تبخَّرَ بسبب فتاة شقيّة تدّعي السذاجة والبراءة.

جلسات التحقيق كانت عدائيّة للغاية. فلا أحد يُحبّ المُغتصبين، لكنّني بقيتُ مُصرًّا على براءتي والتمسّك بقصّتي. فلماذا أعترفُ بشيء لَم أقترفه؟ أدخَلوني السّجن الإحتياطيّ لأنّهم رأوا أنّ مِن الخطير أن أبقى حُرًّا كي لا أؤذي فتيات أخريات. وكلّفوا لي محاميًا شابًّا لَم أثِق بمهارته، فالمُحامي الذي يهتمّ بأموري عادةً كان مُسافرًا بعيدًا، لذلك قبلتُ بالموجود.

في تلك الأثناء، سرَّبَ أحدهم الخبر إلى مواقع التواصل الإجتماعيّ، وكنتُ متأكّدًا أنّ الأمر مُفتعل إذ كيف لأحد أن يعلم بالحادثة؟ وفي غضون لحظات، فقدتُ كرامتي وسمعتي لأصبح مُعتديًا قذرًا يجذبُ القاصرات إلى الستوديو الخاص به ليفعل بهنّ أبشَع الأمور. وأدركتُ حينها أنّني لن أرى زبونًا بعد الآن وخاصة زبونات.

بدأَت المُحاكمة بوجود فقط الضحيّة وأهلها وارتحتُ لأنّ الجلسات لن تكون علنيّة. عُرِضَت الأحداث ومرّ الشهود مِن الفريقَين، واحتارَ القاضي لأنّ سيرتي كانت مُمتازة ولأنّه، كما علمتُ لاحقًا، تعذّبَ هو الآخر للوصول إلى منصبه بسبب فقر عائلته. لكنّ الواقع كان يُعيقُ استلطافه لي وكان عليه أن يحكم بعدالة. إنتهَت أوّل جلسة لتُعقَد الثانية بعد أيّام. عندها أيضًا نُشِرَ مُحتوى الجلسة على مواقع التواصل الإجتماعيّ. وخطَرَ ببالي شيء صعب التصديق أطلعتُ المحامي عليه عندما لبّى طلبي بالمجيء إلى السّجن. قلتُ له:

 

ـ تلك الفتاة... لا أظنّ أنّها حامل.

 

ـ ماذا؟!؟

 

ـ هل رأيتَ التقرير الطبيّ؟

 

ـ أجل رأيتُه.

 

ـ موقّعًا مِن طبيب شرعيّ؟

 

ـ لا... للحقيقة فاتَني الأمر. سأطلبُ تقريرًا آخر. ما الذي يدورُ ببالكَ؟

 

ـ نجوى، الضحيّة المزعومة، تُحاولُ جهدها تجميع أكبر حشد ممكن على الإنترنت، ولهذا السبب جاءَت إليّ في بادئ الأمر... لكنّها ليست جميلة أو مُثيرة للإهتمام كفاية لجذب الأنظار إليها، فقرّرَت حتمًا أن تضرب ضربة إعلاميّة. وإلا كيف تُفسّر أنّ كلّ ما يحدث لي ولها يظهر بالتفاصيل على الإنترنت؟

 

ـ هل يُعقَل هذا؟ توسّخ فتاة سمعتها وسمعة رجل لَم يفعل لها شيئًا، مِن أجل مُتابعين على مواقعها؟

 

ـ هي تافهة كباقي أسرتها، فأيّ أب يجلبُ إبنته لتتصوّر مِن أجل جمهور مؤلّف مِن مجهولين؟ أنا واثق مِن الذي أقولُه، الفتاة ليست بحامل!

 

وكنتُ على حقّ! فعندما طلبَ المحامي تقريرًا رسميًّا بحمل نجوى، سحَبَ أبوها فجأة الدعوى ضدّي واتّهامه لي. لكنّني لَم أسكت فلقد أُسيءَ إلى سمعتي بل دُمِّرَت بالكامل، لِذا طلبتُ بتعويض ماديّ ومعنويّ... وقبضتُ مبلغًا لا بأس به مِن المال وقامَت عائلة نجوى بالإعتذار منّي. إلا أنّني أصرَّيتُ على أن يظهر الإعتذار في الأماكن نفسها التي ورَدَت فيها إدانتي.

وبعد أيّام، جاء الأب إلى الستوديو. كان بودّي طرده، لكنّني قرّرتُ الإستماع إليه:

 

ـ صدّقني عندما أقولُ لكَ إنّني لَم أكن أعلم أنّ إبنتي كاذبة. فكيف أتصوّر أنّها قادرة على الإدّعاء بالحَمل فقط لِجمع مُتابعين على مواقع التواصل الإجتماعيّ؟ هي لَم تُفكّر بسمعتها أو بحياتكَ التي تأذَّت، ناهيكَ أنّكَ كدتَ أن تمضي سنوات وراء القضبان... سامحني... وسامحها مِن فضلكَ... أرجوكَ...

 

لزِمَتني سنوات لاسترجاع زبائني، فالشكّ يبقى دائمًا في بال الناس حتى لو ظهَرَت الحقيقة. صحيح أنّني لَم أعد أصوّر فتيات، إلا أنّ شبح ما حصل لي يُطاردُني حتى اليوم.

الإنترنت وأؤلئك الرّوّاد الذين هم مستعدّون لِفعل أيّ شيء ودفع أيّ ثمَن لِجذب الأنظار! هل يفتقدُ شبابنا إلى الحنان والحبّ والدفء العائليّ، لِدرجة أنّهم يبحثون عن تلك الأمور لدى الغرباء؟ إنّها فعلًا كارثة الألفيّة الثالثة.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button