وضّبتُ حقيبتي بفرَح لأذهب مع صديقتي سَمَر إلى شرم الشيخ، حيث كنّا ننوي إمضاء عطلتنا الصيفيّة بهناء، بعيداً عن ضوضاء المدينة.
أُعجِبنا كثيراً بالمكان والفندق الفخم الذي إختارَته لنا شركة السفريّات وحجَزنا نشاطات مائيَة مختلفة لباقي الرحلة. وفور وصولنا سبَحنا وأكلنا ثم ذهبَت كلّ واحدة منّا إلى غرفتها للإستراحة قبل متابعة النهار.
وبينما كنتُ نائمة، إستفقتُ على صوت شجار حاد آتٍ من الغرفة المجاورة. سمعتُ رجلاً يوبّخ بقوّة إمرأة بالكاد تجاوب. لم أستطع معرفة سبب النقاش ولكنّه كان حاداً. وبعد لحظات سمعتُ بابهم يُفتح ويُقفل بقوّة، ما أزعجني ومنعَني من متابعة نومي. فخرجتُ من السرير ومن بعدها من الغرفة وذهبتُ أنتظر صديقتي في اللوبي. وعندما لحِقت بي سَمَر، كنتُ قد نسيتُ الحادث وزالَ إنزعاجي كليّاً، خاصةً بعدما ذهبنا إلى السوق القديم وإشترينا التذكارات الجميلة. ولكن عندما عُدنا في المساء ودخلتُ غرفتي، تكرّر المشهد في الغرفة المجاورة:
أصواتاً وحديثاً مشتعلاً طوال الليل. بعد ساعة تقريباً غرقتُ في النوم من كثرة التعب. ولكن في الصباح وعدتُ نفسي بأن أفعل شيئاً حيال هذا، إن عاود جيراني إزعاجي. فكّرتُ بطلب نقلي إلى غرفة أخرى ولكنني كنتُ مرتاحة حيث أنا ولم أكن مستعدّة لتوضيب أغراضي وترتيبها من جديد. الحلّ الأنسب كان أن أكلّم هؤلاء الناس وأن أطلبَ منهما أن يخفّفا من حماسهما بعض الشيء رحمة بغيرهم.
وحصل ما توقّعته، فبعد هبوط الليل سمعتُ بابهما يقفل بقوّة. عندها خرجتُ بسرعة ورأيتُ الرجل واقف أمام غرفته يضيء سيجارة. ذهبتُ إليه وقلتُ له:
- مرحباً... أنا أقيم في الغرفة المجاورة و... وأودّ أن أطلبَ منكما إلتزام الهدوء بعض الشيء خاصة في الليل...
- وما دخلكِ أنتِ؟
- دخلي أنني لا أستطيع النوم نهاراً أو ليلاً بسبب الصراخ والشجار والباب الذي يقفل بقوّة.
- لن أغيّر شيء... فهذا طبعي وهكذا أعيش... وإن لم يعجبكِ الوضع يمكنكِ الرحيل.
وفي هذه اللحظة وقبل أن أجيب خرجَت المرأة من الغرفة وسألَت بصوت خافت:
- ما الذي يجري؟
أجابها زوجها:
- عودي إلى الغرفة حالاً فأنا لم استدعيكِ!
عندها لم أستطع تمالك نفسي:
- لم أكن أعلم أنّكَ جلبتَ معكَ الخادمة.
- هذه زوجتي وليست الخادمة!
- غريب... عادةً هكذا تعامَل الخادمات أمّا الزوجات تُحترم من قبل أزواجهنّ.
وعندما لم يَجد جواباً على ما قلته، فضّل الذهاب إلى المصعد. بقيَت زوجته واقفة أمامي تنظرُ إليّ بمزيج من الخجل والحزن. سألتُها:
- لِمَ تدعينه يعاملكِ هكذا؟
- وما عساي أن أفعل؟ لم أوقفه عند حدّه عندما صفعني أوّل مرّة فإزداد وحشيّة...
