ضحيّة العاطفة (الجزء الثاني)

صارَ عقلي ووقتي كلّه مأخوذًا بكيفيّة مَنع جهاد مِن نشر صوَر زوجتي ميساء، فجهاد لَم يكن إنسانًا شريفًا ومُهذّبًا، بل مِن هؤلاء الذين يخافُ منهم الناس. إلّا أنّني لَم أكن خائفًا، بل آخِذًا حذَري منه. على كلّ الأحوال، كنتُ سأتسلَّح بِعصا كما نصحَتني زوجتي أن أفعل، ليس بالضرورة لأذيّته، بل تحسّبًا لأيّ أمر طارئ.

قرّرتُ مواجهة حبيب ميساء السابِق أمام أو داخِل مسكنه وليس في مكان عمَله، فليس مِن الضروريّ أن يعلَم الناس بتلك الصوَر الإباحيّة. وفي ذلك المساء، تحضّرتُ جيّدًا قَبل خروجي مِن البيت مُمسِكًا بيَدي العصا ومُقبِّلًا زوجتي الحبيبة قائلًا: "الليلة ستنتهي هذه المسألة". رأيتُ الخوف في عَينَيها لكنّني طمأنتُها: "لا عليكِ، سأعودُ مُنتصرًا، فواجبي هو أن أحميكِ مِن أناس كجهاد". عانقَتني ميساء مُطوّلًا وهمسَت في أذني: "أنتَ بطَلي".

ركنتُ سيّارتي أمام منزل جهاد وكان المكان مُظلمًا بسبب الساعة المُتأخِّرة. قرعتُ باب ذلك المكان القديم والمُنفرِد، وطالَ انتظاري. وحين خِلتُ أنّ الوغد ليس موجودًا واستعدَّيتُ للعودة أدراجي، هو فتَحَ بابه ونظَرَ إليّ مبتسِمًا وقائلًا:

ـ كانت على حقّ.

 

ـ مَن؟

 

ـ ميساء.

 

ـ لَم أفهَم.

 

ـ أدخل، لكن أترك العصا خارِجًا.

 

ـ لن أفعل، فإنسان مثلك قد يؤذيني.

 

ـ أنا أؤذيكَ؟ ولِما أفعل؟ أنتَ الذي جئتَ إليّ حامِلًا عصًا وبِنيّتكَ ضربي.

 

ـ أجل، لكن فقط إن رفضتَ حذف صوَر ميساء أمامي.

 

ـ أعودُ وأسألكَ: أيّة صوَر؟

 

ـ سأدخل، لكنّني سأُبقي العصا معي.

 

إبتسَمَ جهاد وكأنّه لا يأبه بشأن العصا، وصدّقتُه فهو كان أكبر منّي حجمًا وأقوى، وباستطاعته مُقاومتي إن شاء، وأعترفُ أنّني لَم أكن مُرتاحًا لتواجدي معه لوحدنا.

حضَّرَ لنا القهوة وجلَسنا بصمت في صالونه. بعد دقائق، قالَ لي جهاد:

ـ ما قصّة تلك الصوَر؟ فالموضوع طالَ ولا معرفة لي بوجود صوَر لميساء معي.

 

ـ ما الجدوى مِن الكذِب، فميساء قالَت لي إنّكَ تبتزُّها بسبب صوَر إباحيّة أرسلَتها لكَ خلال علاقتها بكَ، وأُريدُكَ أن تحذِفها أمامي الآن وإلّا...

 

ـ وإلّا ماذا؟ إسمَع، لا أدري شيئًا عن تلك الصوَر، ولا يهمّني إن صدّقتني أم لا.

 

ـ وما حاجة ميساء للكذِب؟

 

ـ لستُ أدري، لكنّها حذّرَتني مِن قدومكَ الليلة.

 

ـ ماذا تعني؟؟؟

 

ـ هي أرسلَت لي على هاتفي أنّ عليّ أن آخذ حذَري لأنّكَ قادِم إليّ حامِلًا عصًا كبيرة.

 

ـ أنتَ تكذِب!

 

ـ أنظر بنفسكَ.

 

أراني جهاد الرسالة التي تقول: "زوجي يُريدُ قتلكَ... معه عصا... حذارِ!".

لَم أصدِّق عَينَي، فبِتحذيره هي كانت تضعُني بِخطر، بينما كان عليها الصمت لتكون زيارتي لجهاد مُفاجأة له. ألا تُريدُني أن أحلّ مُشكلة الصوَر؟

نظرتُ إلى جهاد مُستفسِرًا، ثمّ فهمِتُ ما جرى. هو ابتسَمَ وقال:

ـ يا عزيزي، أنتَ على ما يبدو وقعتَ ضحيّة فخ نصَبَته لكَ زوجتكَ المُحترمة.

 

ـ أرادَتنا أن نتقاتَل!

 

ـ وهي تعلَم تمام العلم أنّني سأتغلَّب عليكَ بالرغم مِن سلاحكَ.

 

ـ هي نصحَتني بأخذ العصا معي!

 

ـ وحسِبَت أنّني سأُدافِع عن نفسي بضربكَ أو قتلكَ، خاصّة أنّها حذّرَتني مُسبقًا... فإلى جانب قوّتي الجسديّة، تعلَم ميساء أنّني أملكُ مُسدّسًا.

 

ـ يا إلهي... لكن لماذا تفعل ذلك بي؟؟؟

 

ـ أنتَ بالفعل غبيّ. لأنّها لا تُحبّكَ، فتزوّجتكَ بعد ضغط أهلها عليها.

