كشَف ابني سرّي البشع!

إضطرِرتُ لأخذ قرار صعب للغاية، حين رأيتُ كيف لأفعالي تردّدات جسيمة على إبني والمسار الذي اتّخذَته حياته بسببي.

كلّ شيء بدأ حين أرادَ ابني سميح البالغ مِن العمر ستّ عشرة سنة استعمال حاسوبي المحمول لإنهاء فرض مدرسيّ لأنّ حاسوبه كان قد تعطّل. لَم أكن موجودًا في البيت لأُعطيه الإذن لذلك وهو لَم يكن قادرًا على الانتظار. لِذا فتَحَ سميح حاسوبي المحمول وأدخَلَ كلمة السرّ التي رآني خلسةً أستعملها، ودخَلَ إليه ليبدأ العمَل. وحين انتهى مِن تحضير فرضه، وأرادَ إلقاء نظرة على صفحته على الفيسبوك، تفاجأ بصفحتي الخاصّة مفتوحةً أمامه، والتي تحملُ اسمًا مُستعارًا اختَرتُه لأُحافِظ على سرّيّة ما أفعله. لَم أقفِلها في الليلة التي سبقَت، فمَن غيري سيستعملُ حاسوبي ومَن سيعرفُ كلمة السرّ؟ وما رآه ابني لَم يكن مُشرِّفًا على الاطلاق. فعلَيّ الاعتراف بأنّني أهوى التفرّج على تلك الصفحات، حيث بعض الصبايا تعرضنَ صوَرهنّ نصف عاريات أو حتى عاريات، وأتبادلُ معهنّ أحاديث حميمة للغاية. لكن كلّ ذلك بقيَ ضمن الانترنت والهاتف، ولَم أحاوِل حتى ولو مرّة واحدة التعرّف شخصيًّا على إحدى تلك الصبايا أو خيانة زوجتي مع أيّة امرأة أخرى. بل كان ذلك المَيل في نطاق شبيه بالخيال والتخيّل، ومُتنفَّس لرجُل قضى أعوامًا عديدة مع زوجة همّها الوحيد بيتها وعائلتها.

أعرِفُ أنّ وصفي لزوجتي هو وصف المرأة المثاليّة المُتفانية، لكن هناك أمورًا أخرى يطمحُ إليها الزوج، حتى بطريقة صامتة. إضافة إلى ذلك، كنتُ بالنسبة لعائلتي أُمثِّل الرجُل الجدّيّ والرصين والتقيّ، وأصرُّ على إبقاء تلك الصورة حيّة في أذهانهم وذاكرتهم. لِذا حين واجهَني سميح بالذي رآه على الحاسوب، شعرتُ بالخزيّ وأدَرتُ وجهي عنه كي لا يرى الدموع التي ملأت عَينيَّ مِن كثرة العار. لَم أستطعِ تأنيبه لأنّ ما مِن شيء أقولُه سيُقلِّلُ مِن ذنبي. خفتُ أن يعتبرَني أركضُ وراء شهواتي، أبًا وضيعًا يفعَل عكس الذي يعِظ به. لِذا اكتفَيتُ بالقول:

 

ـ عذرًا لأنّكَ اضطرِرتَ لرؤية هذه الصوَر. أرجو منكَ أن تتصرّف وكأنّكَ لَم ترَ شيئًا. لكن اعلَم أنّني أحبُّ أمّكَ كثيرًا وأُقدّرُها وأنا مُتأكّد مِن أنّكَ ستفهَم دوافعي حين تكبُر. سامحني يا بُنَي... وأرجو أيضًا منكَ ألا تعرفَ أمّكَ بالأمر، فذلك سيُحزنُ قلبها ويُدمّرُ صورتي لدَيها.

 

ـ أتفهَّم الموضوع يا بابا، فأنا شاب وبدأتُ أعلَم ما الذي يشدُّنا إلى الجنس الآخر.

 

ـ حسنًا يا بُنَيّ، أرى أنّكَ تتعامَل مع الأمر بنضج.

 

ـ لكنّ أمّي لن تكون مُتفهِّمة مثلي.

 

ـ هل تعني أنّكَ ستقولُ لها ما رأيتَ؟!؟

 

ـ لَم آخذ قراري بعد... كلّ شيء يتوقّف عليكَ.

 

ـ لَم أفهَم قصدكَ.

 

ـ لِنقُل أنّنا سنعقدُ اتّفاقًا... الموضوع مُبكِر بعض الشيء، دعني أُفكّر بالأمر.

