لعِبَت على الحَبلَين (الجزء الثاني)

غضِبَ نادِر أشدّ الغضَب عندما علِمَ مِن صديقه أنّ مُحاولة "تأديبي" لَم تنجَح، بل جعلَت منّي بطَلًا في نظَر خطيبة أمال وباقي الطلّاب. وهو أدركَّ أنّني لَم أفهَم الرسالة، فضَربي في تلك الليلة لَم يحمِلني على التراجع لسبب وجيه، وهو أنّ الذين أوقَفوني وآذوني لَم يطلُبوا منّي الكفّ عن مواعدة أمال لأنّهم لَم يُكمِلوا المُهمّة. لِذا، وجَبَ تغيير الخطّة وإفهامي بوضوح ما لَم أفهَمه، وحَملي على ترك أمال لخطيبها... أو فقدان حياتي! ألَم يستوعِب نادِر أنّ لا دَخل لي، وأنّ حبيبتي أخفَت عنّي خطوبتها في بلَدها؟ على ما يبدو هو ظنَّ أنّني على عِلم بالخطوبة، فضربتُها عرض الحائط لكثرة ثقتي بنفسي وقلّة احترامي له.

في تلك الأثناء، قبِلَت أمال أخيرًا أن نُعلِن خطوبتنا، ربّما لأنّها شعرَت بالذنب حيال ما حصَلَ لي، فلقد استنتجَت بعد حين أنّ الشخص الوحيد في العالَم الذي قد يُريد أذيّتي هو نادِر، لكنّها لَم تعلَم مَن قامَ بإخباره أو نفّذَ العمليّة. وصارَت أكثر تحفّظًا في لقاءاتها بي وتنظرُ مِن حولها أينما ذهَبنا. لاحظتُ توتّرها وسألتُها عن سببه، وهي أجابَت أنّها تخاف عليّ مِن الذين ضرَبوني. فطمأنتُها أنّ الحادَثة لن تتكرّر أبدًا إذ أنّ لغطًا حدَثَ حتمًا ولَم أكن الشخص المُستهدَف، فالشرطة هي الأخرى وصلَت للاستنتاج نفسه بعدما حقّقوا مِن دون جدوى.

وهكذا، في إحدى الأمسيات، بعدما عدتُ إلى بيت عمّي، وصلَني اتّصال مفاده أنّ أمال مُغمىً عليها في الطريق، وأنّ المُتصِّل وجَدَ رقمي في هاتفها. أخذتُ سيّارة عمّي غير آبِه لظروف الاتّصال الغامِضة، والأسئلة العديدة التي سألَني إيّاها سكّان البيت حين رأوني أخرج كالمجنون مع مفاتيح المركبة مُتّجِهًا إلى وجهة غير معروفة.

قصدتُ المكان الذي قيلَ لي إنّ خطيبتي موجودة فيه. كانت الطريق مُظلِمة ولَم أجِد أحَدًا، فظننتُ طبعًا أنّها نُقِلَت إلى المشفى. وفي لمحة بصَر، خرَجَ شبّان مِن الظُلمة، وفتَحوا باب سيّارتي وأخرجوني منها ليُرموني في سيّارتهم، هي نفسها التي رأيتُها في الهجوم السابِق. علِمتُ على الفور أنّني كنتُ بالفعل الشخص المقصود، على خلاف ما اعتقدتُه والشرطة. لَم أُقاوِم، فكانوا يفوقوني عددًا، بل ركبتُ بسيّارتهم وقادوا بي بصمت. لَم أطرَح على هؤلاء أيّ سؤال، فآخِر ما أردتُه كان إغضابهم وحَملهم على ضَربي، وهم لَم يلمسوني قط. وصَلنا إلى منزل وسط مكان معزول ورأيتُ ذلك الطالِب الذي انضمَّ إلى مجموعتنا في الجامعة يخرجُ مِن البيت ويقولُ للشبّان: "هيّا بسرعة قَبل أن يراكم أحَد!". نظرتُ إليه بتعجّب، وهو أزاحَ نظره عنّي وكأنّه أُحرِجَ منّي. أجلَسوني على كرسيّ وقيّدوني إليه كَي لا أُحاوِل الهرب. للحقيقة، لَم أُفكِّر بالهرب، فأين أذهب وكيف أفلِت منهم؟ أدركتُ طبعًا أنّني قد أموت، لكن كان لدَيّ فضول قويّ لمعرفة سبَب موتي. طلبتُ مِن العصابة بعض الماء، فاحتاروا بأمرهم إذ أنّ كان مِن الواضح أنّهم لا يعرفون أين الأغراض في ذلك البيت. وجَدوا لي أخيرًا قنّينة مِن الماء، وفكّوا أحد ذراعَيّ لأتمكّن مِن إرواء عطَشي. شكرتُهم وأعدَتُ ذراعي إلى وراء ظهري ليُقيّدوني مُجدّدًا، الأمر الذي أثارَ دهشتهم، إذ أنّهم ظنّوا أنّني قد أُحاوِل الإفلاة.

