لن أتنازل عن مركزي كَعشيقة المدير!

كان بإمكاني الرفض والخروج من مكتبه ولكنّني بقيتُ وأنا على علم بالذي سيحصل، فكان مديري مهتمّاً بأمري منذ ما بدأتُ العمل عنده. في البدء، كانت تلميحات بسيطة متعلّقة بثيابي أو شعري، ثمّ دعوات إلى العشاء.

كنتُ أرفض دائماً أن أتواجد معه لوحدنا تجنّباً للثرثرة، فكان رجلاً متزوّجاً وأنا موظّفة بسيطة. والجدير بالذكر، أنّه كان إبن عمّ أمّي ولكنّنا لم نكن نعرفه جيّداً بسبب الفرق الإجتماعي الذي يفضلنا. وعندما اصبحتُ في الثامنة عشر من عمري، بدأتُ أبحث عن عمل، فطلبَت والدتي منه أن يوظّفني عنده. لم نكن نعرف حينها أنّه قبِلَ طلبها ليس بسبب مؤهّلاتي بل بسبب صورتي المرفقة مع سيرتي الذاتيّة. فكان همّه الوحيد أن يحصل عليّ بعد أن سئِم من عشيقته التي أصبحَت في الخامسة والعشرين، لأنّه يهوي الفتيات الأصغر سنّاً. فقبِلتُ معه في ذلك اليوم خوفاً من أن أخسرَ وظيفتي بعد أن قال لي:

- ما بالكِ يا ندى... ألا تعلمين أنّ العديد من الفتيات تحسدكِ على عملكِ في شركة كهذه؟ وأنا متأكّدة أنهنّ سيفعلن أي شيء لنيل مرادهنّ... وظّفتكِ إكراماً لأمّكِ ولكنني أريد شيئاً بالمقابل... هل تريدين العودة إلى المنزل وإعطاء عملكِ لغيركِ؟ أنا لا أطلب الكثير... فقط أن تكوني... لطيفة معي... هيّا... العناد لا ينفع... إذا علمتِ كيف ترضيني سأجعل منكِ مساعدتي الخاصة وستنالين معاشاً أفضلاً وستذهبين معي إلى أماكن عديدة... هيّا...

وهكذا أصبحتُ عشيقته وسكريترته الخاصة، أهتمّ به وبرسائله وملفّاته. وبقِيَ على وعده لي، فزاد مدخولي وأخذَني معه إلى باريس في سفرة عمل. وبالطبع لم يعلم أهلي بطبيعة علاقتي معه وفرحوا جميعاً لهذه الترقية السريعة وقالت أمّي لجيرانها:

- إبنتي نابغة... لطالما كانت أذكى من باقي الأولاد...

المسكينة لو عِلمَت بالحقيقة، لقتلَت نفسها. وهكذا بدأ مشواري المهني مع فايز مديري. عملتُ جهدي بألا يشكّ أحد بنا خوفاً من الفضيحة وأن أخسرَ الحياة التي بداتُ أعتاد عليها. فإلى جانب معاشي الشهري الكبير، كان عشيقي يجلب لي الهدايا الثمينة ويسافر بي أينما ذهبَ وكنتُ بدأتُ ألتذّ بحياة الرخاء هذه بعدما ولدتُ وكبرتُ في عائلة محدودة الدخل. ولكنّني كنتُ قد نسيتُ حب فايز لليافعات ومع مرور الزمن أصبحتُ كبيرة بالنسبة له. وعندما جاءت موظّفة جديدة تدعى رَنا إلى الشركة، لم يخطر على بالي أنّها قد تنافسني إلا عندما سمعتُ إحدى السكرتيرات تقول:


- كم هي جميلة وشابة... تماماً كما يحبّ المدير...

عندها قررتُ مراقبة الوضع والتصرّف إن إقتضى الأمر. وكما كان من المتوقّع، لم تغِب تلك الفتاة عن إنتباه المدير، فبدأَ يطلب معلومات عنها ويراقبها عن بعد تماماً كما فعَلَ معي وشعرتُ أنّني سأنال مصير التي سبقَتني، وهذا كان غير مقبول عندي، خصوصاً أنّ فايز كان قد وعدَني بسيّارة جديدة وكنتُ أعتبر هذه الهديّة مكافأة لخدماتي العديدة والمستمرّة لرجل كبير في السنّ لا يهمّه سوى نفسه. وفي ذات يوم ذهبتُ أتحدث مع رنا لأضع النقاط على الحروف:

- هل تعلمين من أنا؟

- أجل... قيل لي أنّكِ مساعدة المدير الخاصة.

- تماماً... وأحبّ عملي كثيراً ولستُ مستعدّة للتخلي عنه... ولكنّني مستعدّة لفعل أيّ شيء للحفاظ عليه.

- أنا آسفة ولكنني لا أفهم لماذا تقولين هذا لي...

- ستفهمين قريباً... أردتُ فقط أن أعلمكِ بِمدى تعلقّي بالذي أملكه...

وأدرتُ ظهري ومشيتُ وهي بقيَت مكانها تحاول إستيعاب ما قلتُه لها. وبعد فترة قصيرة علِمتُ من نظراتها أنّ فايز قد بدأ بمغازلتها. كانت تنظر إليّ وكأنّها قد إقترفَت ذنباً كبيراً، مع أنّني كنتُ متأكدّة أنّه لم يحصل شيئاً بينهما بعد. فسألتُها:

- هل من شيء تريدين قوله لي؟

- نعم... أعني... لا... لا... أبداً.

- لِمَ لا تبحثين عن عمل في مكان آخر؟ لن تكوني سعيدة هنا...

- أنا لم أفعل شيئاًّ!

- حتى الآن.

- ولن أفعل! أعدكِ بذلك!

