عندما تعودُ الذاكِرة!

لا أدري إن كان جميع مَن غرِقوا في غيبوبة عميقة اختبَروا ما حصَلَ لي، لكن أستطيع التأكيد أنّني كنتُ أسمَع ما يُقال مِن حَولي. فبعد أن تدَحرَجتُ عن السلالم وأنا ذاهبة لِشراء حاجيات البيت، فقدت الوعي وتمَّ نقلي بسرعة إلى المشفى. هناك، وبالرغم مِن مُحاولات الأطبّاء، وعلاجهم لكسوري والنزيف الداخليّ الذي أُصِبتُ به، بقيتُ فاقِدة للوعي، بل غرقتُ في الكوما.

قيلَ لأهلي إنّ الله وحده يعلَم متى أستفيق، وما هو أهمّ، إن كنتُ سأستفيقُ يومًا، وبكى ذويّ مِن الحزن. فالجدير بالذكر أنّني كنتُ الخالة والعمّة والقريبة التي يُحبُّها الجميع، فلَم أتزوّج وصبّيتُ اهتمامي وجهودي على تربية أولاد إخوَتي، فأعطَيتُهم الكثير مِمّا أملك مِن مال، خاصّة لدراستهم. فوالِدايَ، رحمهما الله، خصّصاني بِمبلغ كبير وبأرزاق عديدة لأنّني بقيتُ عازِبة، فهما خافا على مُستقبلي، وضمَنا شيخوختي لأنّ لا أحَد سيهتمّ بي كما يجِب إذ أنّ الكلّ مشغول بنفسه ومشاكله العائليّة.

وحين وقَعتُ عن السلالم، كنتُ قد بلَغتُ الخامِسة والستّين مِن عمري وبكامل قوايّ العقليّة والجسديّة.

تتالى الأقارب إلى المشفى وإلى جانِب سريري، وتناوبوا آملين أن أفتَح عَينَي يومًا. في البدء، لَم أشعر بشيء بتاتًا، ولَم أرَ أحلامًا أو أشكالًا، بل لا شيء، أو أنّني نسيتُ ما رأيتُه في حلمي. لكن بعد وقت لا أستطيع تقديره، صِرتُ أسمَع أصواتًا عميقة وكلمات تُقال غير واضِحة على الإطلاق. لَم أحاوِل فهمها، فلَم تكن لدَيّ إرادة أو قدرة على القيام بأيّ جهدٍ كان.

وعلى مرّ الأيّام، توضّحَت الأصوات وتعرَّفَ عليها عقلي تلقائيًّا لأنّه سمِعَها لسنوات طويلة. لا أذكرُ إنّ عقلي حاولَ الإجابة أو التدخّل بالحديث، لكن لو فعَلَ، هو فشِلَ حتمًا، فلَم أُحرِّك ساكِنًا. أحيانًا أخرى، لَم أكن أسمَع شيئًا، ربمّا لأنّني كنتُ أبقى لوحدي، أو أنّ دماغي لَم يلتقِط تلك الموجات. لكن حين كنتُ أسمعُها، بدأتُ أفهَم بالفعل ما يُقال، لكن مِن دون تحليلها وإعطائها المعنى الحقيقيّ.

وحصَلَ أخيرًا أن فتحتُ عَينَيّ، لكنّ الغيبوبة والسقطة أحدثَتا أضرارًا كبيرة في جسَدي، وكان يلزمني وقت لاستعادة حالتي ما قَبل الحادِثة، هذا إن استطَعتُ أن أسترجِع صحّتي ونشاطي. فالجدير بالذكر أنّني صِرتُ غير قادِرة على الوقوف طويلًا أو فعل أيّ شيء يتطلّب تركيزًا أو حركة دقيقة. أرَدتُ جَلب مُساعِدة لتقوم بكلّ ما لا أستطيع فعله، ولتُساعِدني على اجتياز تلك الفترة الصعبة. إلّا أنّ أهلي رفضوا أنّ أصيرَ رهينة إنسانة غريبة، بل اقترَحوا أن يتناوَب إخوَتي وأولادهم للاهتمام بي، الأمر الذي فرَّحَ قلبي، فشعرتُ حقًّا أنّني لستُ وحيدة بالرّغم مُن عزوبيّتي، وأنّهم يودّون أن يردّوا لي جزءًا مِن الذي قدّمتُه لهم خلال سنوات طويلة.

كانت لدَيّ أفضليّة بين إخوَتي وأولادهم، صبيّة وشاب أحببتُهما كثيرًا منذ ولادتهم وأغرَقتُهم بالهدايا والاهتمام: التوأمان سارة وجمال. هما كانا ولدَي أختي الأكبَر وصارا بسنّ دخول الجامعة، وفي الوقت نفسه، المجيء إلى بيتي لمُساعدتي والذهاب إلى الكلّيّة التي كانت قريبة مِن مسكَني. إختَرتُهما بالذات لِمُساعدتي إذ قيلَ لي إنّهما قضَيا معظم وقتهما معي بالمشفى، وإنّهما رفضا تَركي لوحدي حتّى لو كنتُ غير واعية على وجودهما. وبعد عودتي إلى بيتي، تناوَبا على ذلك بِشكل أسبوعيّ، وقضَيتُ مع كلّ منهما أوقاتًا جميلة، فاعِلة جهدي ألّا أكبِّدهما عناءً كبيرًا.

