أحبَّتني والِدة مروان كثيرًا حين تعرّفَت عليّ، وهنّأت ابنها على اختياره لي. إبتسَمتُ ابتسامة عريضة، لأنّ حبيبي كان قد أخافَني حين نبّهَني منها قائلًا: "إنّها امرأة قويّة الشخصيّة ومِن الصعب جدًّا إرضاؤها". وها هي تتغنّى بمزايايّ علَنًا، وتُقدِّم لي أطيَب ما في بيتها مِن الحلوى والعصائر والقهوة. عدتُ إلى بيتي مُرتاحة البال، لأنّ أبوَي مروان كانا راضيَين على مشروعنا المُستقبليّ، وكنتُ سأعيشُ مع حبيبي العُمر بأسره.
تقابلَت العائلتان، وتمّ التوافق على الأمور التقليديّة، فبدأتُ أعدُّ للفرَح بمُساعدة أختي الكبرى التي فرِحَت جدًّا لي، مع أنّها كانت لا تزال عزباء ولا عريس في الأفق. على كلّ الأحوال، هي كانت شابّة عصريّة ويهمُّها نجاحها في عمَلها أكثر مِن الزواج. ولطالما كانت مثالي الأكبَر وأتطلَّع أن أكون مثلها. لكنّ الحبّ أوقَفَ مشاريعي وحوّلَ حياتي إلى مسار مُختلِف.
جرَت التحضيرات على أكمَل وجه، خاصّة أنّ أهل مروان أعطوه مبلغًا كبيرًا ليتصرّف به كما يحلو له، ليكون لنا حفل كما حلِمتُ به. أيّ أنّ حياتي كانت جميلة وواعِدة، وكنتُ سعيدة.
تزوّجنا أخيرًا وعمَّت الفرحة، وعشنا في شقّة لطيفة تُشبِهُنا، ثمّ عادَ مروان إلى عمَله وأنا بدأتُ أهتمّ بالعِشّ الزوجيّ، لأنّني أردتُ أن أكون ربّة منزل ولاحِقًا أمًّا تعتَني بأولادها، زوجها وبيتها.
لكن بعد أشهر قليلة، بدأَت حماتي تنتقدُني على تسيير أمور البيت، مِن نظافته إلى ترتيبه مرورًا بمذاق طهوي، مع أنّ ابنها كان سعيدًا للغاية بكلّ ما أفعله. لَم أُجِبها، لأنّني كنتُ أعلَم أنّها ليست مسرورة بأن يستبدِلها إبنها الوحيد بامرأة أخرى. قرّرتُ أن أصبُرَ وأن أترك الوقت يُهدّئ مِن تعليقاتها وتلميحاتها.
ثمّ صارَت أمّ مروان تصفُني بالكسولة، فحسب رأيها، كنتُ أجلِسُ في البيت طوال النهار، بينما يعمَل ابنها بِكَّد لِجَلب المال لي "لأصرفه على نفسي، فلا شيء يدلّ أنّني أصرفُه على البيت". عندها أيضًا لَم أقُل شيئًا، فالمُهمّ كان أنّ زوجي سعيد معي.
لا أخفي عنكم أنّ تلك الانتقادات كانت تُزعجُني، فقد صارَ عقلي مشغولًا بالذي لا أقومُ به كما يجب، ونَما الشكّ في بالي، وبذَلتُ جهدًا أكبَر لأكون "مثاليّة" ليس فقط بِنظَر زوجي لكن أيضًا بِنظَر أمّه وأبيه. تعِبتُ كثيرًا لكنّني لَم استسلِم، إلّا أنّ جهودي تمَّ تجاهلها مِن قِبَل حماتي، التي كانت تجِدُ دائمًا ما هو "ناقِص" أو "غير مقبول".
وذات يوم، تفاجأتُ بِزوجي يعودُ على غير عادته وسط النهار ... ومعه أمّه وحقيبَتان كبيرتان! وأمام مُفاجأتي الواضحة، قالَت لي حماتي بِنبرة انتصار: "جئتُ أعلِّمُكِ كيف تمسكين بيتًا كما يجب". نظرتُ إلى مروان، لكنّه أدارَ وجهه عنّي وتمتَمَ: "ستمكثُّ أمّي عندنا لفترة قصيرة فقط"، ثمّ ادخَلَ الحقيبتَين إلى غرفة الضيوف. بقيتُ واقِفة قُبالة حماتي، غير مُصدِّقة ما يحصل، فماذا أقول أو أفعل؟
بعد أن دخلَت حماتي "غرفتها"، أمسَكتُ مروان مِن ذراعه وقلتُ له بِغضب:
ـ كيف تفعل هذا بي؟ لماذا لَم أعلَم بقدوم أمّكَ؟!؟ أليس هذا بيتي أيضًا؟!؟ وماذا عمّا قالَته؟ جاءَت لتُعلّمِني كيف أديرُ بيتي؟؟؟ هل فقدتَ عقلكَ؟
ـ أنا آسِف لكن...
