ضيفة غير مرغوب فيها!

ذات ليلة، طلَبَ رمزي زوجي أن نتكلّم:

ـ حنان أختي... لقد طلّقَها زوجها وهي حامِل.

 

ـ يا إلهي! يا للمُصيبة! ماذا ستفعل لوحدها في الغربة؟؟؟

 

ـ لهذا طلبتُ أن نتكلّم... ماذا لو استقبلناها هنا ريثما تلِدُ طفلها؟

 

ـ هنا؟ لماذا لا تذهب إلى أهلكَ؟

 

ـ والدايَ مُستاءان جدًّا منها لأنّها صارَت امرأة مُطلّقة، تعرفين كيف هما، جيل قديم لا يقبل بأمور كهذه. أرجوكِ يا حبيبتي، لا يجوزُ أن نتركها لوحدها في بلَد غريب.

 

ـ حسنًا... لكن عليها أن ترحَل بعد أن تلِد، فأنتَ تعلَم كَم أُصِّر على خصوصيّتنا.

 

ـ شكرًا يا أجمَل وأطيَب زوجة!

 

قبّلَني رمزي بفرَح وأخَذَ هاتفه وخابَرَ حنان ليزفَّ لها الخبَر. إنتظرتُ منها أن تطلبَ التكلّم معي لتشكرني، إلّا أنّها لَم تفعل، بل شكرَته هو فقط. وبعد أسبوع، وصلَت أخت زوجي ومعها حقيبتَين كبيرتَين. عانقَتني حنان بِبرودة وردَدتُ الأمر إلى إحراجها منّي، فأخذتُها إلى غرفة الضيوف التي حضّرتُها مِن أجلها. ثمّ قلتُ لها:

ـ أنتِ حامِل بكَم؟

 

ـ شهرَين.

 

ـ حسنًا، سنستقبلكِ لمدّة سبعة أشهر، فعلينا أن نبنيَ عائلة أيضًا ولن يعودَ هناك مِن مكان لكِ، أنا آسِفة.

 

ـ لا عليكِ، فسأجِدُ عملًا بسرعة ومكان أعيشُ فيه مع طفلي بعد ولادته.

 

سبب إصراري على عدَم استقبال حنان لمدّة طويلة كان موقفها مِن زواجي مِن أخيها، إذ أنّها مانعَت بقوّة، وذلك لإعطائه لإحدى صديقاتها المُقرّبات. فعلتُ جهدي آنذاك لتغيير رأيها حيالي، إلّا أنّها زادَت شراسة لِدرجة أنّها كادَت أن تفسدَ زواجنا بعد أن هدّدَت عدَم حضوره. لكنّ والِدَيها أصرّا عليها وقبِلَت بالتواجد بالحفل، لكنّها فعلَت جهدها للَفت الأنظار إليها بالادّعاء بأنّها غابَت عن الوعي بسبب الطقس الحارّ. علِمتُ على الفور أنّها تمثِّل لكنّ الجميع صدَّقَ حيلتها، فالتفَّ الكلّ حولها، وحمَلوها إلى المشفى تاركين الحفل. بقيَ بعض المدعوّين الذين رحَلوا بِدورهم باكِرًا. بكيتُ كثيرًا لكنّ زوجي لَم يقتنِع بأنّ أخته عمَدت على تخريب أسعَد يوم في حياتي.

لكن مع مرور الوقت، نسيتُ امتعاضي مِن حنان، على الأقلّ البعض منه، لِذا قبِلتُ استقبالها. وفي نهاية المطاف، هي أخت زوجي، وأردتُ أن يرى أنّني لا أخربُ العلاقات العائليّة بسبب حادِثة حصلَت يوم زفافي.

جرَت الأمور جيّدًا بعد وصول حنان إلى بيتنا، فهي كانت لطيفة وخفيفة علينا، فلَم نكن نراها سوى في المساء لدى عودتنا مِن عملَينا، وكنّا نجِد أحيانًا الطعام جاهِزًا. لَم أفهَم لماذا لَم تُحاوِل حنان إيجاد عمَل يمنحُها بعض التسلية بعد طلاقها أو الاستقلاليّة، خاصّة أنّها وعَدَتنا بالرحيل بعد الولادة. ردَدتُ الأمر إلى حالتها النفسيّة، فأن يطردها زوجها وهي حامِل ليس أمرًا سهل على الإطلاق.

كبرَ بطن حنان وكثرَت مطالبُها، ولبَّيتُها جميعها لأنّها حامِل وليس أكثر، فلقد لمَستُ عودة طبعها المُزعِج وموقفها العدائيّ تجاهي. لَم أقُل شيئًا كَي لا أبدوَ وكأنّني أتنمَّر على امرأة حامِل، وصبرتُ إلى حين تصِل إلى شهرها التاسع. لكنّني كنتُ قلِقة بشأن مرحلة ما بعد الولادة، فقلتُ لرمزي:

ـ حبيبي... ألا يجدرُ بأختكَ أن تجِدَ عمَلًا كما وعدَتنا؟

 

ـ ألا ترَين بطنها؟ مَن سيُعطي عمَلًا لها وهي في هذه الحالة؟

 

ـ صحيح ذلك، ولكن بإمكانها أن تجولَ في سوق العمَل لتُقرِّر ما ستفعله بعد أن يبصرَ ولَدُها النور.