ثمّ قالَ لي "الطالِب" بعدما تفحّصَ هاتفه:

ـ هناك مَن يُريدُ التحدّث إليكَ.

 

ـ مَن؟؟؟

 

ـ ستعرِف بعد دقيقة.

 

ثمّ جلَبوا حامِلاً للكاميرا ووضعوه قُبالتي، وركّزوا عليه الهاتف الذي كان يحمله "الطالِب" وأداروا الشاشة نحوي، فإذ بي أرى شابًّا جالِسًا ينظرُ إليّ بإمعان وكأنّه يتفحّصُني. سادَ السكوت لِبضع ثوانٍ، ثمّ قالَ لي الشابّ عبر الشاشة:

ـ لا أرى شيئًا مُميّزًا بكَ...

 

ـ هل أخضَع لِتجربة أداء لوكالة عرض أزياء؟

 

ـ كفى مُزاحًا! الأمر جاد للغاية! فحياتكَ على المحَكّ!

 

ـ أعذرني... لكنّ الخوف...

 

ـ أجل، عليكَ أن تخافَ منّي! فأنا نادِر، خطيب أمال!

 

ـ بل أنا خطيب أمال!

 

ـ لأنّكَ سرقتَها منّي!

 

ـ كيف أسرقُها منكَ إن لَم أكن أعلَم أنّكما مخطوبان؟؟؟

 

ـ لَم تكن على عِلم بخطوبتنا؟

 

ـ أبدًا!

 

ـ أنتَ تكذِب! تُريد فقط إنقاذ جلدكَ!

 

ـ أقسمُ لكَ! تعرّفتُ عليها في الكلّيّة وتقرّبنا وأحبَبنا بعضنا وحسب!

 

ـ إخرَس! بل أنتَ أقنعتَها بأن تُفضّلِكَ عليّ!

 

ـ كيف أقنِعُ أحَدًا بحبّي؟؟؟

 

سكَتَ الشابّ ثمّ تابَعَ:

ـ أمال حبّي الأوّل وحتمًا الأخير.

 

ـ أعودُ وأقولُ لكَ إنّني كنتُ أجهَل وجودكَ، لِما لا تسأل أمال إن كنتُ أقولُ الحقيقة؟

 

ـ كيف خطبتَها مِن دون وجود أهلها؟

 

ـ هي قالَت لي إنّهم مُتزمّتون وعليّ الانتظار قَبل إطلاعهم على نوايايَ. أرَدتُ السفَر إليهم لطلَب يدها منهم، فأنا إنسان رصين وخلوق! أُعيدُ وأطلبُ منكَ أن تسأل أمال إن كان حديثي صادِقًا أم لا.

 

ـ لا أُريدُ سؤالها! بل مُعاقبتكَ!

 

ـ حتّى لو عاقَبتَني، فسيأتي آخَر مكاني... لستُ المُشكلة، صدّقني، فكما قلتَ لي في بادىء الكلام، ليس هنا مِن شيء مُميّز فيّ، أنا شابّ عاديّ تركتُ عائلتي في البلَد وجئتُ أصنَع مُستقبلًا لنفسي هنا... لَم أنوِ الوقوع في الغرام، لكنّ ذلك حدَثَ لي، ولَم تُقاوِمني أمال، بل شجّعَتني.

 

ـ كاذِب! أمال تُحبّني أنا! وأريدُكَ خارج الصورة!

 

ـ هل ستقتلُني؟ أهذا مَن أنتَ؟ قاتِل؟

 

ـ لا، لستُ قاتِلًا.

 

ـ لَم تتردَّد في إرسال مَن يضربُني. فماذا يمنعُكَ مِن قَتلي؟

 

ـ لستُ قاتِلًا، بل إنسان موجوع.

 

ـ ربّما بإمكانكَ استرجاع حبّ أمال لكَ... فالحقيقة أنّني لَم أعُد أُريدُها بعد أن علِمتُ أنّها مخطوبة لكَ ولي في آنٍ واحِد!

 

ـ لا أظنّ أنّها لا تزال تُريدُني، وإلّا لَما خانَتني.

 

ـ ربّما إن غيّرتَ طريقتكَ معها.

 

ـ أُعامِلها بمُنتهى الرفق والحنان والحبّ.

 

ـ إذًا لماذا...

 

ـ لهذا السبب.

 

وابتعَدَ نادِر عن الشاشة، فرأيتُ الكرسيّ المُحترِّك الذي يجلسُ عليه. أطلقتُ صرخة صغيرة ثمّ اعتذرتُ منه قائلًا همسًا: "لَم أكن أعلَم". عادَ واقترَبَ الشاب مِن الشاشة وقال والدموع تملأ عَينَيه:

ـ ربّما أنا مُغفَّل لاعتقادي أنّ أمال أو أيّ فتاة أخرى سترضى بي.