كنتُ أودّ تصديقها ولكنّني كنتُ أعلم أنّ فايز سيقنعها بطريقة أو بأخرى كما فعلَ معي، فأنا أيضاً كنتُ فتاة بريئة وشريفة فيما مضى. وأخذتُ أتحرّى عن منافستي، أسأل عنها وأبحث عن معلومات في ملفّها، فعلِمتُ أين تسكن ومع من وما هي هواياتها وأنّها موعودة لشاب وأنّهما سيتزوّجان عندما يجمع المال الكافي لشراء مسكن. ونظراً لحالته الماديّة، لم يكن هذا ليحصل قبل وقت طويل. ووجدتُ أنّ الحل الوحيد لإبعادها عنّي كان إطلاع الحبيب عمّا قد تفعله فتاته من وراء ظهره. فقررتُ إقامة حفلة في الشركة حيث كل موظّف عليه إصطحاب نصفه الآخر بهدف التعرّف أكثر على بعضنا وأقنعتُ فايز بفكرتي بعد أن إستغربَ لهكذا خطوة قائلة:

- لاحظتُ أنّ الموظّفين بعيدين عن بعضهم.. وهذا مضرّ للعمل... إن أحسّوا أنّهم عائلة واحدة فسيتحسّن أدائهم... قرأتُ ذلك في مقال يعالج مشاكل الشركات الكبرى في الخارج.


ومع أنّه لم يكن متحمّساً للموضوع، قبِلَ معي ونظّمتُ اللقاء. عند سماع الخبر، سُرّ الجميع ولبّوا الدعوة بفرح وإمتلأت الشركة بالناس وتخالطوا وسط المأكولات والحلويات الطيّبة. ولكن كلّ هذا لم يكن يهمّني، فكان عذر لتثبيت وجودي والحفاظ على ما تعبتُ عليه. فعندما جاءَت رنا مع خطيبها، علِمتُ أنّها فرصتي الوحيدة للنيل منها. ألقيتُ التحيّة عليهما وشكرتُهما على مجيئهما ثمّ بدأتُ أراُقبُهما عن بُعد بإنتظار الوقت المناسب لأتصرّف. وحين دخلَ الخطيب الحمّام، ركضتُ أنتظره في الخارج وقلتُ له:

- لديّ نصيحة لكَ... إن كنتَ تريد الحفاظ على التي ستصبح زوجتكَ، خُذها من هنا ولا تدعها تعود أبداً...

- ماذا تقصدين؟

- هناك أشياء تتحضّر بينها وبين مديرها... لم يحصل شيئاً بعد ولكنّني هنا منذ فترة وأعلم كيف تجري الأمور...

- أنا واثق من خطيبتي لأنّها إنسانة خلوقة ومهذّبة.

- المال والسلطة أقوى من الأخلاق والقيَم... صدّقيني.

وفي هذه الأثناء بالذات رأيتُ فايز مع رنا يتحدّث ويضحك معها ويده على كتفها. فقلتُ للشاب:

- أنظر إليهما... ماذا قلتُ لكَ؟ معاشكَ الصغير لن يصمد طويلاً أمام ثرائه.

وعندما رأى الشاب حبيبته تساير مديرها، ركضَ إليها ومسكَها من ذراعها وأخرجها من الصالة. إبتسمتُ عند رؤية ما حصل لأنّني كنتُ قد إنتصرتُ على مَن كانت ستأخذ مكاني وتحرمني من حياتي المريحة. ولكن بعد أقل من شهر، جاءَت موظّفة جديدة أخرى لتحلّ مكان التي تركَت العمل دون إعطاء خبر وشعرتُ بالهمّ من جديد. وبينما كنتُ أحاول إيجاد طريقة للتخلّص منها طلبَني فايز إلى مكتبه:

- أجلسي آنسة ندى.

- آنسة؟ ما بالكَ يا فايز؟ نحن لوحدنا هنا.

- طلبتُ أن تأتي إلى مكتبي لأعلمكِ أّنني لم أعد بحاجة إلى خدماتكِ.

- ماذا؟

- لقد كنتُ مساعدة جيّدة ولكنّكِ تعبتِ وعليكِ أن ترتاحي. سأعطيكِ راتب سنة كاملة إضافة إلى تعويضكِ.

- أنا لستُ تعبة! أنا في الرابعة والعشرين مِن عمري! لماذا تطردني؟

- لقد تماديتِ كثيراً وإستعملتِ نفوذكِ كمساعدة مدير ونسيتي أنّكِ لستِ سوى موظّفة لديّ... بعدما غادَرت رنا طلبتُها عبر الهاتف فقالَت لي أنّكِ حاولتِ إقناع خطيبها بالضغط عليها لكي ترحل وأنّكِ نجحتِ بذالك. ولستُ مستعدّاً أن أخسرَ كل من لا يطابق ذوقكِ. ومن ناحية أخرى، لم أعد أهواكِ كالسابق. إقبلي عرضي أفضل من أن ترحلي فارغة اليدين.

وقبلتُ لأنّه لم يكن لديّ خياراً آخراً. وبعد فترة إلتقيتُ صدفة بِرَنا. ذهبتُ إليها وقلتُ لها بِغضب:

- حاولتُ مساعدتكِ على تجنّب فقدان خطيبكِ ونفسكِ هكذا تبادلينني المعروف؟

- بل خفتِ على نفسكِ! إعلمي يا... سيّدتي أنّنا لسنا كلّنا للبيع وأنّني أفضّل الموت على مقايضة شرفي بالمال أو ببعض الإمتيازات. أنا اليوم أعمل في شركة كبيرة أمّا أنتِ فسمعتُ أنّك طُردتِ مِن عملكِ... فالأشياء التي تأتي لنا بِسهولة تذهب بِسهولة.

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button