 

ـ لا تقلقي، بل إدعي أن يأتي المولود في صحّة جيّدة، هذا هو الأهمّ.

 

ـ بالطبع، بالطبع.

 

سكتُّ مِن جديد، فهو كان على حقّ، لقد تأخَّرَت حنان في البحث عن عمَل، ورجَوتُ أن تفي بوعدها بعد فترة.

ولدى اقتراب موعد الولادة، صارَت حنان صعبة المزاج لدرجة لا توصَف، حتمًا بسبب هرموناتها، أو أنّها لَم تعُد قادِرة على الاستمرار بتمثيل دور الإنسانة اللطيفة والمُحِبّة. فهي كانت تُعاتِبني على كلّ شيء، وتُقلِّل مِن احترامي، وعندما كنتُ أشتكي لرمزي، كان يقولُ:

ـ لَم أعهدَكِ هكذا... أنتِ امرأة عاقِلة وتعلَمين أنّها ليست مسؤولة عن تقلّبات مزاجها.

 

ـ أعي ذلك، لكن أجِبني على هذا السؤال: لماذا تقلّبات مزاجها هي حصرًا موجّهة ضدّي؟

 

لَم يجِب زوجي واكتفى بِهز رأسه وكأنّني أنا المُخطئة أو أنّني أبحثُ عن أيّة ذريعة لانتقاد أخته.

ولِدَ ابن حنان صحيح البُنية وفرِحنا لها، وعندما جاءَت إلى البيت، أحبَبتُ ذلك الصغير كثيرًا. ساعَدتُ أخت زوجي بالاهتمام بابنها ومرَّت الأشهر مِن دون أن يتغيّر شيء، فسألتُ رمزي عن موعد رحيل أخته، لكنّه صرَخَ بي: "ما بالكِ؟؟؟ تريدين أن ترحَل ومعها جنين بالكاد عمره أشهر؟؟؟ أليس لدَيكِ أيّة رحمة؟؟؟". في البدء وجدتُ نفسي بالفعل ظالِمة، واعتذرتُ مِن زوجي، لكنّ الأحداث التي تلَت كانت كافية لإعطائي كامِل الحقّ في إصراري على رحيل حنان.

فبينما كانت حماتي عندنا لمُساعدة ابنتها والجنين، قالَت لي:

ـ المسكينة ابنتنا، لَم توفَّق في زواجها، وأحمدُ الله ألف مرّة أنّها وجدَت ملجأً آمِنًا عندكما. يا ليت زوجي كان مِن الذين يتقبّلون أمر الطلاق، لكن فاتَ الأوان لتغييره.

 

ـ سنشتاق لحنان والطفل حينما يرحلان.

 

ـ يرحلان؟ إلى أين؟ ألن يعيشا هنا بصورة دائمة؟

 

ـ بالطبع لا! هي وعدَت رمزي أنّها سترحل بعد الولادة، وهذا ما قالَته لي أيضًا.

 

ـ هو قالَ لكِ ذلك؟؟؟

 

ـ أجل، عندما أخَذَ موافقتي باستقبال حنان.

 

ـ غريب هذا الأمر... ما أعرفُه هو أنّ رمزي هو الذي اتّصَلَ بأخته فورًا بعد طلاقها حين كانت لا تزال في الغربة، ودعاها للعَيش معكما بصورة دائمة.

 

ـ أنا مُتأكِّدة مِن أنّكِ فهمتِ الأمر خطأً يا حماتي، لَم أكن لأقبَل أبدًا بذلك، فأنا أُصِّر كثيرًا على خصوصيّاتي. وإضافة إلى ذلك، ليس عليّ تحمّل تداعيات طلاق أفراد عائلة زوجي.

 

ـ بل أنا أكيدة مِن كلامي، أنظري إلى الرسالة التي بعثَها إلى حنان بهذا الشأن، فهي بعثَتها بدورها لي آنذاك لكثرة فرَحها."

أخرجَت حماتي هاتفها، وقرأتُ تلك الرسالة والتي تلَت، التي يقول رمزي فيها لحنان عنّي: "سأُقنِع زوجتي بلحظة، فهي تفعل كلّ ما أُريدُه مِن دون مُناقشة، فأنا رجُل البيت!

 

أخذتُ الهاتف مِن يدَي حماتي والتقطتُ صورة عن المُحادثة، ومِن ثمّ انتظرتُ أن ترحَل أمّه وتنام أخته وابنها لأواجِه رمزي. هو لَم ينكُر بل قالَ:

ـ هذا بيتي واستقبلُ مَن أشاء فيه.

