طردَني أبي مِن البيت بعد أن طلّقَني زوجي الذي ادّعى أنّني خنتُه، مع أنّ العكس كان الصحيح. لَم يتسنَّ لي الدفاع عن نفسي، بل أُرسِلتُ إلى جدّتي في القرية مع أمر عدَم العودة أبدًا إلى البيت العائليّ خوفًا مِن أن "أُدنِّسه". بكيتُ كثيرًا في أحضان جدّتي التي كانت على يقين مِن أنّني امرأة شريفة، ووبّخَت ابنها كثيرًا على طرده لي، لكنّها لَم تستطِع إقناعه باستقبالي. على كلّ الأحوال، لَم أكن أُريدُ العودة إلى ذلك الرجُل الذي صدَّقَ أوّل خبَر وصَلَ له، ولا إلى تلك المرأة التي اسمها أمّي التي لَم تُدافع عنّي، بل اكتفَت بالقول: "عليكِ تحمّل مسؤوليّة أفعالكِ". كيف لهما أن يتبرّيا منّي هكذا؟ ألَم يكونا يعرفاني جيّدًا؟ ففي آخِر المطاف، الذي تزوّجتُه هو الغريب، في حين أنا ابنتهما! شعرتُ بالظلم القاسي لِدرجة لا توصَف وأُصِبتُ بالاكتئاب بالرغم مِن وجود جدّتي العظيمة إلى جانبي. مرَّت الأشهر، ومِن ثمّ السنة، عندما إتّصَلَ أبي أخيرًا بي ليقولَ:
ـ حبيبتي! كم اشتقتُ لكِ!
ـ إشتقتَ لي؟ أنتَ لَم تسأل عنّي ولو مرّة! وكذلك أمّي!
ـ كنتُ غاضِبًا منكِ... لكنّ الوقت كان كافيًا لأُسامحكِ.
ـ أتُسامحني على شيء لَم أفعَله؟ وهل أنّكَ لا تزال تُصدِّق رواية زوجي السابِق؟
ـ دعينا مِن ذلك الحديث الآن.
ـ ماذا تُريد؟
ـ أُريدُكِ أن تعودي إلينا!
ـ سألتُكَ "ماذا تُريد”.
ـ أمّكِ اشتاقَت لكِ كثيرًا، هل يُطاوِعكِ قلبُكِ على حرمانها منكِ؟
ـ أنا لَم أحرمها منّي، بل هي تخلَّت عنّي.
ـ لا طالما كان قلبكِ كبيرًا يا حبيبتي، دعينا نطوي تلك الصفحة القديمة. هيّا، نحن بانتظاركِ.
ثمّ أقفَلَ الخط. نظرتُ إلى جدّتي التي سمِعَت المُحادثة ورفعَت يدَيها إلى السماء شاكِرة الله على ما حدَثَ، لكنّني قلتُ لها: "الأمر مُريب، فلا أُصدِّقُ أنّ والِدَي تغيّرا فجأة حيالي". وكنتُ على حق.
أقنعَتني جدّتي بالذهاب إلى البيت، حتّى لو كان ذلك لبضعة أيّام، فهي كانت أكيدة مِن أنّ الأمور ستجري بسلاسة بيني وبين والِدَي. وحين وصلتُ المكان، وجدتُ أمّي وأبي بانتظاري عند الباب وبسمة على وجهَيهما. عانقاني بقوّة، لكنّني لَم أشعر بحرارة شوقهما، بل أنّهما ليسا صادقَين في مشاعرهما.
كانت أمّي قد حضّرَت لي أطباقي المُفضلة فشكرتُها. أكلنا بصمت، ثمّ قالَ لي والِدي:
ـ غرفتُكِ جاهِزة يا حبيبتي، لِما لا ترتاحين قليلًا؟
ـ لَم آتِ لأرتاح، بل لأعلَم كيف لكما أن تغيّرا رأيكما بي فجأة، فبعد أن طردَتَني حين كنتُ بأمس الحاجة لكنفكَ، وتفرَّجَت أمّي على ما يحصل مِن دون أن تتدخّل، وها أنتما تُرحِّبان بي بكلّ حماس!
ـ هذا لأنّنا نُحبُّكِ.
ـ وماذا عن نعتكَ لي بالفاسِقة بعد أن اختلَقَ زوجي السابِق أكاذيب حولي؟
ـ كنتُ غاضِبًا... فلقد...
