قُتل وحيدي أمام عيني

رأيتُ أمام عَينَيَّ الحياة تُغادرُ جسَد ابني الوحيد، ويا له مِن مشهد! لا أتمنّى لأيّ أب أو أمّ أو حتى لألدّ عدوّ لي أن يحصل لهم ذلك، لكثرة فظاعة الأمر.

لا يمرُّ يوم مِن دون أن أعيد في ذهني شريط أحداث ذلك اليوم المشؤوم: كانت زوجتي تشعرُ بتوعّك منعَها مِن أخذ إبننا إلى المدرسة في الصباح، لِذا قمتُ بذلك عنها. كان عليّ الإنتظار في صفّ مِن السيّارات لإنزال إبني أمام مدخل المدرسة، لكنّني كنتُ على عجلة مِن أمري للالتحاق بِعمَلي، لِذا ركَنتُ سيّارتي في الجهة المُقابلة وسألتُ ولَدي إن كان قادرًا على قطع الطريق بمفرده، وهو أجابَني: "بالطبع يا بابا، فأنا في السادسة مِن عمري ولَم أعُد طفلاً!". داعَبتُ شعره وأجبتُه: "بل صِرتَ رجلاً!".

نزِلَ إبني مِن المركبة وقطَعَ الطريق. كنتُ أراقبُه وهو يفعل ذلك، كأيّ أب، إلا أنّ سيّارة مُسرعة صدَمته قبل أن أستوَعب ما يجري. حصَلَ ذلك بثانية واحدة، وعندما فهمتُ أنّ ولَدي مُلقى على الأرض وسط بركة مِن الدماء، كان السائق قد اختفى.

تجمّع الناس بلحظة حَول جسَد إبني، وركضتُ أزيحُهم صارخًا: "هذا ولَدي! هذا ولَدي! أطلبوا الإسعاف! بسرعة!". لكنّ المسكين كان قد فارَقَ الحياة. ركعتُ بالقرب منه أهزُّه وأقبُّله وأتوسّل إليه كي يفتح عَينَيه، حتى قال لي أحدٌ إنّه مات. إستدَرتُ نحوه سائلاً بغضب: "وكيف لكَ أن تجزِمَ بذلك؟" فأجابَني بحزن: "لأنّني طبيب".

رافقتُ إبني إلى المشفى في سيّارة الإسعاف مُمسكًا بِيَده وباكيًا كلّ دموعي. وخطَرَت ببالي زوجتي التي كانت قد سلّمَتني إبننا بمهمّة بسيطة تقومُ هي بها كلّ يوم، ولَم أكن بقدر هذه المهمّة. ماذا كنتُ سأقولُ لها؟ تصوّرتُ ردّة فعلها ولَم أكن مُخطئًا. فحين وافَتني مذعورة إلى المشرحة، أزاحَتني بِيَدها وصَرَخَت بي: "ماذا فعلتَ بإبننا؟ ماذا فعلتَ بنا؟!؟ إيّاكَ أن تلمسَني أيّها الفاشل!" لَم أُجِب، فماذا أقولُ وهي على حقّ؟

ومنذ ذلك اليوم تغيّرَت حياتنا إلى الأبد. فزوجتي تركَتني بعدما وجدَت نفسها غير قادرة على العَيش مع قاتل وحيدها، وبعد أن أكَلَني الذنب. كيف أصوّرُ لكم أيّامي؟ كيف أجدُ الكلمات المُناسبة التي تُعبّرُ عن مدى يأسي حين وجدتُ نفسي لوحدي برفقة شبَح إبني؟ نعم شبح، لأنّني كنتُ أتصوّرُه معي في كلّ وقت، أكلّمُه وألعبُ معه. لكن عندما كنتُ أدركُ أنّ كلّ ذلك مجرّد وهم، كنتُ ألتجئ إلى الخمر لأعود إلى حالة شبيهة بالهذيان وعالم حيث ولدي لا يزالُ حيًّا.

 


مِن حسن حظّي أنّ مديري في العمل هو رجل طيّب، وإلا كان قد طردَني. بدلاً مِن ذلك، أعطاني "إجازة طويلة" لأستعيد نفسي وربمّا منصبي عنده. كان هو الآخر أبًا، وفهِمَ مدى ضياعي، وما هو أفظع، ذنبي. يا لَيتني وقفتُ في الصفّ وأنزلتُ إبني أمام مدخل المدرسة! كان لا يزالُ صغيرًا ولا يُقدّرُ المخاطر، ولكن ما عُذري أنا؟ لو أمسَكَت الشرطة ذلك السائق المجرم، لتقاسمَ الذنب معي، إلا أنّ ما مِن أحد تذكّر رقم لوحة السيّارة وبتُّ أنا الوحيد المُلام.

