صورةٌ على حائط

لطالما رأيتُ تلك الصورة على الحائط في منزل جدّتي، إلا أنّ يومًا أتى ولَم أعُد أراها. لَم أسأل عن السبب آنذاك، لأنّني كنتُ صغيرة في السنّ، ولَم أعرِف القصّة إلا بعد ممات تلك الجدّة الحنونة والمُحبّة.

فيوم الجنازة، طلبَت منّي أمّي أن أُساعدها في الأيّام التالية على توضيب أمتعة والدتها، لأنّ كنّتها لا تُريدُ أن ترى أيّا منها. حزنتُ كثيرًا، فكيف لإنسان أن يختفي مِن الوجود هو وأمتعته بين ليلة وضحاها؟ لكنّني كنتُ أرى كم أنّ زوجة خالي شرّيرة وكم كانت تكره حماتها. كنتُ قد صِرتُ في العشرين مِن عمري، وبتُّ أفهم الديناميكيّة الموجودة داخل العائلات.

دخلتُ وأمّي غرفة جدّتي المرحومة وامتلأت عَينايَ بالدموع. لكنّني ابتسَمتُ حين فتحتُ خزانتها، إذ فحَّت منها رائحة عطرها المُعتاد الممزوج برائحة الملابس التي لا ترى الضوء كثيرًا. بدأنا بتعبئة الأمتعة في كراتين وأكياس لإعطائها لمؤسّسات خيريّة، حين رأيتُ تلك الصورة في أسفل الخزانة. أخذتُها وجلستُ على السرير وأزلتُ الغبار عنها. كانت تلك الصورة لرجُل بلباس الجيش وعلى وجهه علامات الفخر والاعتزاز. سألتُ والدتي:

 

ـ أتذكّرُ وجه ذلك الرجُل... كنتُ صغيرة حين كانت صورته مُعلّقة على حائط هذه الغرفة! هل هذا أحَد أقارب جدّتي؟

 

ـ لا، هو ليس قريبًا لنا... أو بالأحرى هو كادَ أن يصبَح من أقاربنا.

 

ـ لَم أفهَم يا ماما.

 

ـ بعد موت أبي، لبِسَت أمّي الأسود لسنوات وخالَت أنّها لن تُحبّ أبدًا مِن جديد.

 

ـ أتعنين أنّ الجنديّ في الصورة هو...

 

ـ أجل، حبيبها وخطيبها. كان جابر، وهذا إسمه، رجُلاً لطيفًا للغاية، ولقد أحبَبناه كلّنا ورأينا فيه بديلاً مُستقبليًّا لأبينا. لكنّ الأجمَل، كانت البسمَة التي اعتلَت وجه أمّنا بعد أن بكَت عَيناها زوجها.

 

ـ أكملي! أُريدُ أن أعرف كلّ شيء عن جابر!

 

ـ حسنًا، لكنّني سأتكلّم وأنا أعمَل، وكذلك أنتِ. فزوجة أخي طلبَت أن تُفرَغ الغرفة تمامًا وبأسرع وقت.

 

ـ لماذا لا تُحبّها على الاطلاق؟

 

ـ لأنّ جدّتكِ رحمها الله، لَم ترِدها زوجة لابنها لأنّها أرادَت له صبيّة أخرى. لكنّ جدّتكِ اضطَّرت للعَيش مع كنّتها في سنواتها الأخيرة بعد أن طُرِدَ ابنها وعائلته مِن مسكنه القديم. فلَم يطِعها قلبها أن يبقى خالكِ في الشارع. وسرعان ما استقوَت عليها كنّتها وفرضَت نفسها كسيّدة المكان.

 

ـ دعينا مِن هذا الموضوع... ماذا عن جابر؟!؟

 

ـ يا لكِ مِن فضوليّة! حسنًا. صارَ جابر ضيفًا شبه دائم عندنا، وكنّا ننتظره بفارغ الصبر لأنّه كان يجلبُ لنا السكاكِر ويُلاعبُنا. آه... لو رأيتِ الفرح على وجه أمّنا! تكلّمَ الناس عنها وعن جابر لأنّه كان يزورُنا وهي أرملة، إلا أنّها لَم تكترِث لهم، لأنّ جابر خطبَها وهما حدّدا موعد عقد القران. عندها كان الكلّ سعيدًا... إلى حين طُلِبَ الحبيب للتعبئة العسكرية. وهكذا ذهَبَ جابر إلى الخدمة واعدًا بالعودة بعد فترة ليست طويلة. لكنّه لَم يعُد.

 

ـ يا إلهي... هل أنّه مات؟!؟ يا للبطَل!

 

ـ هو لَم يمُت أثناء أيّة معركة، بل فقط أثناء تمرين جدّيّ ليحصل الفيلَق الذي ينتمي إليه على مُساعدة دولة أجنبيّة. ماتَ جابر خلال التمرين... بالرصاص الحَيّ.