ـ غاضبًا منّي؟ ألَم يجدر بكَ أن تغضب منه وتُسكِته لأنّه يمسُّ بشرَفي وأخلاقي؟
ـ بلى، بلى... لكنّ الموضوع انتهى الآن.
ـ إنتهى بعدما طردتَني مِن البيت؟؟؟ أيّ أهل أنتما؟ ترمِيان ابنتكما الوحيدة خارجًا لمُجرّد سماع التُّهَم حولي؟ هل حاوَلَ أحدكما التحقّق من الأمر؟ أين الدلائل؟ أين الشهود.
ـ لا عليكِ، فلقد قطَعنا علاقتنا بزوجكِ السابِق منذ أسبوعَين.
ـ ماذا؟!؟ كنتما لا تزالان على علاقة به بينما قاطعتُماني لسنة؟!؟
عندها تدخّلَت أمّي قائلة:
ـ أجل، فهو لَم يفعل لنا شيئًا.
ـ بل فعلَ أشياء لابنتكما! هو خانَني وطلّقَني واتّهمني بأنّني امرأة سيّئة.
ـ هذا ما تقولينَه أنتِ!
ـ لا تزالين لا تُصدّقيني؟!؟ إذًا عليّ رحيل الآن!
قفَزَ أبي مِن مكانه ومسَكَ بِيَدي وصرَخ:
ـ لا تأبهي لِكلام أمّكِ! أرجوكِ أن تبقي!
نظرتُ إلى ذلك الرجُل الذي كان مُصِرًّا على بقائي بشكل غريب للغاية، فسألتُه: "ما السرّ وراء إصراركَ على بقائي هنا؟ تكلّم!".
وكالمرّة السابِقة لَم ألقَ جوابًا، فدخلتُ غرفتي مُستاءة. وضعتُ بعض الأمتعة التي جلبتُها معي في خزانتي، ثمّ قصدتُ المطبخ لآتي بالماء. وصلتُ عند باب المطبخ حين سمِعتُ والِدَي يتهامسان، وأبي يقولُ:
ـ ما بها؟ ماذا تُريدُ؟ فلقد استقبَلناها في البيت مُجدّدًا!
ـ هل تظنّ أنّها تعلَم؟
ـ لا، فلقد وعدَتني العجوز أنّها ستحفظ الموضوع لنفسها.
ـ أنتَ قلتَها، العجوز... هل أنتَ مُتأكِّد مِن أنّها بكامِل قواها العقليّة؟
ـ أمّي بصحّة عقليّة تامّة!
كتَمتُ صرخة لدى سماعي أنّهما يتكلّمان عن جدّتي الحبيبة. ثمّ تابَعَ أبي:
ـ الشرط كان أن تبقى هنا... فتاة عنيدة... علينا أن نُكثِر مِن مُعاملتنا الحسنة لها.
ـ أجل، وإلّا لن نحصل على البيت والأرزاق! سأصنَع لها قالبًا مِن الحلوى.
ـ أجل، دلِّعيها كثيرًا، فأمّي كانت واضحة تمامًا: على ابنتنا أن تعيشَ سعيدة هنا وإلّا حرَمتنا مِن الميراث وكتبَت كلّ شيء لها! إفعلي جهدكِ! آه... لولا تدخّل أمّي، لمَا إستقبلتُ تلك الفاسِقة في داري أبدًا!
ـ بالفعل... هي جلبَت العار إلينا وإلى اسمنا... المسكين صهرنا السابِق، كيف استطاعَ تحمّل ابنتنا وخيانتها له! إنّه بالفعل جبّار!
ـ أتعلمين شيئًا؟ مِن حسن حظّه أنّه اكتشَفَ حقيقتها وطلَّقَها، لكنّه رمى العبء علينا.
ـ لا عليكَ... سأتصرَّف، سأجعلُها تبقى وتقولُ لأمّكَ كَم هي سعيدة بيننا.
