مهما كان الثمَن

تخرّجتُ مِن مدرسة التمريض وقلبي مليء بالفرَح، فكنتُ أخيرًا سأتمكَّن مِن إراحة المرضى ومُساعدتهم على التحسّن. فالواقع أنّ ذلك الهدَف نابِعٌ مِن رغبتي بالتعويض لأمّي المسكينة التي توفَّت حين كنتُ صغيرة ولَم يتسنَّ لي الاعتناء بها آنذاك أثناء مرَضها بسبب سنّي، فوعدتُ نفسي أن أكبَر لأصيرَ مُمَرِّضة.

لكنّني لَم أجِد عمَلًا فور تخرّجي، فسوق العمَل في المُستشفيات كان ضيّقًا في تلك الفترة، وشعرتُ وكأنّني أخذلُ والِدتي. لِذا، سجَّلتُ نفسي في أحَد المواقِع على الإنترنت حيث يجِدون للمُنتسِبين وظائفَ. طالَ انتظاري، فاحتَرتُ لأمري، خاصّة أنّنا لَم نكن أغنياء وكان أبي بحاجة إلى مَن يُساعِده في مصروف البيت. بعد فترة، قرَّرتُ العمَل في غير مجالي، طالما أتقاضى أجرًا، مهما كان.

لكن ذات يوم، وصلَني بريد إلكترونيّ مفاده أنّهم وجَدوا لي سيّدة مُسِنّة كانت بحاجة إلى مَن يُساعِدها في أخذ أدويتها وإعطائها الحمّام وما أشبَه. المُشكلة الوحيدة كانت البُعد الجغرافيّ، إذ أنّها كانت تسكن في الجهة الأخرى مِن البلاد، في حين لَم أحسِب حساب البقاء عند المرضى ليلًا. لكنّ الحاجة إلى المال وحماسي لبدء عمَل أُحبُّه أقنعاني بالقبول وأقنعا أبي بالقبول أيضًا، فهو كان مُتعلِّقًا بي كثيرًا. أخذنا اسم السيّدة المُسنّة وعنوانها، ورافقَني والِدي ليرى إن كان المكان آمِنًا، فسُرَّ أنّ المنطقة كانت أنيقة وآمِنة وأنّ ليس هناك مِن رجال في ذلك البيت، فودّعني وأوصاني بالاهتمام بنفسي وأوصى السيّدة مُنى بالاهتمام بي وكأنّني حفيدتها. رحَلَ أبي والدمع يملأ عَينَيه، فطمأنتُه بأنّه سيراني في فرصة نهاية الأسبوع.

وضعتُ أمتعتي في الغرفة المُخصّصة لي، وجلَستُ مع السيّدة مُنى لأعرفَ منها تمامًا ما تريدُه منّي وأتفحَّص أدويتها وأطَّلِع على تعليمات الأطبّاء. لكن بعد دقائق قليلة، خرجَت سيدة أخرى مِن إحدى الغرف وسألَت السيّدة مُنى، مع أنّها رأتني جالسة في الصالون:

ـ هل أتَت المُمرّضة؟ أين ستنام؟ هل قلتِ لها ما عليها فعله؟

 

وقفتُ وألقَيتُ عليها التحيّة إلّا أنّها لَم تنظر إليّ، بل تابعَت:

ـ سأعودُ للنوم، لا تحِدثا ضجيجًا، فأنا بحاجة إلى الراحة، فلقد أطَلتُ السهر البارِحة.

 

عادَت المرأة إلى الغرفة وسادَ سكوت قبل أن أسأل السيّدة مُنى:

ـ إبنتُكِ؟

 

ـ أجل، إسمها غادة وهي مُديرة شركة ناجِحة!

 

ـ هل تعيشُ هنا بشكل دائم؟

 

ـ أجل، فهي لا تزال عزباء، فليس لدَيها الوقت لأمور الغرام. قومي وحضّري لنا وجبة الغداء.

 

ـ لكن... أعني... أنا مُمرّضة وليس...

 

ـ ألا تطهين في بيتكِ؟

 

ـ بلى، ولكن...

 

ـ إحسبي نفسكِ في بيتكِ، أم أنّكِ تُريديني أن أعتبرَكِ غريبة بيننا؟

 

ـ لا بالطبع... حسنًا... ماذا تريدين أن تأكلي؟

 

ـ إفتحي الخزائن والثلّاجة وجِدي ما بإمكانكِ تحضيره. قَبل ذلك، خذيني إلى غرفتي، فسأنام أنا الأخرى. وعندما يجهز الغداء، صحّيني وابنتي. لكن لا تُحدِثي ضجّة! أفهمتِ؟!؟

 

كنتُ مذهولة لهذه اللهجة والمُعاملة، لكنّني لَم أُجادِل، فلن أفتعِل المشاكل فور وصولي... وكنتُ بحاجة إلى ذلك العمَل. أخذتُ نفَسًا عميقًا وقلتُ لنفسي إنّني سأعتبِر هذه المريضة بمثابة تقوية قدرتي على التحمّل.