 

ـ الأمر سيّان... المسكين... والمسكينة جدّتي!

 

ـ أجل... هي لبسَت عليه الأسود هو الآخَر، وبكَته بحرارة. فهو كان فرصتها الأخيرة لإيجاد الحبّ والسعادة. بعد ذلك، لَم نرَها إلا حزينة وبدأت صحّتها بالتراجع. مرّت السنوات على هذا النحو، وكبرنا ودرَسنا وتزوّجنا ورحَلنا مِن البيت. أمّا أمّنا، فبقيَت لوحدها مع ذكرياتها وتلك الصورة، الوحيدة التي تملكها لجابر.

 

ـ أتذكر الصورة جيّدًا. لكن لماذا نزعَتها جدّتي عن الحائط ووضعَتها في قعر الخزانة... ووجه جابر إلى الأسفل؟ ألَم تعُد تحبّه أم أنّها تخطَّت مرحلة حزنها عليه؟

 

ـ الناس ليسوا كما يدّعون، يا حبيبتي وأرجو ألا تتعرّفي على هكذا بشَر.

 

ـ ماذا تعنين؟

 

ـ جابر... لَم يكن كما تصوّرنا، للأسف. ما لَم أقُله لكِ، هو أن أمّي كانت تصرفُ عليه مِن الذي ورثَته مِن أبي. فالمرحوم ترَكَ لها مبلغًا لا بأس به مِن المال، وراتبًا شهريًّا بقيَت تقبضه مِن الشركة التي عمل فيها لسنوات.

 

ـ صرفَت على خطيبها؟ ألأنّ راتبه في الجيش كان ضئيلاً؟

 

ـ أجل... ولأنّه كان جشعًا. فطلباته كانت تزيدُ مع الوقت، لنفسه ولأهله الفقراء. للحقيقة، لَم نرَ يومًا أيًّا مِن هؤلاء الناس، بل سمِعنا عنهم فقط وعن مشاكلهم المادّيّة والصحّيّة. وجدّتكِ كانت تُساعدهم جميعًا لأنّها أحبَّت جابر كثيرًا.

 

ـ مُساعدة مَن هم بحاجة هو واجب علينا يا ماما... أليس هذا ما علّمتِه لي؟

 

ـ بلى، لكن إن هم كانوا أوفياء للمعروف. على كلّ الأحوال، جدّتكِ لَم تعرِف آنذاك حقيقة جابر بل خالَته أحبَّها بالفعل.

 

ـ هو لَم يُحبّها فعلاً؟

 

ـ للآسف لا... فهو لَم يمُت.

 

ـ ماذا؟!؟ يا للقصّة المُشوّقة! أكملي!

 

ـ أذاعَ ذووه خبَر موته بناءً على طلَبه. ولَم تتحقّق أمّنا مِن الأمر لدى الجيش بل صدّقَت ما قيل لها. أمّا في الحقيقة، فكانت تلك طريقة جابر للتخلّص مِن جدّتكِ والعَيش كما يحلو له مع حبيبته الحقيقيّة.

 

ـ كانت له حبيبة أخرى؟!؟

 

ـ أجل، فبالمال الذي جمَعه مِن أمّنا، إستطاعَ تأسيس عائلة بينما كانت جدّتكِ تبكيه.

 

ـ وكيف هي أكتشفَت أنّ خطيبها لا يزال على قيد الحياة؟

 

ـ لستُ أدري... فذات يوم رأيتُ أنّ صورة جابر لَم تعد على الحائط، فسألتُ أمّي عن الأمر. هي لَم تكن تشأ إخباري، إلا أنّني أصرَّيتُ عليها كثيرًا. عندها، قالَت لي إنّ جابر حَيّ يُرزَق ومُتزوّج وله أولاد. للحقيقة، هو يسكنُ ليس بعيدًا مِن هنا.

 

ـ المسكينة جدّتي... وماذا فعَلت بعد ذلك؟

 

ـ فاجأتني كثيرًا... فهي راحَت ذات يوم تدقُّ باب جابر لترى بنفسها إن كان ما سمعَته حقيقيًّا، وهو فتَحَ لها الباب شخصيًّا. كانت قد مضَت سنوات كثيرة، وكان حزن جدّتكِ قد أثَّرَ على مظهرها إذ كثُّرَ الشَيب في رأسها والتجاعيد في وجهها، لِذا هو لَم يعرِفها على الفور. لكن بعد أن حدَّقَ في عَينَيها، تلبَّكَ وأرادَ إقفال الباب في وجهها، إلا أنّها صرخَت به: "إيّاكَ أن تفعل! لا تخَف، لَم آتِ لإحداث فضيحة بل لأرى المُنافِق الذي استغلَّ طيبتي وعواطفي ودمَّرَ سنوات مِن عُمري... كَم أنّكَ نذل... عُد إلى الداخل حيث عائلتكَ، فلقد اشمأزَّيتُ منكَ."