 

ـ لكن أن تتسبَّب لي بالموت؟ هل لا تزالان على علاقة؟ هل أرادَتني ميّتًا لتكون معكَ؟

 

ـ أنا على علاقة بأخرى الآن، ولَم تعُد تهمّني ميساء على الإطلاق، لكنّها لا تزال تبعثُ لي الرسائل لإقناعي بالرجوع إليها. خطَرَ ببالي أن أحظرها على هاتفي، لكن رسائلها تُسلّيني.

 

ـ لكن لو قتلتَني، لكنتُ دخلتَ السجن!

 

ـ ربّما... أو هربتُ بعيدًا.

 

ـ ما يعني أن ميساء أرادَت التخلّص منّا نحن الاثنَين.

 

ـ لستُ داخل عقلها المريض... قد تكون قد فهِمتَ أنّني لَم أعُد أريدُها ونوَت الانتقام، وعوّلَت على احتمال عدَم ملاحقتي مِن قِبَل القانون، فلو أذَيتُكَ لكان ذلك دفاعًا عن النفس، فأنتَ أتَيتُ إلى بيتي ليلًا ومعكَ سلاح. على كلّ الأحوال، لَم نقَع في فخِّها.

 

ـ أجل.

 

ـ ماذا تنوي فعله مع زوجتكَ الحبيبة؟

 

ـ تركها بالطبع! لكن بأيّ عذر؟ فلا أحَد سيُصدِّقُ مسألة الفخ، ليس لي أيّ دليل على تخطيطها للتخلّص منّي!

 

ـ لدَيّ فكرة!

 

أخَذَ جهاد هاتفه وبعثَ لميساء:

ـ كنتِ على حقّ... جاء زوجكِ لأذيّتي!

 

ـ وماذا فعلتَ؟ ضربَته؟ قتلتَه؟؟؟ طمّنّي!

 

ـ لقد قتلتُه... أطلقتُ النار عليه بمسدّسي.

 

ـ الحمد لله!

 

ـ هل أنتِ سعيدة أنّه ماتَ؟

 

ـ أجل، فأكرهُه! أشكرُكَ لأنّكَ خلصّتَني منه!

 

ـ أنتِ حذّرتِني منه... لو لَم تفعلي...

 

ـ لأنّني أردتُكَ أن تُخلِّصني منه... لا عليكَ... سأقولُ للشرطة إنّه كان رجُلًا عنيفًا، وإنّه أذاني وذهَبَ إليكَ ليقتلكَ، وأنتَ دافعتَ عن نفسكَ! إسمَع... ما دامَ العائق قد أُزيلَ، ماذا لو عُدنا لبعضنا؟ فلا أزال أحبُّكَ.

 

ـ سنتكلّم بالموضوع لاحقًا.

 

إبتسَمَ جهاد وفكَّ حظري عن هاتفه لإرسال الحديث لي بالكامِل ليكون بمثابة دليل ضدّ ميساء. شكرتُه وسألتُه:

ـ لماذا ساعدتَني؟

 

ـ لا أحَد يُحِبّ النساء الماكِرات... إضافة إلى ذلك، أنتَ رجُل صالِح ولا تستحِقّ الموت أو العَيش مع امرأة خائنة ومؤذية. طلِّقها، فصارَ لدَيكَ كلّ ما يلزم.

 

لَم أذهب إلى البيت طبعًا، فكنتُ بنظر ميساء ميّتًا، بل رحتُ إلى أهلها. تفاجأوا بي قادِمًا في وقت مُتأخِّر، فقلتُ لهم: "ستعرفون لماذا بعد قليل". وبعد دقائق على وصولي، إتّصلَت بهم ميساء باكية تقول لهم إنّ حبيبها السابِق قتلَني. بكَت كلّ دموعها على الهاتف، وهم نظروا إليّ باندهاش. أومَيتُ لهم بِعدَم القول بأنّني لا أزال حيًّا وموجودًا معهم، فطلبوا منها أن تأتي إليهم على الفور.

في تلك الأثناء، قصَّيتُ لهم ما جرى وأرَيتُهم المُحادثة التي جرَت بين ابنتهم وجهاد، مُضيفًا أنّ ميساء ستبقى عندهم ابتداءً مِن تلك الليلة لأنّني سأُطلِّقها. طمأنتُهم بأنّني لن أشتكي عليها لدى الشرطة فقط مِن باب احترامي وحبّي لهم، لأنّهم كانوا بمثابة عائلتي الثانية. هم أكّدوا لي أنّهم سيتصرّفون معها كما يجب. تركتُ منزلهم قَبل وصول ميساء تجنّبًا لكِذبها ولأيّ مُشاجرة قد تحصل. حظَرتُ زوجتي على هاتفي طبعًا وعدتُ إلى البيت بعد أن تأكّدتُ مِن أنّ زوجتي المصونة رحلَت منه إلى أهلها. ثمّ جمَعتُ كلّ أمتعتها ورمَيتُها على الرصيف. في الصباح، غيّرتُ قفل الباب وقصدتُ محاميًا.

لَم أسمَع مِن ميساء على الإطلاق، بل فقط مِن أهلها الذين بقوا يعتذرون منّي بحرارة. علِمتُ منهم أنّ ابنتهم نكَرت بالبدء، لكن أمام الدلائل اضطرَّت للاعتراف بما فعلَته. مُنِعَت مِن الاتّصال بي ومِن الخروج مِن البيت.

أنا اليوم رجُل حرّ، ليس فقط مِن ارتباطي الزوجيّ، لكن أيضًا مِن حبّي لإنسانة مُجرِمة.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button