بعد ذلك، صِرتُ أُنظّفُ البيت إلى جانب الطهو، وأخدمُ السيّدة مُنى والسيّدة غادة. تعِبتُ كثيرًا لكنّني لَم أتذمَّر، فكنتُ أنتظِرُ بفارغ الصبر فرصة نهاية الأسبوع لأرى أبي الذي بقيَ يجهل ما أفعلُه حقًّا بذلك البيت، فالجدير بالذكر أنّ السيّدة مُنى لَم تكن بحاجة إلى مُمرِّضة على الدوام، بل أكثر إلى خادمة تعرفُ متى تُذكِّرها بالأدوية وتهتمّ بسلامتها.

وذات يوم، قالَت لي السيّدة غادة:

ـ ستبقين مع أمّي خلال فرصة نهاية الأسبوع.

 

ـ هذه المرّة فقط، أليس كذلك؟

 

ـ لا، بل في كلّ مرّة. لن تُغادِري البيت على الإطلاق، فلدَيّ حياتي الخاصّة ولا يسَعُني البقاء مع أمّي، فهذا عمَلُكِ.

 

ـ لكن عليّ زيارة أبي وبيتنا!

 

ـ إن غادَرتِ هذا المكان، فلن تعودي إليه، وسأجِدُ بلحظة مَن يحلُّ مكانكِ.

 

قبِلتُ أن أبقى بعد أن قلتُ لنفسي إنّني سأُضحّي بِراحتي لفترة ثمّ أرحَل نهائيًّا. لكنّ والِدي كان مُستاءً كثيرًا وتوسَّل إليّ لأترك ذلك البيت. لَم أسمَع منه، فما أفعلُه كان في آخِر المطاف مِن أجله.

أنقلبَت حياتي فجأة بعد قبولي، فصِرتُ ليس فقط الخادِمة والمُمرِّضة، بل أيضًا محطّ سلوك عدائيّ لأقصى درجة، فانهمرَت عليّ الشتائم، وقيلَ لي كلام لا يقولُه إلّا الذين هم بلا ضمير. فشُبِّهتُ للكلاب، وسمِعتُ كلّ الألقاب، بينما تحمَّلتُ الإهانة بِصبر. أحيانًا، كانت تأتي صديقات غادة وتجتمِعنَ جميعًا لإهانتي والاستهزاء منّي، وكان عليّ تنفيذ كلّ طلباتهنّ. وعندما أشتكي للعجوز، كانت تقولُ لي: "الحقّ يقَع عليكِ، فلو قمتِ بعملكِ جيّدًا، لَما سمِعتِ تلك التوبيخات. على كلّ الأحوال، هذا ما يستحقّه مَن هم مِن طبقَتكِ".

بكيتُ كثيرًا، وكلّما قرّرتُ الرحيل، كنتُ أصبر قليلًا بَعد كَي أحصل على المال وأُرسِله لأبي الذي كان طبعًا يجهلُ كل ما يدور.

ثمّ تلقَّيتُ أوّل صفعة مِن السيّدة غادة يوم أوقَعتُ طبق الطعام وأنا أوصِله إلى المائدة، فهي صرخَت بي: "أيّتها البلهاء، هذا الطبق قدره أكبر مِن قدركِ بكثير!". إعتذرتُ منها باكية، ووعدتُها بأنّني سأنتبِه أكثر في المرّة القادِمة. في تلك الليلة حزمتُ حقيبتي، فلَم أتقبّل أبدًا أن أُهان جسديًّا، لكن عند الصباح أعدتُ أمتعتي إلى الخزانة، فتلك كانت حتمًا حادِثة مُنفرِدة، ولا يُعقَل أن تتكرَّر. وبالطبع كنتُ مُخطئة.

بعد حوالي الشهرَين على عدَم رؤية أبي، طلَبتُ مِن السيّدة مُنى أن تسمَحَ لي بإجازة صغيرة، إلّا أنّها رفضَت مُتحجِّجة بصحّتها، مع أنّها بالفعل لَم تكن بحاجة إلى رعاية دائمة. جادَلتُها وبقيتُ مُصِّرة، إلّا أنّها غضبَت منّي كثيرًا وأهانَتني، وأخذَت عصاها وضربَتني بها. شعرتُ بألم فظيع في كتفي ووقعتُ أرضًا. ركضَت السيّدة غادة لدى سماع الصرخة التي أطلقتُها، وعندما رأتني أرضًا وأمّها حامِلة العصا، صرَخت بي:

ـ هيّا قومي مِن على الأرض وتابِعي عمَلكِ! كفاكِ تمثيلًا! فلستِ هنا لنُدلِّعَكِ!