ـ لكن ماذا؟ ما عذركَ؟
ـ إسمعي… لا أُريدُ المشاكل.
ـ إذًا لا تفتعلِها!
ـ لماذا تُكلّميني بهذه الطريقة؟
ـ لأنّكَ جلَبتَ لي مُصيبة! إسمع، ستمكثُ أمّكَ عندنا بضع أيّام فقط، ولا أُريدُها أن تتدخّل بِشيء هنا!
ـ إنّها أمّي.
ـ وأنا زوجتكَ! وجود أمّكَ معنا لَم يكن ضمن المُعادلة، وخاصّة حديثها المؤذي وتلميحاتها البشِعة! لو علِمتُ أنّ ذلك سيحصل، لمَا...
ـ لمَا ماذا؟؟؟
ـ لا شيء. قُلّ لها أن تتصرّف كَضيفة وليس أكثر. إعلَم أنّني أحسدُ الآن أختي على خياراتها، فعلى الأقلّ، هي لا تمرّ بالذي أمرُّ به مع أمّكَ والآن معكَ.
- هل هذا يعني أنّكِ نادِمة على زواجكِ منّي؟؟؟
- لن أُجيبَ… لكنّني تصوّرتُ حياتي معكَ بصورة مُختلِفة.
لَم أتخايَل أنّني قادِرة على اتّخاذ موقف كهذا، فشعرتُ بقوّة هائلة أعطَتني ثقة بنفسي أعجبَتني. لكنّني لَم أحسِب حساب قوّة "عدوّتي" وتأثيرها على مروان. فهذا الأخير لَم يجرؤ على مواجهة أمّه وإيصال كلامي لها بشأن وجودها عندنا، لِذا هي بدأَت تتصرّف كسيّدة المكان، بإعطائي التعليمات في ما يخصّ كلّ ما أفعله، غير ناسيةً طبعا تأنيبي والسخرية منّي عند كلّ مُناسبة. عندها، وقفتُ قُبالتها ذات نهار وقلتُ لها:
ـ ألن تتوقّفي عن مُحاولة تصغيري؟ هل تغارين منّي؟ هل تشعرين أنّني أخذتُ وحيدكِ منكِ؟
ـ عمّا تتكلّمين؟ أنتِ مجنونة!
ـ إسمعي، هذا بيتي وأفعل ما أشاء فيه، وإن لَم يُعجِبكِ، فبإمكانكِ العودة إلى بيتكِ. على كلّ الأحوال، لا أُريدُ أن يطولَ مكوثكِ معنا.
ـ أفعل ما أشاء! فهذا بيت ابني!
ـ بل بيتنا معًا. وهل تعتبرين المكان الذي تعيشين فيه بيت زوجكِ أم بيتكِ؟
ـ بيتي طبعًا!
ـ وهذا بيتي! الآن دعيني وشأني وكفّي عن التدخّل بشؤوني كربّة المنزل!
ـ سأشتكيكِ لابني!
ـ واو... لقد أخفتِني! وها أنا أرتجِفُ مِن الخوف!
ـ ما هذه السخرية؟
ـ أنتِ البادئة... كنتِ تُحبّيني في ما مضى وتتغنّين بِمزايايَ... ما الذي تغيّرَ؟ أم أنّكِ كنتِ تُمثّلين دور الحماة المُحِبّة؟
ـ أنا لا أزال أحبُّكِ.
ـ هذا ليس صحيحًا، تفعلين جهدكِ للسخرية مِن كلّ ما أقومُ به، وتُقلّلين مِن شأني. إسمعي... زوجكِ لوحده في البيت، عودي إليه ودعينا نبقى على صِلة جيّدة، فلا تنسي أنّني سأنجبُ يومًا، وأنا مُتأكّدة مِن أنّكِ سترغبين برؤية أحفادكِ.
ـ لا تحرميني مِن أحفادي، أرجوكِ!
ـ إذًا، كوني لطيفة معي على الأقلّ! عودي إلى بيتكِ واهتمّي بزوجكِ وبيتكِ!
ـ أنا... أنا لا أستطيع العودة إلى البيت.
