لطالما إعتبَرتُ نفسي مُميّزة، أوّلًا بسبب عائلتي التي كانت مرموقة وأمَّنَت لي الأفضل والأغلى، وثانيًا بسبب معارفي، فكبِرتُ مُحاطة بأولاد الأغنياء الذين قصَدوا المدرسة نفسها. فالجدير بالذكر أنّ الناس الذين هم مِن طبقَتي لا يُخالِطون ذوي الطبقات الأخرى، بل يبقون مع بعضهم البعض.
عندما صِرتُ مُراهِقة، عرفتُ مَن سأتزوّج، فابن فلان كان موعودًا بي لأنّ أبوَينا لدَيهما مصالِح مُشتركة، وتربطُنا صداقة متينة عمرها أجيال. لَم أُمانِع الزواج مِنه، فإلى جانب نسَبه وثروته، هو كان شابًّا ذا ملامِح مقبولة. لذلك، لَم أُفكِّر أبدًا بالحبّ وبالشبّان، بل تابَعتُ دراستي مُحاطة بصديقات عديدات. لَم أحسِب حساب الصدَف أو القدَر، وكيف تحصلُ لنا أمورٌ لَم تخطر على بالِنا، وبإمكانها تغيير مسار حياتنا جذريًّا.
ففي أحَد الأيّام، حين كنتُ أقودُ سيّارتي، إصطدَمتُ بسيّارة أخرى. ترَجَّلتُ، وكذلك السائق الآخَر، وهو بدأ يصرخُ بي بِغضب لا يتناسَب مع قوّة الصدمة. وكان مِن الواضِح أنّه يُريدُ الاستفادة قدر المُستطاع منّي، بعدما رأى أنّ مركبي حديثة وثمينة. للحقيقة، خفتُ منه كثيرًا، وحاولتُ العودة إلى السيّارة والاتّصال بأبي، إلّا أنّه أمسَكَ بِذراعي وشدَّني نحوه. وفي تلك اللحظة بالذات، توقّفَت درّاجة ناريّة بالقرب منّا، ونزِلَ عنها شابّ قويّ البنية وأسنَدَ للسائق لكمة عنيفة أوقعَته أرضًا. ركَضتُ أختبئ خلف الدرّاج، بينما أسرَعَ السائق بالعودة إلى سيّارته والهرَب، بينما قالَ له مُنقِذي: "إيّاك أن تلمُسَ امرأة مرّة أخرى، أيّها الجبان!". نظرتُ إلى الدرّاج بامتنان وعرّفتُه عن نفسي، وهو اكتفى بالقول:
ـ أنا مَجد، ولا شكر على واجب، يا آنسة. عودي الآن إلى بيتكِ وانسي الحادِثة."
ثمّ ركِبَ درّاجته واختفى. شعرتُ بدفء في قلبي، وسألتُ نفسي إن كان خطيبي دافَعَ عنّي هكذا أمّ أنّه كان تركَني لوحدي مع السائق وهرَب. ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ أحلمُ بِمَجد ليلًا نهارًا، بمروءته ووسامته... ودرّاجته. فحتّى ذلك الحين، لَم أرَ درّاجة أو درّاج عن قرب، بل اعتبرتُهم كلّهم مِن طبقة اجتماعيّة لا تليقُ بي وبعائلتي ويصدرُ عنهم سلوك لا يُشبهُنا، وها أنا أُغيّرُ رأي في الموضوع!
مرَّت الأشهر مِن دون أن يحدث شيء، إلى حين رأيتُ عن بعد... درّاجي مَجد! أوقفتُ سيّارتي بسرعة، وخرجتُ منها راكضة إلى الذي أنقذَني والذي كان موجودًا أمام محلّ للحلوى. وقلتُ له مِن دون مُقدِّمة:
ـ هذا أنتَ! أتتذكّرُني؟ أنا التي...
ـ بالطبع أتذكّرُكِ.
ـ أرَدتُ... أرَدتُ أن أشكُرَكَ، فأنتَ بالفعل بطَل!
ـ بطَل؟ هاهاها! لقد فعلتُ ما كان لِيفعله أيّ رجُل يستحِقُّ هذا اللقَب.
ـ تمامًا... وما أقلَّهم!
ـ لا شكر على واجِب، يا آنسة.
ثمّ أدارَ وجهه وبدأ يأكل قطعة مِن الحلوى. وقفتُ قُبالته بِصمت وأنا أتفرَّج على قوامه القويّ ودرّاجته العملاقة. ثمّ قلتُ له بِخجَل:
ـ درّاجتُكَ جميلة... هل هي سريعة أيضًا؟
ـ بالطبع!
وبدأ مَجد يصِفُ لي طرازها وقوّة مُحرّكها، وهي أمور لَم أفهَمها بالطبع، لكنّني هزَزتُ برأسي. ثمّ أضَفتُ:
ـ وهل أنّ مَن يركبُ معكَ الدرّاجة يكون بأمان؟ أقصد بسبب السرعة؟
ـ هاهاها... يبدو أنّكِ تُريدين الذهاب بِنزهة على مَتنها... أليس كذلك؟
ـ لا... أقصد... بلى... أعني لو قبِلتَ طبعًا، لكن مِن دون أن تسرَعَ، بل فقط حول مجموعة تلك المحلّات!
ـ إصعدي.
