كان زوجي قد حصل أخيراً على ترقية في عمله وكنّا جميعاً فرحين خاصة أنّ هذه القفزة قد تُنتج أيضاً بنقلِه إلى بلد آخر. كنتُ قد سئمتُ من العيش هنا وحلمي بأن يكون لنا حياة أفضل كان قد تحقّق. وجاء خبر النقل وقررنا أن نذهب مع زوجي إلى فرنسا خلال الفرصة الصيفيّة لنرى كيف ستسير الأمور وإن لم نتأقلم أنا والأولاد بعد بضعة أشهر يمكننا الرجوع وإكمال العيش هنا. فطلبتُ من أختي هيام المكوث في بيتنا للإنتباه عليه وعلى محتوياته كونها عزباء ومتفرّغة. قَبِلَت بسرور وذهبتُ إلى أوروبا مطمئنّة البال. وصلنا إلى باريس وإندهشتُ لرؤية كل هذا الجمال وشعرتُ أنني سأكون سعيدة في مكان كهذا وهذا كان أيضاً الحال مع زوجي وأولادي.
ولكن في هذه الأثناء كانت تحدثُ أمور في بيتي وتحتَ إشراف شقيقتي العزيزة التي وثقتُ بها. هل كنتُ أعتقد أنني كنت أعرفها جيّداً؟ نعم. ولكنّ إتّضح لي أنني كنتُ أجهل عمق تلكُ الإنسانة.
كانت هيام ما زالت تدرس في الجامعة وكانت على وشك أن تتخرّج كمُخرجة وكان لها أصدقاء كثر أعرف البعض منهم وكنتُ أجدهم غريبي الأطوار ربما لكونهم فنّانين. ولكن تقديري كان خاطئاً فليس كل من يتعاطى التمثيل يكون هكذا. وفي غيابنا عن البيت كانت شقيقتي قد بدأت تدعو معارفها ليس فقط إلى العشاء بل إلى المكوث عندنا لأيّام طويلة. فسرعان ما أصبح المكان مليئاً بالناس والفوضى تعمّ في كلّ أرجاءه ناهيك عن السهرات الصاخبة التي أقامتها والتي كانت تدوم حتى الصباح. ولم تعُد تذهب إلى كليّتها لكثرة إنشغالها بإقامة الحفلات. وبعد بضعة أسابيع تضايق الجيران من الضجّة وعدد الشبان والبنات الذين كانوا يترددون إلى الشقّة فطلبوا الشرطة. وهنا كانت المفاجأة الكبرى. ففي ذات نهار جاءني إتصال على هاتفي من قِبَل مفتّش في البوليس يطلب منّي القدوم فوراً إلى البلد للتحقيق. وما أخبرني جمّدَ الدم في عروقي. فهيام لم تكتفِ بإقامة التجمّعات الترفيهيّة لأصدقائها بل كانت تؤجرّ غرف البيت لمن يرغب بإقامة علاقات جنسيّة وتبيع "نزلائها" المخدّرات أيضاً. لم أصدّق طبعاً هذا الكلام ولكنني أخذتُ أوّل طائرة لأرى ما حقيقة الأمر ولم أخبر زوحي بشيء لكي لا أشغلُ باله بما إعتقدته سوء تفاهم.
ولكن عندما وصلتُ إلى مركز الشرطة أروني أوراق التحقيق وإعترافات جميع الذين تمّ القبض عليهم في المنزل متلبسين. طلبتُ رؤية شقيقتي وطلبتُ لها محام ليدافع عنها ويظهر الحقيقة لأنّها في نظري كانت حتماً بريئة. فلا بدّ أن الجيران بالغوا في إنزعاجهم فكانوا جميعهم مسنّين وبعض الموسيقى هي بالنسبة لهم ضجّة لا تُحتمل.
فذهبتُ إلى سجن النساء وهناك أُذِنَ لي بمقابلة هيام. أول شيء قالته لي:
- ماذا تريدين؟ هل جئتِ لتشمتي بي؟
- أبداً حبيبتي... جئتُ أخرجكِ من هنا... ليس لديكِ فكرة عمّا يقال عنكِ... أغبياء! يظنّون أنّكِ فعلتِ أشياء بغيضة!
- هم على حق.
- ماذا تقصدين؟
- أقصدُ ما قلتُه... هم على حق بما قالوه عنّي.
- هيام! أنتِ متّهمة بتشجيع الدعارة وبيع المخدّرات!
- أجل أعلم ذلك... وهذا صحيح.
نظرتُ إليها لأرى إن كانت جديّة أو أنّها تمزح فرأيتُ فجأة ما لم ألاحظه من قبل: رأيتُ الشر في عينيها. فهي لم تبدو لي نادمة أو حتى مدركة أنها فعلت أشياء مشينة بل وكأن كل هذا كان طبيعيّاً. إمتلأت عيوني بالدموع وسألتها:
- منذ متى وأنتِ هكذا؟
- ماذا تقصدين ب "هكذا"؟ أتقصدين منذ متى وأنا لستُ مثلكِ شريفة وطيّبة؟ منذ زمن بعيد... عندما كنّا صغاراً كنتِ دائماً أفضل منّي بكل شيء... هذه طبيعتنا... هذا من أنا ولا تبحثي عن السبب. إذهبي الآن... لا أريد سماع وعظاتكِ.
ولكن ما فعلَته شقيقتي كان له تأثيراً ليس فقط عليها أو على سمعة عائلتنا بل أيضاً على عمل زوجي. فبعد أن أذيعَ الخبر وظهرَ في نشرات الأخبار ما جرى في بيتنا قررت إدارة الشركة أن تنهي عقد عملها معه تحت حجّة أن ما حدث يسيء إلى سمعة مستثمريها وصورة المؤسسة بالمجمل. ومن جرّاء هذا أصيبَ زوجي بإكتئاب عميق فبِعنا المنزل بنصف ثمنه وإنتقلنا إلى منطقة بعيدة لكي نهرب من نظرات وحديث الناس ونقلنا الأولاد من مدارسهم خوفاً من مضايقات رفاقهم.
أنا الآن أعمل في عيادة طبيب أسنان بإنتظار أن يجد زوحي عملاً والأولاد في مدرسة حكوميّة ﻷن معاشي لا يكفي لنرسلهم إلى مدرسة خاصة. أما هيام فهي ما زالت في السجن. حاولتُ مراراً أن أزورها ولكنّها كانت ترفض أن تراني وكأنني أنا المذنبة. أين أخطأتُ معها؟ حاولتُ الإجابة على هذا السؤال ولكن التفسير الوحيد الذي وجدتُه هو أنّها لطالما كانَت تغارُ منّي ومن معاملة أهلنا لي فكانا يميّزانني دائماً عنها. وأسفتُ لجميع الأولاد الذين يعانون من جهل آبائهم وأمّهاتهم فيحاولون بشتّى الطرق لفت إنتباههم فبالنهاية كل ما يريده الطفل من أهله هو الحب والرعاية والتشجيع.
حاورتها بولا جهشان