لَم أُصدِّق أذنَيّ! هل كنتُ أحلُم؟ هل يجوزُ أن يكونَ والِداي بهذا المِكر؟ ألّا يُحبّاني ولو قليلًا؟ كيف لهما أن يُصدِّقان تلك الأكاذيب حولي مِن دون دليل، ويطرداني، ومِن ثمّ يُمثِّلان دور الأبوَين المُحبَيّن فقط خوفًا مِن فقدان الميراث؟
دعوني أُخبِركم عن ذلك الميراث... فجدّتي كانت تملك الكثير، البيت الذي تعيشُ فيه والأرض التي تُحيطُ به. وكانت هناك أيضًا قطعة أرض أخرى، مزروعة بشجر الزيتون تُنتِج الزيتون والزيت بكمّيات كبيرة. ولأنّها عجوز، أوكلَت شخصًا بالاهتمام بالمحصول مُقابِل حصّة صغيرة لاستعمالها الشخصيّ. فكل هذه العقارات كانت تُساوي بالفعل مبلغًا كبيرًا بالنسبة لأهلي وفكرة فقدانها علَت فوق مفهومها الشخصيّ للشرَف.
فكّرتُ بالذي فعلَته جدّتي، فهي أرادَت أن أشعرَ بأنّ والِدَي هما إلى جانبي ويدعماني ويُحبّاني، لكنّها حتمًا لَم تكن تعلَم درجة انحدارهما ومِكرهما. فخلال الحديث الذي دارَ بينهما في المطبخ، لَم أسمَع ولو مرّة مِن أبي أو أمّي أيّ كلمة حنونة تُعرِب عن محبّة ما. أسِفتُ لذلك، وتذكّرتُ أنّهما لَم يكونا مِن الصنف الحنون منذ الأوّل، بل دائمًا مشغولَين بحديث الناس وكيفيّة التغلّب على مصاعِب الحياة.
في الصباح، طلَبتُ مِن أمّي أطباقًا صعبة التحضير، ومِن أبي بعض المال لأشتري حاجات مُعيّنة، وهما قبِلا بسرور. وفعلتُ الشيء نفسه في كلّ صباح، لا بل زادَت طلباتي خاصّة الماليّة. تحمّلَ أبي العبء، ظنًّا منه أنّه استثمار للميراث لاحقًا، فلَم يرفض أبدًا. في تلك الأثناء، بقيتُ على اتّصال بجدّتي، وكلّما كانت تسأل عن أحوالي مع أهلي، كنتُ أُجيبُها: "لا بأس... لكنّني تصوّرتُ أن يكونان أكثر سعادة لِرجوعي". وهي كانت حتمًا تتصِّل بابنها وتوبِّخه وتُعيد تهديداتها له، فيزيدُ أبي مِن تجاوبه لطلباتي. وبعد أن اشترَيتُ لنفسي الحُلى والملابس والأحذية التي كنتُ أُريدُها، حزَمتُ حقيبتي وقلتُ لأهلي: "أنا ذاهبة لرؤية جدّتي... سأعودُ بعد أيّام". لكنّني لَم أنوِ العودة أبدًا، ولدى وصولي إلى بيت جدّتي، رويتُ لها كلّ ما سمِعتُه طالِبة منها إستضافتي عندها بصورة دائمة. غضِبَت العجوز كثيرًا وأرادَت أن تُعاتِب ابنها، لكنّني أوقفتُها قائلة: "دعيهما... دعيهما يظنّان أنّ خطّتهما ستنجَح... فهكذا سيُجبَران على التمثيل لسنوات طويلة". ضحِكنا على الفكرة، ثمّ تابَعنا حياتنا.
سرعان ما وجدتُ عمَلًا حيث أنا، وصِرتُ أشعرُ ببعض الاستقلاليّة وإمكانيّة المُشاركة بمصروف بيت جدّتي. بقيَ والِدَي يُطالبان بعودتي وأنا أُرجئ الموعد، ومرَّت الأشهر والسنوات على ذلك النحو، وبقيَ لدَيهما أمَل بأن يحصلا على الميراث. لكنّ جدّتي نقلَت أرزاقها لي عبر المُحامي، وأبقَت لابنها سيّارة المرحوم زوجها وبعض الأمتعة القديمة.
لا تزال جدّتي على قَيد الحياة وأدعو الله أن يطولَ بِعمرها، لكنّني مُتأكِّدة مِن أنّ أبي ينتظرُ موتها بفارغ الصبر. فالذي لا يُحِبّ ابنته لا يحِبُّ أحَدًا، خاصّة إن كان سيستفيد منهم بعد مماتهم.
أمّا بالنسبة لحياتي الشخصيّة، فهناك رجُل تعرَّفتُ عليه مؤخّرًا. لستُ على عجلة مِن أمري، فلا أُريدُ أن أُعيدَ الخطأ نفسه.
حاورتها بولا جهشان