ـ لماذا؟
ـ لأنّ... يا إلهي... لأنّ...
ـ لأنّ ماذا؟!؟
ـ لأنّ زوجي طلّقَني!
نظرتُ إلى حماتي باندهاش، وهي بدأت بالبكاء. لَم أشكّ للحظة أنّ عمّي قد يُطلِّق زوجته، فهما بَدَيا لي على وفاق. ثمّ مسَحَت حماتي دموعها بِكمِّها وقالَت:
ـ الوغد... بعد كلّ الذي فعلتُه مِن أجله... يتركُني مِن أجل صبيّة بإمكانها أن تكون حفيدته!
ـ منذ متى طلّقَكِ؟!؟
ـ منذ اشهر قليلة، لكنّه لا يزال يسكنُ في البيت لأنّه يُريدُه لِنفسه، ويُريدُني أن أُغادِر كي يعيش فيه مع التي سيتزوّجها.
ـ ومروان؟ هل يعلَم أنّ...
ـ لا! لَم أقُل له شيئًا، بل فقط أنّني أودُّ المجيء إلى هنا لِـ...
ـ لِتُعلّميني كيف أُديرُ بيتي؟!؟
ـ لَم أجِد عذرًا آخَر، سامحيني... فالحياة مع أب مروان في البيت صارَت بمثابة جحيم، هو يُهينُني على مدار الساعة ويفعلُ ما بوسعه لأرحَل، مع أنّ مِن حقّي البقاء في البيت الزوجيّ بعد الطلاق. لذا بدأتُ أنتقدُكِ يومًا بعد يوم، لأعرضَ على ابني أن أساعدَكِ في إدارة البيت. لا أُريدُه أن يعلَم ما أصابَني، أوّلًا حفاظًا على كرامتي أمامه، وثانيًا لأنّني أعلَم أنّه سيتشاجَر مع أبيه.
ـ أُريدُ أن أعلَم ما حقيقة رأيكِ بي كزوجة وربّة منزل!
ـ أنتِ رائعة بالفعل، صدّقيني، وتمنَّيتُ ألف مرّة أن تكوني ابنتي.
ـ حسنًا... يُمكنُكِ البقاء معنا شرط أن تتوقّفي عن انتقادي وإهانتي، خاصّة أمام زوجي، بل أُريدُكِ أن تقولي الحقيقة عنّي.
ـ طلَبٌ مِن السّهل تنفيذه... شكرًا يا حبيبتي... شكرًا!
وبكَت حماتي مِن جديد، فعانقتُها وبكينا سويًّا، بعد أن شعرتُ بألَمها كامرأة مُهانة ومكسورة قدّمَت حياتها لِرجُل لا يستحقّها.
سُرَّ مروان كثيرًا حين رآنا مُتوافقتَين، لكنّه لَم يعرِف لماذا، ولَم يعلَم أيضًا كيف حصَل أنّ أمّه لَم تُغادِر كما أردتُها أن تفعل، فقرَّرَ عدَم فتح الموضوع. لكنّه عرَفَ بمسألة الطلاق يوم دعاه أبوه إلى فرَحه. وكما توقَّعَت حماتي، دارَ شجارٌ عنيف بين الرجُلَين لَم يؤدِّ إلى أيّ نتيجة. لكن بفضل إصرار زوجي، وافَقَ والِده أخيرًا على دفع نصف ثمَن البيت لِحماتي، الأمر الذي خفَّفَ مِن حزنها لأنّها شعرَت ببعض الإنصاف أخيرًا.
لا تزال تعيشُ حماتي معنا وهي تُساعدُني على تربية الأولاد الثلاثة الذين أنجبتُهم. ووجودها معي كان أفضل شيء حصَلَ لي، فهي صارَت بمثابة أمّ ثانية لي، وأنا ابنة لها. وحصَلَ مرارًا أن فكَّرتُ بالذي دارَ آنذاك بيننا بسبب سكوتها عن طلاقها، والحجّة التي ابتكرَها للعَيش معنا، الأمر الذي كان ربّما قد أدّى إلى مشكلة كبيرة مع زوجي، ومَن يدري، إلى انفصالنا.
وقي ما يخصُّ حمايَ، إعلَموا أنّ زوجته الصبيّة ترَكَته بعدما نفَذَ ماله. هو يعيشُ لوحده في البيت الذي أصَرَّ على الاحتفاظ به، ولا نستقبِله عندنا، بل نأخذ أولادنا له بين الحين والآخَر ليَراهم، فلَم يُسامِحه مروان على الذي فعلَه بأمّه.
حاورتها بولا جهشان