بلَغَ خوفي ذروته حين دفعَني وائل أخي إلى داخل ذلك البيت المهجور، فلَم يكن يعرفُ أحَدٌ أين أنا ومع مَن. صحيح أنّ بال أهلي سينشغِل عليّ حين لا أعود إلى البيت، لكن كيف لهم أن يجِدوني ليُنقذوني؟!؟ أجلَسَني وائل على أريكة قديمة يُغطّيها الغبار، وقالَ لي بنبرة صوت أرعبَتني:
ـ إن حاوَلت الهروب سأضطَرّ إلى تقييد يدَيكِ ورجلَيكِ، أفهمتِ؟!؟
ـ أرجوكَ... لا تؤذِني... لا تمسّ بشرَفي!
ـ أمسُّ بشرفكِ؟ هاهاها! هذا آخِر ما أُفكِّرُ به!
ـ أنا لا أُصدّقُكَ! أليس لدَيكَ أمًّا أم أخت؟!؟ إعفِني مِن الذي يدورُ في بالكَ!
ـ أوّلًا لا يدورُ في بالي ما يدورُ في بالكِ أنتِ! ثانيًا، لا، ليس لدَيّ أمّ. أمًّا بالنسبة لأختي، فهي كلّ شيء إلّا أخت. لقد اخترتِ الحجّة الخطأ لتُقنعيني بأيّ شيء.
ـ ماذا تُريدُ منّي إذُا؟ المال؟ نحن لسنا أغنياء لكن إن شئتَ، يستطيع خطيبي دَفع فديَتي.
ـ ليس هناك مِن مبلغ يستطيع التعويض لي، أو إشباع غضبي.
ـ غضبكَ؟ مِمَّن؟ فأنا لا أعرفُكَ! هل أنّ أحَدًا آذاك مِن عائلتي أو عائلة خطيبي؟ ومَن تكون؟؟؟
ـ لا تعرفيني؟
ـ لَم أرَكَ سوى مرّة واحدة وهذه هي المرّة الثانية. هل يُعقَل أنّكَ تخالُني شخصًا آخَر؟
ـ ألا تعرفيني يا "رَم رَم"؟
ـ "رَم رَم"؟ لا أحَد يُناديني بهذا الاسم سوى...
ـ سوى مَن، يا ريما؟
ـ ... سوى أخَوَيَّ.
ـ تمامًا... أنظري إليّ جيّدًا... حدّقي في عَينَيّ، فهما لا تتغيّران أبدًا مهما كبرَ المرء.
ـ وائل؟!؟ وائل؟!؟ هذا أنتَ؟!؟
ـ هذا أنا.
ـ يا إلهي... خلتُكَ... أو بالأحرى...
ـ ... نسيتِني.
ـ أجل... نسيتُكَ يا أخي... ولستُ أدري لماذا.
ـ أنا سأقولُ لكِ لماذا: لأنّكِ انشغَلتِ بحياتكِ الجميلة مع عائلة رائعة أعطَتكِ كلّ شيء.
ـ ربّما، ربّما. لكنّني كنتُ صغيرة آنذاك، فتاة حزينة وخائفة!
ـ أنا لا أزال حزينًا وخائفًا.
ـ أنا آسِفة... لكن لماذا خطَفتَني وتُهدّدُني بأذيّتي؟!؟
ـ لأنّني أكرَهُكِ!!! نسيتُموني جميعًا! تركتُموني لوحدي أتخبَّط في مصيري البائس!
ـ أنا لَم أفعَل لكَ شيئًا... فقد تمَّ تبَنِّيّ وحسب. ما عسايَ أفعل مِن أجلكَ؟؟؟
ـ فقط أن تتذكّريني... يا أختي العزيزة! أنا لَم أنسَكِ.
ـ ولماذا إذًا إنقطعَت أخبارُكَ؟
ـ لأنّني كنتُ مشغولًا بالبحث عن الطعام والمبيت.
ـ ألَم تبقَ في المَيتَم؟!؟ لستُ أفهَم!
عندها بدأ وائل يقصُّ لي أحداث حياته، منذ ما هرَبَ مِن المَيتَم حتّى اللحظة التي خطفَني فيها. إستمَعتُ إليه وأنا أبكي حزنًا عليه، فلا يجوزُ أن يمرَّ أيّ مُراهق في تلك الظروف، خاصّة بعدما ماتَت أمّه وتركَه أبوه لمصيره، وأُلقِيَ في مكان حيث ينتظِر أولاد مساكين فرصة أفضَل. هو أيضًا بكى لأنّه كان يُخبرُ قصّته لأوّل مرّة، فعاشَ مِن جديد كلّ الأحداث التي سرَدَها لي. أرَدتُ مُعانقَته إلّا أنّه أبعدَني عنه قائلًا:
ـ لا! لستُ بحاجة إلى شفقتكِ! لسنا مُتشابهَين! فلدَيكِ كلّ شيء وأنا لا شيء!