- هل تدركين أنّكِ ستمضين باقي حياتكِ هكذا؟
لم تُجب، بل دخلَت غرفتها وأقفلَت الباب ورائها. وسألتُ نفسي إن كنتُ قد تطفلتُ بحياتهما الشخصيّة ولكنني لم أقدر أن أسكتَ عن إهانة إمرأة. وإعتقدتُ أنّ الأمر كان قد إنتهى ولكنني كنتُ مخطئة. فما لم أكن أعرفه هو أنّ الزوج لم يكن عنيفاً فقط مع زوجته بل مع كل النساء ولم يعجبه أنني وبّخته، فبالنسبة له أنا إمرأة ولا يحقّ لي التذمّر أو حتى إبداء رأيي. ففي اليوم التالي، بعدما كنتُ في رحلة على متن سفينة مع صديقتي، توجّهتُ إلى غرفتي لأستحمّ وأغيّر ملابسي. وبينما كنتُ أفتح بابي سمعتُ صوتاً وراءي يقول:
- أيّ إمرأة شريفة تسافر لوحدها؟
- أوّلاً هذا ليس من شأنكَ... ثانياً أنا لستُ لوحدي بل مع صديقتي وثالثاً أنتَ بالذات لستَ مخوّلاً لتقييم أخلاقي.
وقررتُ إنهاء الحديث هنا والدخول إلى غرفتي ولكنّه مسكني بذراعي وقال:
- أين أنتِ ذاهبة؟ لم أنتهي من الكلام!
- دعني وشأني أنا لستُ زوجتكَ!
وعند سماع صوتي، فتحَت الزوجة باب غرفتها ووقفَت تنظر إلى المشهد بدهشة. ورفعَ الرجل يده ليصفعني وإذ بالزوجة تركض وتمسك يده. إستدار ونظرَ إليها بدهشة ثمّ بغضب وثمّ بسخرية وقال لها:
- أدخلي الغرفة الآن!
- لا! لن أذهب إلى أيّ مكان! أترك هذه الفتاة وشأنها وأتركني وشأني أنا أيضاً! سئمتُ من عنفكَ وطبعكَ البشع! لم يعد لي أصدقاء من جرّاء تصرفاتكَ! بتُّ أخجل منكَ وأفضّل البقاء في البيت... سئمتُ من أذيّتكَ... كفى!
وقف الزوج مذهولاً لبضعة ثوان، ثمّ إستعاد وجهه الغاضب وقبل أن يبدأ بالتهديد قالَت له زوجته:
- سأطلب نقلي الليلة إلى غرفة فرديّة ثمّ أعود في الصباح إلى البلد. هناك سأرى ما أفعل بشأن زواجنا، سأكون عند أهلي.
وتوجّهَت نحو مكتب الإستقبال وتركتني لوحدي معه. وقبل أن أدخل غرفتي قال لي:
- كلّ هذا بسببك! لولا تدخّلكِ لبقيت زوجتي مطيعة!
- وهل تريدها كالحيوان، تدرّبها على إطاعة أوامركَ أو بالعكس إمرأة تحبّكَ وتريد إرضاءكَ لأنّها تهتمّ بإسعادكَ؟ تريد زوجة تخاف منكَ أو تحترمكَ وتحبّكَ؟
وأدرتُ له ظهري ودخلتُ غرفتي. لم يجب، لأنّه أدركَ أنني على حق وأنّه مارس طغيانه لإثبات نفسه، بدل أن يعمل على بسط مناخ حب وتفاهم مع شريكة حياته.
لا أدري إن كان الرجل قد فهمَ مدى غلطته وما حدث مع زوجته ولكنني إعتبرتُ أنّ رحلتهم إلى شرم الشيخ وتدخّلي قد افادهما أو أفاد أحدهما على الأقل. أمّا بالنسبة لي فأمضيتُ باقي رحلتي أنعم بالهدوء الذي تركاه وراءهما بعد رحيلهما.
حاورتها بولا جهشان