ساعدَتني عائلتي قدر المستطاع إلى حين سَئِمَ أفرادها منّي. وحدها أختي بقيَت تزورُني وتجلبُ لي الأكل بعدما نزل وزني إلى حدّ مُخيف. فكيف لي أن آكل وابني مُلقىً تحت التراب؟ لِذا كانت تأتي إليّ، وتُجبرُني على تناول الطعام وتجلسُ معي تستمعُ إلى بكائي. وعرضَت عليّ أن أذهب إلى بيتها الصيفيّ، لأكون بين الطبيعة وبعيدًا عن المدينة التي شرِبَ إسفلتُها دم ابني. قبِلتُ معها لأنّها كانت الوحيدة التي تعرفُ كيف تُقنعني. أخذتُ بعض الأمتعة، ورحتُ إلى ذلك المكان الجميل المُحاط بالأشجار والأزهار.

هناك اعتدتُ القيام بنزهات صباحيّة طويلة، أنظرُ مِن حولي إلى الطيور والكائنات المشغولة بالبحث عن قوتها وتأمين مسكنها. تألّمتُ حين رأيتُ كيف أنّها تعمل على حماية صغارها مِن أي خطر، الشيء الذي لَم أستطع فعله. لقد كانت الحيوانات أكثر حرصًا ومسؤوليّة منّي.

كان قد مضى على وجودي في ذلك البيت أكثر مِن شهر وعلى موت ولدي حوالي السنة، حين رأيتُها. لَم أصدّق عَينيَّ وخلتُ نفسي أحلم. هل يُعقل أن تكون هذه السيّارة هي التي صدَمَت إبني؟ كانت مِن طراز عاديّ جدًّا، إلا أنّ شيئًا في داخلي أكَّدَ لي أنّها هي بالذات. ركضتُ خلف المركبة ورأيتُ أين ركنَت، أي ليس بعيدًا عن منزل أختي. إقتربتُ على مهلي، واختبأتُ خلف سور بيت جميل. نزِلَ رجل في العقد الخامس مِن السيّارة ودخَلَ البيت. عُدتُ أدراجي لأفكّر بطريقة للتأكّد مِن شكوكي.

صِرتُ مهووسًا بجاري وسيّارته، وقصدتُ مُحيط بيته يوميًا إلى أن نسيتُ أمر الخمر. كان عليّ أن أعرف. لَم أكتشِف شيئًا معيّنًا مِن مراقبتي لذلك الرجل، إلا أنّه قد يكون يسكنُ لوحده في البيت وأنّ لا أحدًا يزورُه أو يدقُّ بابه. أي أنّ حالته مثل حالتي، بفرق كبير طبعًا، فهو قد يكون قد قتَلَ وحيدي. كنتُ أعي أنّني قد أكون، وبنسبة كبيرة، على خطأ، لكنّ إحساسًا دفينًا قادَني ذات يوم إلى بابه بحثًا عن أجوبة.

عندما فتَحَ لي الرجل الباب إستغرَبَ وجودي، فهو كان مِن سكّان البلدة ويعرفُ الكلّ هناك. أخبرتُه أنّني أسكنُ في بيت أختي وقبِلَ أن يُدخلَني داره بعد أن قال: "أجل، أجل، سيّدة لطيفة للغاية".

جلَسنا في الصالون ساكتَين، فلَم يكن هناك مِن شيء نتكلّم عنه... إلا موضوع إبني. لِذا قلتُ له مِن دون مُقدّمة:

 

ـ كان لي إبن وصدمَته سيّارة.

 

ـ يا إلهي، مصيبة كبيرة!

 

ـ صدمَته سيّارة تُشبه سيّارتكَ.

 

ـ ماذا تقصد؟

 

ـ أقصد أنّكَ صدَمتَ إبني.

 

ـ أنتَ حقًّا مجنون! تأتي إلى بيتي لإتّهامي بجريمة فقط لأنّ سيّارتي "تُشبه" التي قتلَت ولدكَ؟ لو فكّرتَ بالذي قلته للتوّ، ستجده غير منطقيّ.

 

ـ أعرفُ ذلك، لكنّه إحساس لا أستطيع شرحه. هل صدَمتَ إبني؟

 

ـ لا، أقسمُ لكَ بذلك.

 

ـ تريدُني أن أصدّق قَسَم مُجرم؟

 

ـ يا سيّدي، أقولُ لكَ إنّني لَم أؤذِ إبنكَ! أرجو منكَ الرّحيل.

 


شعرتُ بالخزيّ لِما قلتُه وقرّرتُ تركَ الرجل وشأنه. وفي طريقي إلى الخارج، رأيتُ صورة على الحائط فيها صاحب البيت برفقة شاب. وسألتُه:

 

ـ لدَيكَ إبن؟

 

ـ إرحل... مِن فضلكَ.

 

ـ إذًا يُمكنُكَ فهم يأسي وحزني.

 

ـ أجل، أستطيعُ ذلك.

 

ـ ماذا كنتَ ستفعل لو فقدتَ إبنكَ مثلي؟

 

عندها بدأ صاحب البيت بالبكاء ونظرتُ إليه بتعجّب حين قال لي:

 

ـ إبني قد ماتَ هو الآخر.