 

ـ تُفكّر بماذا؟!؟

 

تركَني سميح وعادَ إلى غرفته، وأنا بقيتُ جالسًا لوحدي أُحاولُ فهم ما عناه ابني وما ينوي فعله بشأني. في تلك اللحظة دخلَت زوجتي وجلسَت بالقرب منّي لتقولَ لي في أذُني أنّها أعدَّت لي القالب الحلوى المُفضّل لدَيّ، فقط لأنّها شعرَت بشوق تجاهي... تجاه زوجها المثاليّ! يا إلهي... لا يمكنُني أبدًا السماح بأن تعلَم بشيء على الإطلاق!

لَم أنَم جيّدًا في تلك الليلة، وفي الصباح الباكر دخلتُ غرفة ابني وأفَقتُه مِن النوم لأسأله إن كان استوعَبَ مدى ضرورة كتمان ذلك السرّ. عندها أجابَني:

 

ـ أجل، أجل، أدركُ تلك الضرورة. ألهذا أيقظتَني؟

 

ـ أجل، لا تعُد إلى النوم، فحان وقت تحضير نفسكَ للذهاب إلى المدرسة.

 

ـ لا أشعرُ بأنّني أُريدُ الذهاب إلى المدرسة اليوم.

 

ـ هل لدَيكَ وعكة صحّيّة يا حبيبي؟

 

ـ أبدًا، بل أنا في أحسن حالاتي! لا أُريدُ الذهاب إلى المدرسة وحسب. قد أذهبُ إلى المُجمّع التجاريّ لقضاء اليوم.

 

ـ ما هذا الكلام؟ هيّا إنهُض مِن الفراش!

 

ـ لا، لا بل سأفعَل كما يحلو لي... أو تُريدُني أن أُجري حديثًا طويلاً مع الماما؟

 

ـ حسنًا... لكن لِيوم واحد فقط.

 

فهمتُ طبعًا أنّ ابني يبتزُّني، لكنّني لَم أعرِف أنّ الابتزاز سيستمرّ ويتفاقَم لبلوغ حدّ غير معقول.

طلَبَ منّي سميح أن أوصلَه إلى بيت صديق له لا يُريدُ هو الآخر الذهاب إلى المدرسة، وذلك إلى حين موعد فتح أبواب المُجمّع التجاريّ. وقبل أن يترجَّل، قالَ لي مُبتسمًا:

 

- هل لكَ أن تُعطيني بعض المال؟ فلَن أذهب إلى تلك المتاجِر فارغ الجيوب!

 

نظرتُ إليه بغضب لكنّني لبَّيتُ طلبه، فكيف أرفضُ؟

ومنذ ذلك اليوم، وبعد أن شعَرَ ابني بضعفي وإصراري على الاحتفاظ بسريّ، صارَ يتصرّف كما يحلو له وذلك بالرغم مِن تدخّلات أمّه التي لَم تفهَم كيف صرتُ مُتساهلاً إلى هذه الدرجة. فبالعادة، كان ابننا يقصدُ أمّه لتقنعَني هي بقبول طلباته وليس العكس!

أقنعتُ زوجتي أنّني أعلَم ماذا أفعَل، وأنّ سنّ سميح هو سنّ دقيق ولا يجب الوقوف بوجهه كثيرًا، فقد يولّدُ ذلك في نفسه ثورة يصعب قمعها. وهي وثِقَت بأنّني أعرفُ مصلحة ابني كَوني رجُلاً ولَم تعُد تتدخّل بالجنون الذي تلا.

 

سرعان ما صارَ سميح يأخذُ المال منّي باستمرار، لِدرجة أنّه باتَ ذا شعبيّة بين رفاقه الذين أكَلوا وشرِبوا وترفّهوا على حسابي الخاص. مِن ناحية أخرى، لَم يعُد يذهب ابني إلى المدرسة سوى للخضوع للامتحانات... والرسوب طبعًا. كنتُ أمدُّه برسائل اعتذار لإدارة المدرسة لتبرير غيابه. أدركتُ أنّني أُدمِّرُ مُستقبله وشخصيّته، فما عساني أفعَل؟ لكن حين رسَبَ ابني سنته برمّتها، قرّرتُ أخيرًا وضع حدّ لهذا الجنون:

 

ـ إسمَع يا سميح، فكّرتُ مليًّا بالأمر وارتأيتُ أنّ هذه المهزلة يجب أن تتوقّف. لن أُعطيكَ مالاً أو أعذارًا بعد اليوم. وإن قرّرتَ اخبار أمّكَ عن حسابي على الفيسبوك، إعلَم أنّني مسحتُه وسأنكُرُ بشدّة اتّهماتكَ لي. أيّ أنّها كلمتكَ ضدّ كلمتي وأظنّ أنّها ستُصدّقني أنا.