 

ـ هذا بيتنا وليس بيتكَ لوحدكَ! ولقد كذِبتَ وأختكَ عليّ لأنّكما تعلمان أنّني لا أُريدُ أن يعيشَ أحدٌ معي! هي ليست يتيمة، بل لدَيها أمّ وأب، وإن كان والدُكَ لا يتحمّل فكرة طلاق ابنته، فهذه مُشكلته وأختكَ. أُريدُ أن ترحَل حنان في الصباح!

 

ـ بل ستبقى وولدها هنا إلى الأبد!

 

ـ كيف تأخذ قرارًا كهذا مِن دون أن أكون موافِقة؟ تُجبِرني على العَيش مع إنسانة لا أُريدُها ولا أُحبُّها؟ هل هذا قصاص؟ أنا لَم أتزوّج حنان، بل تزوّجتُكَ أنتَ! لتذهب إلى أهلكَ مع ابنها! أمّا في ما يخصّكَ، فاتّضَحَ أنّكَ كاذِب مُحترِف، وأستنتِجُ مِن ذلك أنّكَ قد تكون قد كذِبتَ عليّ بشأن أمور أخرى، وإلّا مِن أين أتاكَ الاحتراف؟ أُريدُ أختكَ خارج البيت في الصباح!

 

بقيَت حنان حيث هي ولَم ترحَل، بل صارَت أكثر وقاحة معي، تبتسمُ كلّ ما إلتقى نظرانا وكأنّها تتحدّاني. إضافة إلى ذلك، كثرَت الطلبات لها ولطفلها وأرادَتني أن أُخصِّص وقتي بعد عمَلي لمُساعدتها بينما هي تستلقي قُبالة التلفاز أو على هاتفها ورِجلاها على الطاولة أمامها. لَم أقُل شيئًا لِرمزي، فكان مِن الواضح أنّه اتّخَذَ قراره، لِذا جلَبتُ إلى البيت أختي الأصغر وقلتُ لِزوجي: "ستمكثُ أختي معنا بصورة دائمة وستتقاسَم غرفة الضيوف مع حنان... فهذا عادِل، ألا تظنّ ذلك يا زوجي العزيز؟". هو لَم يجِب، لكنّه كان مُستاءً كثيرًا، فكيف يرفضُ؟ ألَم أكن أفعَل ما فعله هو؟

جاءَت أختي مُبتسِمة وحامِلة حقائب لا تُحصى بعد أن علّمتُها ماذا تقول وتفعل، وبعد أن وعدتُها أنّ الأمر لن يطول، لأنّها كانت ستعيشُ لفترة في غرفة فيها مولود جديد يبكي باستمرار وقد يؤثِّر ذلك على دراستها الجامعيّة، لكنّ ذلك كان الحلّ الوحيد للتخلّص مِن حنان.

حاولَت حنان رفض تقاسم "غرفتها" مع أختي، لكن تلك الغرفة كانت المكان الوحيد الموجود، فقبِلَت على مضض. وبما أنّه صارَت لي مُناصِرة ولَم أعُد أواجِه لوحدي مزاج ودلَع حنان، هي لزِمَت الغرفة بصورة دائمة بِغضب لا حدود له. وبالنسبة لزوجي، هو وجَدَ أنّه صارَ هناك العديد مِن الضيوف ولَم يعُد يشعرُ بأنّ البيت هو بيته، فباتَ قلِقًا طوال الوقت، ويُردِّد على الدوام: "الوضع غير مقبول، غير مقبول!".

بقيتُ أتصرَّف وكأنّ شيئًا لَم يكن، بل صرتُ وأختي نقضي الأمسيات ونحن نضحك ونرقص على صوت الموسيقى العالية. حاولَت حنان التدخّل بحجّة أنّ طفلها بحاجة إلى النوم، لكن في كلّ مرّة كنتُ أقولُ لها: ”بيت أهلكِ هادئ، إذهبي إليه، هنا أفعلُ ما أشاء، فهذا بيتي أنا!”. إشتكَتني إلى رمزي الذي طلَبَ ٍمنّي أن أُرسِلَ أختي إلى أهلنا، وكنتُ أُجيبُه: ”إن رحلَت حنان أيضًا!". وذات يوم، راحَ زوجي إلى أبيه وأقنعَه باستقبال حنان وابنها، بل توسَّلَ إليه باكيًا. وهكذا، عادَ الهدوء أخيرًا إلى بيتي. لكنّ امتعاضي مِن رمزي لَم يزُل، بل وجدتُ صعوبة كبيرة بمُسامحته على خداعي والتخطيط لِفرض أخته عليّ. ساءَت علاقتنا كثيرًا، خاصّة بعدما إكتشَفتُ بالصدفة أنّه يصرفُ الكثير مِن المال على لعبِ الميسَر. فكنتُ على حقّ، هو كان مُحترِفًا بالكذِب. تطلَّقنا وشعرتُ براحة لا توصَف بعد أن رحَلَ رمزي مِن حياتي.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button