 

ـ أنا آسف... لَم أكن أعلمُ ذلك... لقد أثَرتُ فيكَ ذكريات أليمة.

 

ـ أجل... لماذا أتَيتَ إلى هنا؟ ما الذي جاءَ بكَ إلى البلدة؟!؟

 

ـ ألَمي هو الذي حملَني على قبول دعوة أختي. فلقد تركَتني زوجتي بعد أن اتّهمَتني بأنّني المسؤول عن موت إبننا.

 

ـ لَم تكن أنتَ المسؤول الوحيد.

 

ـ يا ليتهم قبضوا على ذلك السائق، لِيَرتاح قلبي قليلاً.

 

ـ لن يقبضوا عليه.

 

ـ أجل، فهو حتمًا هرَبَ إلى مكان بعيد.

 

ـ بعيد جدًّا.

 

ـ ربمّا إلى بلد آخر.

 

ـ أو دنيا أخرى.

 

ـ ما قصدكَ؟

 

ـ ربمّا ماتَ السائق.

 

ـ ولِما يموت؟

 

ـ ربمّا شعَرَ بالذنب لأنّه قتَلَ ولدًا صغيرًا... ربمّا خافَ مِن السجن بعد أن حاوَلَ أبوه إقناعه بتسليم نفسه... ربمّا فضّلَ قتل نفسه وحَرق قلب أبيه.

 

ـ كيف لكَ أن تعرف كلّ هذا؟ يا إلهي!!! إبنكَ هو مَن...

 

ـ لَم يكن إبني شابًا سيّئًا، بل متهوّرًا كالكثيرين مِن أولاد جيله. في ذلك اليوم، عادَ إليّ بحالة يُرثى لها وأخبرَني بالذي حصل. كان يقولُ لي كلّ شيء، فوالدته ماتَت وهي تلدُه. أنّبتُه كثيرًا لأنّه كان مُسرعًا ولأنّه لَم يتوقّف لإسعاف ضحيّته. طلبتُ منه أن يُسلّم نفسه للشرطة فهو لن يرتاح إن لَم يفعل، وسيُلاحقُه الأمر حتى آخر أيّامه. إلى جانب ذلك، كان مِن حقّ أهل الفقيد أن يعرفوا مَن قتَلَ إبنهم. رفَضَ ابني نصيحتي وتابَعَ حياته وكأنّ شيئًا لَم يحصل. لكن بعد أشهر قليلة، بدأ يشعرُ بفظاعة ما فعله وانتابه غضب كبير، ومِن ثمّ اليأس. وفي أحد الأيّام، وجدتُه مشنوقًا مِن أغصان تلك الشجرة هناك. دفنتُ وحيدي تمامًا كما دفنتَ أنتَ وحيدكَ. لقد تحقّقَت العدالة. هل ارتحتَ الآن؟

 

ـ للحقيقة، لا. صحيح أنّني تمنَّيتُ الموت مرارًا لمَن صدَمَ إبني، لكنّه كان تمنّيًا فقط. يا إلهي... يا لها مِن مصيبة، لكلَينا. كيف سنعيش؟ كيف سننسى؟ أنتَ الوحيد الذي يُمكنه فهمي. قُل لي، ماذا تفعل لتكون لكَ القوّة للنهوض في الصباح؟ كيف تمضي نهاركَ؟ كيف تنام وهو في مكان مُظلم وبارد؟!؟

 

عانقَني الرجل وبكينا كثيرًا. ومِن ثمّ قال لي:

 

ـ نيابة عن إبني أقولُ لكَ كم هو آسف لتدمير حياتكم جميعًا. يا لَيتني أستطيعُ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء... لكن علينا أن نتحمّل قدَرنا بشجاعة، فحتّى لو لَم يعُد لنا أبناء، لا نزال آباء. وعلى الأب أن يكون صلبًا وشجاعًا. سيأتي يوم ونرى مَن فقدناهما ونعيشُ معهما مدى الأبديّة. وحتى ذلك الحين، مِن واجبنا إكمال حياتنا، فهذه مشيئة خالقنا. إذهب إلى زوجتكَ وأخبرها عن مصير قاتل إبنها، لكن أرجو منكَ عدَم ذكر إسمه، فلا أريدُ تلطيخ سمعته بعد مماته. حاوِل إستعادة ثقة وحبّ زوجتكَ، فهي تتألّم أكثر منكَ، وأثبت لها أنّكَ رجل مسؤول. إهتمّ بها حتى آخر أيّامكما، فالزوجة هي كنز لا يُقدَّر بثمن.

 

ـ وأنتَ؟ ماذا ستفعل؟

 

ـ أنا؟ لا شيء... سأنتظرُ إلى حين يسأمُ الله مِن بكائي وحزني ويأذنُ لي أخيرًا بالذهاب إلى حيث ولدي.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button