في الوقت نفسه، قصَدتُ مُعالِجًا فيزيائيًّا واتّبعَتُ علاجًا لِذاكرتي وقدراتي العقليّة، وغيّرتُ طريقة أكلي لأُركِّز على كلّ ما هو صحّيّ، مُصمِّمة على العودة إلى كامِل قوايَ وبأقرب وقت. فلَم أكن أبدًا مُعتادة أن أكون عبئًا على أحَد، بل لطالما كنتُ مَن أساعِد الآخَرين.

علاجي الفيزيائيّ والأقراص التي تناولتُها بدأَت تأتي بنتيجة، ولو بسيطة، فانتابَني الحماس والأمَل. لكنّ أهلي طلبوا منّي أن أتروّى، فحادِثة أخرى قد تقضي عليّ. لِذا، إقترحَت أختي الكبرى أن أستقبِلَ ولدَيها بصورة دائمة، الاثنَين معًا، فهكذا يكون لدَي دَعم دائم وقويّ. لَم أرَ مانِعًا لذلك، فبيتي كان كبيرًا عليّ، ولطالما أردتُ تبديله بمسكن أصغَر يتناسَب أكثر مع طريقة عَيشي.

إنتقَلَ جمال وأخته سارة إلى بيتي، وأخَذَ كلّ منهما غرفة لنفسه، وكنتُ سعيدة جدًّا بهما. فكما ذكرتُ، كنتُ أكنُّ لهما مودّة خاصّة. وتلك المودّة تعودُ إلى علاقتي بأختي، أمّهما، فبسبب سنّها، إعتبرتُها بمثابة أمٍّ ثانية لي عندما كنتُ صغيرة. لكنّها تزوّجَت باكِرًا وتركَت البيت. إلّا أنّنا بقينا على صِلة وطيدة، بالرّغم مِن عدَم ارتياحي لِزوجها الذي اعتبَرتُه منذ البدء مُزعِجًا وغليظًا وغير صادِق. فهو كان يكذبُ بشأن كلّ شيء، ويُحاول الاستفادة مِن كلّ الناس، أيّ أنّه كان لا يمتلِكُ المبادئ التي تربَّيتُ عليها أو أختي. لكنّها أحبَّته واعتادَت عليه على مرّ السنين. لِذا بذَلتُ جهدي لأكون حاضِرة في حياتها وحياة ولدَيها، على أمَل أن يكتسِبَ صغيراها خصالنا الحميدة، ونجَحتُ بذلك بكلّ فخر.

حياتي مع سارة وجمال صارَت مليئة بالفرَح والضحك، وتبادَلنا الكثير مِن الأحاديث، وبلَغَت حدًّا إعتقدتُ بالفعل أنّنا عائلة وأنّهما ولَداي، فمشاعري انتقلَت مِن كَوني خالة إلى أمّ. سادَ بيننا تفاهم تام، وواكبتُهما في حياتهما اليوميّة الجامعيّة والشخصيّة كما قد تفعلُ أيّ أمّ. وتمنَّيتُ ضمنيًّا ألّا يرحَلا أبدًا، بل أن يبقَيا إلى جانبي حتّى آخِر أيّامي.

وذات يوم... تذكّرتُ.

تذكّرتُ كلّ شيء، وبأدقّ التفاصيل. فالعلاج الذي كنتُ أتناوله أتى بنتائجه كاملةً، فتفاجأتُ يومًا بسماع أصوات في رأسي، أصوات واضحةً وكامِلة، وفهمتُ أخيرًا معنى كلّ الذي سجَّله عقلي أثناء غيبوبتي. في البدء، لَم أفهَم ما يحصلُ لي، إذ أنّني كنتُ جالِسة بِمفردي وسنّارة الكروشيه في يَدي وأنا أصنَع لِسارة شالًا جميلًا. قفَزتُ عن كرسيّ حين سمعتُ بوضوح أحدًا يقولُ: "هل تعتقدين أنّها ستموت؟". نظرتُ مِن حولي، لأكتشِفَ أنّني بالفعل لوحدي وأنّ ما مِن أحَد معي. تعرّفتُ تمامًا على صوت جمال، لكنّه كان في جامعته وليس هنا! أخذتُ عكازتي ودرتُ في البيت لأجِده طبعًا خاليًا. عدتُ إلى مكاني وبالي مشغول، وأمسكتُ السنّارة لأُكمِل الشال، حين سمعتُ صوت سارة يقول: "أتمنّى ذلك... فحينها نرِثُ كلّ ما لدَيها، فهي تُحبُّنا الأكثر". إمتلأت عَينايَ بالدموع، إلى حين طرَدتُ تلك الأصوات مِن بالي، قائلة لنفسي إنّني حتمًا تعِبة وبحاجة إلى راحة. قصَدتُ غرفتي واستلقَيتُ على سريري وأغمضتُ عَينَيّ لأنامَ قليلًا، فمِن الجائز أنّ التركيز على الكروشيه أتعبَني. ولحظة أغمضتُ عَينَيّ، وأنا في وضع يُشبِه تمامًا وضعي في ذلك السرير في المشفى، سمعتُ في أذني اليُسرى الحديث بأكمله:

ـ لكنّ الأطبّاء، قالوا إنّها قد تستيقِظ في أيّة لحظة.

 

ـ إنّها عجوز وليس بإمكانها تخطّي ما حدَثَ لها.

 

ـ كم تظنّين قيمة أملاكها؟

 

ـ لا أدري، لكنّ الرقم حتمًا كبير... سنصبَح أغنياء! المُهمّ ألّا تستيقِظ أبدًا!

 

ـ كم أبغضُها! كان والِدي على حقّ بشأنها... تتشاوَف علينا بإعطائنا المال والهدايا!

 

ـ أنا أيضًا لا أحبُّها... وكلّما أراها أفعلُ جهدي لأبتسمَ لها وأتبادَل الكلام معها! يا لَيتها تموتُ الآن!

 

إنهالَت الدموع على خدَّيّ، فأدرَكتُ أنّ ما يتذكّره عقلي حقيقيّ وليس مجرَّد خيال، والفضل يعودُ لِعلاجي. كيف لهذَين الشخصَين أن يُبغِضاني إلى هذه الدرجة بعد كلّ الذي فعلتُه مِن أجلهما مذ وُلِدا؟!؟ أنا لَم أُحاوِل يومًا شراء حبّهما لي، بل أرَدتُ فقط إعطاءهما أفضل ما يكون!

ثمّ خطَرَ ببالي شيء مُهمّ: كيف لهذَين بالذات أن يأتيا للعَيش معي وبإصرار؟ فذلك لا يُناسِب أبدًا مشاعرهما تجاهي. هل في بالهما خطّة؟ هل عليّ الاحتراس منهما، أو أنّهما أرادا فقط التأكّد مِن أنّهما سيرِثاني؟

إتّصلتُ بأمّهما وقلتُ لها إنّ طبيبي طمأنَني على حالتي، وأكَّدَ لي أنّني لَم أعُد بحاجة إلى مُساعدة أو رعاية أحَد، بل إلى الراحة التامّة بدون وجود أحَد معي. هي فرِحَت مِن أجلي وقرّرَت أنّ الوقت حان لِعودة ولدَيها إليها، فهي اشتاقَت لهما كثيرًا. طلَبتُ مِن أختي أن تُخبِرهما أنّ وقت الرحيل أتى، مُتحجِّجة بأنّني لا أُريدُ كَسف خاطرهما بنفسي. كنتُ مُتأكِّدة مِن أنّ لا دخلَ لأختي بمشاعِر ولدَيها تجاهي، بل زوجها الماكِر الذي لا يُحِبُّ أحَدًا ويغارُ مِن الكلّ، ويُحاوِل الاستفادة مِن الجميع وبأيّة طريقة.

ولدى عودة سارة وجمال في المساء، كانا قد علِما بقراري مِن أمّهما، وبدَيا لي مُنزعجَين كثيرًا لِرحيلهما. حاولا إقناعي بضرورة بقائهما، لكنّني أصرَّيتُ أنّ عليّ تدبّر أموري لوحدي وأنّ لهما حياة خاصّة بهما لا تتناسَب مع حياة “عجوز”.

أخَذَ ولَدا أختي أمتعتهما على مضض، وودّعاني بقبلات حارّة. وحين صارا خارج الباب، صرختُ لهما:

ـ فقط للتنبيه... يجوزُ للغارِق في غيبوبة أن يسمَع ما قيلَ له أو حوله... فكان عليكما الاحتراس! شيء آخَر، سأكتبُ كلّ أملاكي لِجمعيّة خيريّة، فلا داعٍ بعد الآن للتمثيل أمامي بأنّكما تُحبّاني.

 

نظَرا إلى بعضهما واحمرَّ وجههما، ثمّ ركَضا إلى المِصعد، وسمعتُ سارة تقولُ لأخيها: "ألَم أقُل لكَ إنّها قد تستطيع سماعنا؟!؟". إبتسَمتُ لأنّني تأكّدتُ أنّ شكوكي في محلّها، وأقفَلتُ الباب وراءهما. بعد ذلك، جلَبتُ مُساعِدة أجنبيّة، فالغرباء أحيانًا أفضل مِن أقرَب الأقارِب!

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button