 

ـ لكنّها أحبَّتكَ وأنتَ في هذه الحالة، ماذا تغيّرَ؟

 

ـ لا... كنتُ صحيحًا عندما أحبَبنا بعضنا... إلى حين وقَعَ ذلك الحادِث وصِرتُ مُقعدًا. بعد فترة، قالَت لي أمال إنّها تودُّ إكمال دراستها في الخارج... الآن فهمتُ أنّها هربَت منّي.

 

ـ أنا آسِف.

 

ـ أنتَ على حقّ... سيأتي غيركَ لو...

 

ـ لو قتلتَني، أليس كذلك؟ وهل تستحقّ أمال أن تُدنِّسَ روحكَ أو تدخل السجن لباقي حياتكَ؟

 

ـ أجل!

 

ـ فكِّر جيّدًا... لو هي أحبّتكَ حقًّا لمَا تركَتكَ. لا أقولُ إنّها إنسانة سيّئة، لكن هناك مَن لا يتحمّل وضعًا كوضعكَ. ومِن جانبكَ... هل تظنّ أنّ بإمكانكَ فرض حالتكَ على امرأة ولمدى الحياة؟ يجِب أن يكون ذلك خيارها، هذا لو أردتَها أن تبقى إلى جانبكَ ولا ترحَل يومًا.

 

ـ ظننتُ أنّ الحبّ...

 

ـ قويّ كفاية؟ قد يكون أحيانًا، ربّما لو كنتما أكبر سنًّا، لكنّ أمال بحاجة إلى عَيش حياتها بفرَح ومرَح.

 

ـ تتكلّم وكأنّكَ عجوز، مع أنّكَ مِن سنّي تقريبًا.

 

ـ لا تُقاس الحكمة بالسنّ، يا صاحبي.

 

ـ لستُ صاحبكَ! أنتَ غريمي!

 

ـ قلتُ لكَ إنّني لَم أعُد أُريدُ أمال! ما بكَ؟!؟

 

ـ هل تُحبُّها فعلًا؟

 

ـ كنتُ أحبُّها، لكنّها كذِبَت عليّ ولا أستطيع بناء علاقة على الكذب. إضافة إلى ذلك، هي لَم تجِد الشجاعة لقطع علاقتها بكَ قَبل السفَر وإتاحة فرصة إيجاد شابّة أخرى لنفسكَ.

 

ـ لن أحِبّ مُجدّدًا!

 

ـ بل أنا مُتأّكِد مِن العكس! الآن، إن كنتَ تُريدُ قتلي، فافعَل، وإلّا أطلِق سراحي فذراعَي تؤلمُني!

 

نظَرَ الموجودون إلى الشاشة مُستفسرين، وسادَ سكوت طويل. ثمّ قال لهم نادِر: "أعِيدوه إلى سيّارته ولا تقترِبوا منه مُجدّدًا". أطلَقتُ نفَسًا لكثرة ارتياحي، فالحقيقة أنّني كنتُ خائفًا لأقصى درجة طوال الوقت، وفعلتُ جهدي لأبدوَ مُرتاجًا وواثِقًا مِن نفسي. لكن قَبل أن أقومَ مِن مكاني، قلتُ لِنادِر الذي كان قد أطلَقَ العنان لِحزنه بالبكاء بِمرارة:”لن أشتكِ عليكِ، فلستَ إنسانًا سيّئًا، بل مجروحًا… خذ بنصيحتي وانسَ أمال، فهي لا تُحِبُّكَ، وربّما لا تُحِبُّني أنا الآخَر، بل رأت فيّ فرصة لِبدء حياة جديدة ومُريحة… بعد وقت، سوف تجِد حبًّا جديدًا مع مَن ترى فيكَ الإنسان وليس المُقعَد. الوداع".

عدتُ إلى بيت عمّي وأخبرتُهم قصّة أقنعَتهم لتبرير غيابي. وفي اليوم التالي، فسَختُ خطوبتي مع أمال، بعد أن وبّختُها بشدّة على إخفاء وجود نادِر عنّي. هي حاولَت تغيير رأيي لكنّني بقيتُ مُتمسِّكُا بقراري، فبالفعل لَم أعُد أُحِبُّها بعد الذي فعلَته بي وبخطيبها. إختفَت أمال بعد ذلك، ولَم أرَها حتّى اليوم.

تابَعتُ دراستي بِحزن، لكنّني نلتُ إجازتي التي حمِلتُها معي بِفخر إلى بلَدي وأهلي. شيء انكسَرَ بداخلي، فأوّل حبّ في حياتي كان مبنيًّا على الخداع، لكنّني مُصمِّمٌ على البحث عن شريكة حياتي وإيجادها يومًا. لا يزال المسكين نادِر في بالي، وأتمنّى له أن يسعَدَ هو الآخَر.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button