 

ـ مسَحتَ حسابكَ؟ هاهاها! توقّعتُ أن تفعَل ذلك، ولهاذ السبب أخذتُ صوَرًا عن صفحتكَ.

 

ـ سأقولُ إنّها ليسَت صفحتي، فلقد استعملتُ اسمًا وهميًّا.

 

ـ صوّرتُ أيضًا مُحادثاتكَ مع إحدى الصبايا حيث تُعطيها رقم هاتفكَ لتبادل أحاديث "حميمة".

 

ـ أيّها الوغد! أنا أبوكَ، كيف تفعل ذلك بي؟

 

ـ كيف تفعل ذلك بأمّي؟

 

ـ دوافعكَ ليست نبيلة كما تدّعي، بل لأنّكَ ولَد أنانيّ وخبيث... ليس لدَيكَ حسّ عائليّ أو ذرّة حنان تجاه ذويكَ.

 

ـ كفى كلامًا لا معنى له، هيّا، أعطِني بعض المال، فرفاقي يُريدون الذهاب إلى السينما!

 

ولأوّل مرّة منذ سنوات، بكيتُ، ليس أمام سميح بل عندما دخَلَ غرفته للاستعداد للخروج. كيف أقحمتُ نفسي بهذه الدوّامة؟!؟ يا لَيتني علِمتُ بتداعيات شهواتي، لمَا فعلتُ ما فعلتُه. كان ابني على حقّ بشيء واحد: كيف أفعلُ ذلك بزوجتي؟ وماذا كان سيكون موقفي أو شعوري لو أنّها مَن بحَثَ عن صوَر إباحيّة عبر الانترنِت وتحاورَت مع رجال بطريقة بذيئة؟ ولهذا السبب، خشيتُ ردّة فعلها لو علِمَت بالأمر.

إستمرَّ الوضع على حاله إلى حين علِمتُ صدفةً أنّ ابني يتعاطى الممنوعات، وأنّ السبب هو أنا، لأنّني سمحتُ له بترك حياته المدرسيّة ومُعاشرة الذين هم مثله، ومدّيتُه بالمال لشراء كلّ ما في نفسه بما فيها المُخدّرات. لِذلك، وجَبَ عليّ التضحيّة بكلّ شيء، حتى لو كان بزواجي، لإنقاذ سميح.

وهكذا إنتظرتُ أن يكون ابني خارج البيت لأطلبَ مِن زوجتي التحدّث معها بموضوع مُهمّ. روَيتُ لها كيف كشفَ سميح سرّي وابتزَّني وكَم أنّني خجول مِن ميولي ومِن تفضيل السكوت على واجباتي كأب مُرشِد وحكيم. رأيتُ عَينَيّ المسكينة تمتلئان بالدموع لدى سماعها كلّ تلك الأخبار البشعة، وحاولتُ مُعانقتها إلا أنّها إبتعدَت عنّي فجأة طالبةً منّي بعض الوقت لاستيعاب ما حصَلَ. إحترمتُ قرارها بالطبع وسألتُها إن كانت تُريدُني أن أترك البيت حالما تتّخذ قرارها، لكنّها سمحَت لي بالبقاء. إلا أنّني وجدتُ أنّ مِن الحكمة ألا أتقاسَم معها السرير نفسه لبضع أيّام، لِذا قضَيتُ ليلتَين كاملتَين على الأريكة.

وهذا كان ردّ زوجتي:

 

ـ عندما كنتَ تبحَث عن زوجة، أردَتَها خلوقة وذات سيرة نظيفة، وما هو أهمّ، أردتَها بريئة وساذجة في ما يخص أمور الجسَد. لكن في صميمكَ، تهوى اللواتي تعرِضنَ أجسادهنّ على العلَن وتتحدّثنَ ببذاءة. كان الأجدَر بكَ أن تتزوّج احدهنّ وتنعَم بمحاسنهنّ شخصيًّا وليس على شاشة أو في رسائل هاتفيّة حميميّة.

 

ـ أتزوّج احدهنّ لتصبح أم ولَدي؟!؟ بالطبع لا!