 

ـ أمّكِ ضربَتني بعصاها! أنظري إلى كتفي!

 

ـ لا بدّ أنّكِ أغضبتِها لِتفعل ذلك، الحقّ يقَع عليكِ! إنهَضي وتابعي عملكِ!

 

ـ لا!

 

عندها، مسكَتني غادة مِن شعري وجرَّتني إلى المطبخ وأقفلَت الباب بالمفتاح قائلة: "لن تخرجي مِن هنا قَبل أن تُنهي عملكِ، مالُنا ليس للهَدر!

 

وعندما إستوعَبتُ فعلًا ما حدَث، صحيتُ أخيرًا لِما يحصلَ لي، وغضِبتُ أوّلًا مِن نفسي. فكيف قبِلتُ أن تصِل الأمور إلى ذلك الحَد؟ مِن أجل المال؟ تبًّا للمال إن كنتُ سأفقدُ كرامتي مِن أجله!

آلَمني كتفي كثيرًا وأنا أُحضِّر الطعام وأُنظِّف المطبخ والأطباق، وعندما أنهَيتُ عمَلي، جاءَت السيّدة غادة لِتفتح لي الباب. ركضتُ إلى غرفتي وحزمتُ حقيبتي ولَم أنسَ أن أُشغِل مُسجل الصوت الموجود في هاتفي، فمَن يدري ما سيحصل عندما أرحَل؟

وبالفعل، عندما رأتني المرأتان حامِلة حقيبتي بدأتا بالضحك، وقالَت السيّدة مُنى:

ـ عودي إلى غرفتكِ أيّتها السافِلة، فأنا مَن يُقرِّر متى ترحلين.

 

ـ أُريدُ العودة إلى البيت وبصورة نهائيّة، ولا أُريدُ أجرتي لهذا الشهر، فلَم أعُد أُريدُ مالكما!

 

ـ إن رحلتِ، فسأشتكي عليكِ عند الشرطة وأقولُ لهم إنّكِ سرَقتِنا وهرَبتِ.

 

ـ لن يصدِّقُكما أحَد!

 

ـ هاهاها... أنا سيّدة مُحترَمة وأنتِ لا أحَد.

 

ـ مُحترَمة؟؟؟ أشكُّ بذلك كثيرًا.

 

ـ أيّتها الفاسِقة! سأسجِنُكِ لسنوات طويلة لتتعلّمي التهذيب.

 

عندها قالَت السيّدة غادة:

ـ أجل، سنقولُ إنّها سرقَتنا، وسأضيفُ أنّها تهجّمَت عليّ وضربَتني.

 

ـ أمِّك هي التي ضربَتني بعصاها، وقد تكون قد كسرَت كتفي.

 

ـ تستحقين أكثر مِن ذلك.

 

ـ أنا مَن ستشتكي عليكما!

 

ـ أيّتها البلهاء، أنا مديرة شركة كبيرة وأنتِ لستِ سوى خادِمة.

 

ـ أنا مُمرِّضة! وحتّى لو كنتُ خادِمة، هذا لا يُعطيكما الحق بإهانتي وضَربي.

 

ـ أنتِ ملكنا ويحقُّ لنا فعل ما نشاء بكِ.

 

أزَحتُ غادة مِن طريقي وخرَجتُ مِن ذلك البيت النتِن وبسمة على وجهي، أوّلًا لأنّني استطعتُ أخيرًا المُغادرة، وثانيًا لأنّ حديثنا كان قد تسجَّلَ بأكمله على هاتفي. ما أجمل التكنولوجيا!

وصَلتُ البيت باكية، وأخبَرتُ أبي كلّ شيء. هو أرادَ الانتقام، لكنّني منَعتُه مِن التصرّف:

- لا تستحقُّ هاتان المرأتان أن تُسجَن مِن أجلهما… سأشتكي عليهما على الموقع الذي وظّفّني كَي لا تُعيدا الكرّة مع مسكينة أخرى. وإن قالَتا إنّني سرقتُهما أو ضرَبتُهما، فلدَيَّ التسجيل.

 

فعلتُ كما قرَّرتُ، وتمَّ حظر حساب العجوز عن الموقع مع الإشارة التالية: "لقد حُظِرَ هذا الحساب بسبب عدَم التزام أصحابه بِمبادئ حسن مُعاملة الأجير". أمّا في ما يخصّني، فلقد وجدتُ أخيرًا عمَلًا في أحَد المستشفيات، واستطَعتُ أخيرًا تحقيق حلمي. وما حدَثَ لي في ذلك البيت كان درسًا لي، فتعلَّمتُ الوقوف بِوجه التنمّر والإساءة، والرحيل... مهما كان الثمَن.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button