 

ـ مشهد بالفعل صعب... وبعد ذلك؟

 

ـ بعد ذلك تغيّرَت جدّتكِ كثيرًا، إذ صارَت قاسية ومُتعجرفة حتّى معنا، وكأنّها لَم تعُد تجرؤ على حبّ أحَد.

 

ـ لكنّها كانت لطيفة معنا.

 

ـ أجل، مع الصغار فقط، أمّا بالنسبة للكبار، فلَم تتردّد على أذيّتهم بالكلام وكأنّها تنتقم مِن خلالهم مِن جابر.

 

ـ ألهذا السبب هي كانت على خلاف مع زوجة خالي؟

 

ـ كما قلتُ لكِ في أوّل حديثنا، أمّي لَم تكن تريدُها لإبنها لاعتبارات شخصيّة، لكن بعد الزواج جرَت الأمور جيّدًا بين المرأتَين. إلا أنّ حين احتاج أخي وعائلته لمسكَن، طالبَت بهم جدّتكِ ليس فقط حبًّا لإبنها، بل أيضًا لتنكيد حياة زوجته.

 

ـ أمرٌ لا يُصدَّق! جدّتي تفعل ذلك؟!؟

 

ـ للأسف... فهي أقنعَت أخي في فترة مِن الفترات أنّ زوجته قد تكون على علاقة برجُل آخَر، الأمر الذي تسبَّب لهما بشجارات عنيفة أوصلتهما إلى شفير الطلاق. فبنظر أمّي، كلّ الناس باتوا خوَنة أو على الأقلّ كاذبين. علِمَت زوجة أخي أنّ حماتها هي التي تبثُّ الأقاويل ضدّها، وبدأَت الحرب بينها وبين أمّي. ومرَّت فترات عنيفة جدًّا لَم تعرفي بها، حيث اضطرِرتُ وأخوَتي للتدخّل. بعد ذلك، قرّرَت زوجة أخي أن تسحَق حماتها.

 

ـ أمر خطير! لَم أكن أعلَم أنّ جدّتي كانت حماة شرّيرة!

 

ـ تحوّلَ قلب أمّي إلى حجر وبقيَ كذلك حتّى مماتها.

 

ـ لكنّها لَم ترمِ صورة جابر.

 

ـ للحقيقة حسبتُها رمَتها، فلَم أرَها منذ زمَن بعيد. قد تكون أمِلَت أن يعودَ إليها يومًا أو على الأقلّ أن يكون لا يزال يُحبّها.

 

ـ يا للقصّة الحزينة! فالجميع، ما عدا جابر هذا، عانى مِن حبٍّ لَم يكن موجودًا في الأصل.

 

ـ أجل، كذب واحتيال بغرَض المنفعة... أمّي بكَت موته ومِن ثمّ زواجه، ونحن أمِلنا أن يكون أبًا لنا ثمّ فقدنا أبًا ثانيًا. وزوجة أخي رأت زواجها على شفير الهاوية، فاضطرَّت لمُجابهة الاعتداءات بالسلاح نفسه. مُصيبة حقًّا.

 

ـ لا أدري ما عليّ الاستخلاص مِن هذه القصّة... مُعطيات عديدة لَم أحسِب حسابها، وجدّة خلتُها قمّة اللطف والمحبّة.

 

ـ إستخلصي أنّه لا يجب على الانسان أن يُحبّ مِن دون استعمال عقله والمنطق، وألا يجعل الناس تدفع ثمَن أخطاء غيرها. التعلّق المُفرط بإنسان واحد وبناء حياة وآمال حوله وحده هو أمر خطير. فعندما نخسَر هذا الانسان بطريقة أو بأخرى... ماذا سيبقى لدَينا في هذه الحالة؟ لا شيء سوى الندَم أو الحزن أو المرارة.

 

ـ الحبّ جميل يا ماما!

 

ـ أجل، وباستطاعة القلب أن يُحبّ عددًا لا يُحصى مِن الناس والأشياء والحيوانات. أحِبّي يا ابنتي لكن أحِبّي نفسكِ أوّلاً، ليس بطريقة أنانيّة بل لبناء أساسات قويّة لشخصيّتكِ وطريقة رؤيتكِ للحياة والناس.

 

ـ لَم أعهدكِ تملكين هكذا فلسفة يا ماما.

 

ـ جابر، مِن دون أن يعلَم، حملَني على امتلاك هذه الفلسفة ولقد استفَدتُ كثيرًا منها. يا لَيت أمّي فهِمَت ذلك أيضًا.

 

ـ رحمها الله.

 

ـ هيّا نُكمِل جمع الأمتعة.

 

ـ هل أستطيع أخذ صورة جابر؟

 

ـ لماذا؟!؟ يا للطلب غريب!

 

ـ لأتذكّر قصّة جدّتي ولا أنسى فلسفتكِ، وكي لا أصبح قاسية القلب يومًا.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button