 

ـ ولِما لا؟ هل أنتَ مُهتمّ بنوعيّة تربية ابنكَ؟ إبنكَ نفسه الذي سمَحتَ له بالتغيّب عن المدرسة وصرف مبالغ خياليّة مِن المال إلى حين صارَ يتعاطى المُخدّرات؟!؟ إسمَح لي أن أصفُكَ بالأنانيّ والخبيث والمُستهتِر... ففي آخر المطاف، أنتَ لا تهتمّ سوى بنفسكَ: برغباتكَ ولاحقًا للحفاظ على صورتكَ أمامي حتى لو عنى ذلك تدمير حياة ابنكَ الوحيد. إسمعني جيّدًا يا أستاذ... العمليّة الجنسيّة بين شخصَين يُحبّان ويحترمان بعضهما هي تعبير عن عواطفهما ولتوطيد علاقتهما المُقدّسة، وليست لإشباع رغبات تختفي بعد قضاء الحاجة. لهذا السبب يُسمّى "مُمارسة الحبّ"... الحبّ يا عزيزي العزيز، الحبّ الذي كنتُ أكنُّه لكَ طوال تلك السنوات.

 

ـ كلّ ذلك حصَلَ رغمًا عنّي صدّقيني... إنّها أمور غريزيّة.

 

ـ تمامًا! غريزيّة أيّ بدائيّة وحيوانيّة... لكنّكَ لستَ إنسانًا بدائيًّا أو حيوانًا، بل أنت رجُل له إرادة وتقوى وعقل. أنتَ اختبأتَ خلف حساب وهميّ خلَقتَه وتصرّفتَ به بوعي كامل وليس بالصدفة. أيّ أنّكَ كنتَ مُدركًا للذي تفعله، فلا داعٍ للأعذار. قُل لي... كيف تنوي الآن تصليح ما اقترفتَه بشأن ابننا؟ كيف ستمحو مِن فكره صورة الأب الذي يُحبّ الرذيلة وإشباع شهواته بأيّ ثمَن؟ كيف ستعوّض له السنة التي رسبَهَا بسببكَ وتُبعِدُ عنه معشره السيّء؟ كيف ستحمِله على الكفّ عن تعاطي الممنوعات؟ قُل لي!!!

 

ـ لستُ أدري، للحقيقة.

 

ـ سآخذُ سميح وأذهبُ معه إلى أهلي لأُحاوِل إصلاح الضرَر.

 

ـ وماذا بشأني؟

 

ـ سنرى لاحقًا.

 

أخذَت زوجتي ابننا الذي هدأ قليلاً حين أدركَ أنّه لن يحصل على شيء بعدما اعترَفتُ لأمّه بالحقيقة. بقيتُ في البيت لوحدي، لكن بعد أيّام قليلة، ولأنتقِم مِن ترك زوجتي البيت، فتحتُ حسابًا جديدًا على الفيسبوك واتّصلتُ بتلك النساء. وبعد أن تبادَلنا بضع جمَل حميمة، شعرتُ فجأة باشمئزاز عميق تجاههنَّ وخاصّة تجاه نفسي. فحتّى ذلك الحين، لَم أستوعِب حقًّا بشاعة ما أفعلُه بل كنتُ مُهتمًّا بالحفاظ على صورتي أمام زوجتي وحسب. مسَحتُ الحساب وأقفَلتُ الحاسوب بقوّة، ورفَعتُ عَينَيَّ إلى الأعلى طالبًا مِن الله الغفران والعون لاسترجاع عائلتي وحياتي ما قبل الوقوع رهينة نزواتي.

لَم تعُد زوجتي وابني إلى البيت إلا بعد أشهر طويلة وبعد وعود مِن جهتي. شعرتُ أنّهما غاضبان منّي لأقصى حدّ، إلا أنّني بقيتُ آملُ بأن يقتنعان بجدّيّة تَوبتي. أزلتُ كلمة الشرّ عن حاسوبي وهاتفي ولَم أُبارِح البيت مِن دون عائلتي.

 

اليوم سميح مُهندس ناجح وزواجي بأفضل حال. لَم تراودني أيّة أفكار بذيئة بل أجِدُ إلى حدّ الآن زوجتي أجمَل امرأة في العالم وأكثرهنّ جاذبيّة على الاطلاق... والفضل بذلك يعودُ لها وحكمتها. فماذا وابني كنّا سنفعل لولاها؟ أيّ مصير كان بانتظارنا؟

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button