ـ لدَيكَ أخت وهي جالِسة أمامكَ الآن.
ـ أُريدُ أمّي... أمّي الحبيبة.
ـ أخبِرني عنها... هي الأخرى نسيتُها... أخبِرني عنها لأنّكَ الانسان الوحيد الذي يستطيع ذلك... لا يجوزُ أن يضيع ذكراها يومًا، وأعدُكَ بأنّني سأخبرُ أولادي القادمين عن جدّتهم. أرجوكَ يا أخي.
ـ "يا أخي"... لَم أتصوّر أن أسمَعَ تلك الكلمة مُجدّدًا... في الحقيقة تصوّرتُ أن يجري خطفكِ بصورة مُختلفة تمامًا.
ـ إبدأ بالكلام عن أمّنا... كيف كان شكلها؟ ماذا كانت تُحبّ؟ هل كانت جميلة؟
ـ كانت أجمَل أمّ في الدنيا... وكان صوتُها عذبًا... ألّا تتذكّرين حين كانت تُغنّي لنا لِننام؟
ـ أجل، أجل! ما اسم تلك الأغنية؟
وبدأ وائل يُغنيّها على مهل، وكأنّه يُقلِّد أمّنا وبكينا سويًّا ونحن نُرنِّمها.
تعانقَنا لوقت طويل، وشعرتُ بأنّ الفراغ الذي كان في داخل قلبي امتلأ أخيرًا، فكنتُ قد اجتمعَتُ مُجدّدًا بمَن يُشاركُني دَمي وذكرياتي. لكن بقيَ بنا أن نضمُّ إلينا أخانا جواد. جلَستُ ووائل نُفكِّر بوسيلة لإيجاد أخينا الصغير بعد أن انقطعَت أخباره. وعدتُه بأنّني سأقومُ بالبحث اللازم وأضَفتُ:
ـ وائل... عليّ العودة إلى البيت قَبل أن يطلبَ أهلي وخطيبي الشرطة، ممّا قد يُسبّب لكَ المتاعب.
ـ أنتِ على حقّ. هل تُسامحيني على اختطافي لكِ؟
ـ هل كنتَ تنوي حقًّا أذيّتي؟
ـ لستُ واثِقًا مِن ذلك. للحقيقة كنتُ قد كوّنتُ عنكِ فكرّة حمَلَتني على كرهكِ لِدرجة كبيرة، وشعرتُ بأنّ الطريقة الوحيدة للانتقام مِن أبينا ومِن الدنيا كلّها كانت أن أُدفعّكِ الثمن.
ـ والآن؟ كيف تشعُر؟
ـ لقد ارتاحَ قلبي بعد أن علِمتُ أنّكِ نسيتِني بسبب سنّكِ الصغير آنذاك، ولأنّكِ استطعتِ، على خلافي، حَجبَ ما يؤلمُكِ للمضيّ قدُمًا. غريبة هي الدنيا... هل تظنّين أنّني سأجِد الراحة يومًا؟
ـ لقد بدأتَ للتوّ، أنظُر إلى قلبكَ وسترى كيف أنّه يتعافى. إسمَع، دَعني أجِد جواد أوّلًا، ومِن ثمّ سنرى كيف نُكمِل حياتنا نحن الثلاثة معًا. أعطِني عنوان سكنكَ ورقم هاتِف أستطيع استعماله للتواصل معكَ. هيّا خذني إلى البيت.
خرَجنا إلى سيّارة، فألقَيتُ نفسي أرضًا بقوّة. تفاجأ وائل كثيرًا فقلتُ: "لا تخَف، فعلتُ ذلك عَمدًا لأُبرِّر غيابي... الآن يدايَ وركبتايَ مُدمَّمة وهذا ما أردتُه، ثِق بي.
وصَلنا إلى بيت أهلي وخرجَت "ماما ثناء" وهي تصرخ مِن الفرَح، بعد أن انشغَلَ بالها وبحثَت عنّي في كلّ مكان، وإلى جانبها خطيبي الذي عانقَني بقوّة. كلاهما لاحظا آثار السّقطة، فشرَحتُ لهما أنّني شعَرتُ بِدوار فوقعتُ أرضًا وفقدتُ وعيي، ولولا ذلك الميكانيكيّ الطيّب الذي مرَّ بمركبته في الوقت المُناسب، لدَهَسَتني السيّارات. هما نظرا إلى وائل الذي كان لا يزال معي فشكراه بقوّة وامتنان. غمَزتُ أخي فابتسَمَ ورحَلَ.
في اليوم التالي، سألتُ أهلي عن جواد، فكما ذكرتُ سابقًا، كنتُ قد بقيتُ على تواصل معه في الفترة الأولى، وحصلتُ على الرقم الذي كان في حوزتهما. إلّا أنّ لا أحَد أجابَ حين اتّصلَتُ بالرقم المذكور، فامتلأ قلبي بالحزن والخوف. وكانت الوسيلة الوحيدة المُتبقّية أن أقصد المَيتم والسؤال هناك، فكان لدَيهم حتمًا المعلومات عمَن تبّنى أخي الصغير. وحين رحتُ إلى المؤسّسة، تعرّفَت إليّ إحدى الموظّفات التي صارَت كبيرة في السنّ، فعانقَتني وعيناها تدمَعان. أخبرتُها قصّتي وطمأنتُها عن أحوالي، وهي قبِلَت بفرَح أن تُساعدَني. أعطَتني المرأة كلّ المعلومات التي طلبتُها، ومِن بينها عنوان عمَل ربّ العائلة التي تبنَّت جواد.
رحتُ إلى شركته في اليوم نفسه، وتفاجأ بي الرجُل لكنّه فهِمَ مُهمّتي، إذ أنّ جواد عانى مِن وحدته في صغره، وتمنّى أبوه الجديد لو أنّ له أخًا أو أختًا، وفكَّرَ وزوجته بتبّني ولَد آخَر، إلّا أنّ الزوجة مرضَت ولَم يسَعها الاهتمام بولدَين. هو قالَ لي إنّ جواد سافَرَ ليُكمِل دراسته، واعطاني رقم هاتف للاتّصال به. وهذا ما فعلته.
في البدء، لَم يُصدِّق جواد مَن أكون. صحيح أنّه كان يعلَم أنّ لدَيه أختًا وأخًا، لكنّه كان صغيرًا للغاية حين افترَقنا ونسَينا هو الآخَر. ثمّ تبادَلنا المُحادثات بانتظام، وصِرنا مُقرّبَين أكثر، فأخبرتُه تفاصيل حياتي وحياة وائل، وهو وعدَني بأنّه سيرانا فور وصوله البلَد لقضاء العطلة الصيفيّة. أطلَعتُ وائل على الخبَر السّار وانتظَرنا بصبر حلول الصيف.
في تلك الأثناء، أخبَرتُ أهلي وخطيبي أنّ وائل أخي، ولكنّني لَم أقُل لهم إنّه خطفَني، بل إنّ لقاءَنا كان لعبة القدر، وإنّنا اكتشفَنا أنّنا أخوة يوم هو وجدَني على الطريق مُغمىً عليَّ وساعدَني. لا أدري إن هم صدّقوني، إلّا أنّ خطيبي عرَضَ أن يجِدَ لوائل وظيفة في شركة أبيه التي كانت مُختصّة بالتجارة البرّيّة. رفَضَ أخي في البدء ذلك العرض، إلّا أنّني استطَعتُ إقناعه، فكَونه ميكانيكيًّا كان يُخوّله تصليح الشاحنات التي تتعطَّل في الشركة. قلت له: "مجيئكَ إلى هذه المنطقة بالذات ليس صدفة يا أخي، ثِق بي، فمكتوبٌ لنا أن نلتقي وأن نبقى سويًّا. أرجوكَ أن تقبَل".
وصَلَ جواد مِن السفَر، والتقَينا نحن الثلاثة وبكينا وضحكنا في آن واحِد. كان لقاؤنا مؤثِّرًا، وسألَنا أخونا الصغير مئة سؤال عن أمّنا كما فعلتُ مع وائل، فهي الوحيدة التي كانت تجمعُنا، وأنا مُتأكِّدة مِن أنّها ابتسمَت لنا مِن حيث هي، إبتسمَت لِلمّ شَملنا أخيرًا. جمعَنا الدّم الذي يسري في عروقنا والحبّ الموجود في قلوبنا، صِلة لا يقوى عليها زمَن أو ظرف.
لَم نعرِف شيئًا عن أخينا الذي لَم نرَه يومًا أو عن الذي أدارَ ظهره لنا. لَم نسأل عنه لدى هؤلاء الأقارب الذين تخلّوا عنّا، فلا أحَد منهم لا يستحقّ عناءنا. ما يهمّ هو نحن الثلاثة، وحسب.
حاورتها بولا جهشان