لزِمَتني مُحاولات عديدة للركوب على الدرّاجة والتمكّن مِن إيجاد توازني، إلّا أنّني اعتلَيتُها بِفخر أخيرًا. أدارَ مجد المُحرِّك وقادَ ببطء... في البدء! ثمّ بدأ يُسرِع وأنا أصرخ مِن الخوف، فتمسّكتُ به بينما هو بقيَ يضحكُ عاليًا.
لَفَّينا مجموعة المحلّات ثمّ أعادَني مَجد حيث كنّا قائلًا: "ترجَّلي، فيكفيكِ ما مرَرتِ به مِن خوف". للحقيقة، شعَرتُ بِنشوة لَم أعرِفها مِن قَبل، لِذا، قلتُ له: "غدًا في المكان والوقت نفسه؟ ". إبتسَمَ مَجد ووافقَ.
لَم أُخبِر أحَدًا عن مُغامرتي على الدرّاجة أو عن سائقها، وإلّا وبّخَّني أهلي وذكّروني ابنة مَن أكون. لَم أنَم في تلك الليلة طبعًا مِن كثرة حماسي لليوم التالي.
رأيتُ مَجد كما إتّفقنا، وكذلك في الأيّام التي تلَت، فركِبنا الدرّاجة في أماكن عديدة. كنتُ سعيدة لِدرجة لا توصَف ولَم أحتَج للمزيد. أمّا بالنسبة لِمَجد، فهو الآخَر كان يستمتِع بِصحبتي، لكنّه لَم يشأ إزعاجي بأيّ سؤال شخصيّ. إلّا أنّنا كنّا نتبادَل الأحاديث حول الحياة والناس، ووجَدتُه إنسانًا عميقًا ومُتّزِنًا، وتنبعِثُ منه ثقة بالنفس لا توصَف.
بدأَت حياتي تتغيّر، إذ أنّني شعرتُ أنا الأخرى بالثقة بالنفس، إذ لطالما كنتُ "الطفلة المُدلّلة"، فصِرتُ أصِرُّ على القيام بالكثير مِن الأمور لوحدي، وأُنجِزُها. هل السبب كان السِرّ الذي جمَعَ بيني وبين غريبٍ ودرّاجته؟ أم لأنّني اجتَزتُ الممنوع بِجرأة غير مسبوقة؟ أم لأنّ السرعة والتشويق والمُغامرة والمُخاطرة فتحَت أمامي أبوابًا جديدة؟ لا أملكُ الجواب، للصراحة.
تخرَّجتُ مِن الجامعة وأرادَ أبي أن أعمَلَ معه في شركته، لكنّني رفضتُ ذلك، الأمر الذي أغضَبَ خطيبي، فكيف لي أن أعمَل لدى غرباء في حين لدَيّ مَن يؤمِّن لي مُستقبلًا أكيدًا؟ لَم أرُدّ عليه أو على أحَد، بل رحتُ أتمرَّن في البدء في شركة صغيرة، ثمّ انتقَلتُ إلى شركة أكبَر بعدما صارَت لي بعض الخبرة. شعَرَ أهلي بالتغيّر الذي يحدثُ في داخلي مِن خلال تصرّفاتي، لكنّهم لَم يستطيعوا توبيخي لأنّني لَم أفعَل شيئًا محظورًا أو غير لائق. لِذا، قرَّرَ أبي أنّ الوقت حان لأتزوّج. عندها، هو ذُهِلَ بالذي قلتُه له:
ـ أتزوَّج مِن خطيبي الذي أنتَ أختَرتَه لي؟ كيف ذلك؟ وهل أنتَ مَن سيعيشُ معه لِسنوات لا تُحصى؟
ـ بالطبع لا!
ـ إذًا كيف تختاره نيابةً عنّي؟
ـ لأنّني أعرفُ ما يُناسبُكِ.
ـ حسنًا... تعرفُ ما يُناسبُني... كيف؟ ماذا تعرِف عنّي؟ قُل لي، هيّا!
ـ لَم أفهَم!
ـ ما طبَقي المُفضّل؟ أيّ نوع موسيقي أُحِبّ؟ ماذا عن أحلامي؟ أحزاني؟ ما لوني المُفضّل؟
ـ لا أدري!
ـ تمامًا. أنتَ لا تعرفُني وتقولُ إنّ خطيبي مُناسِب لي. بل هو مُناسب لكَ أنتَ! ولذلك، لن أتزوّجه! ولا تعتقِد أنّني سأُغيّر رأيي إن مارَستَ أيّ ضغط عليّ، فكما برهَنتُ لكَ للتوّ، أنتَ لا تعرفُني!
نظَرَ أبي إليّ بِذهول، ليس فقط لأنّه خافَ مِن إصراري، بل أيضًا لأنّه استوعَبَ أنّه بالفعل لا يعرفُ شيئًا عنّي، لأنّه لَم يُحاوِل يومًا أن يفعل، بل خالَ أنّ دوره هو فقط جَلب المال لي.
فسَختُ الخطوبة، وصِرتُ لأوّل مرّة منذ مُراهقتي إنسانة حرّة. أضيفوا إلى ذلك عمَلي في غير شركة والِدي، فأصبحتُ شابّة مُستقِلّة تعرِفُ ما تُريد، وما هو أهمّ: ما لا تُريد!
وفي تلك الفترة، قلتُ لِدرّاجي المُفضّل يوم التقَينا كالعادة:
ـ إنّها نُزهتي الأخيرة معكَ... لأنّني وصَلتُ إلى حيث كنتُ ذاهبة... وكان المشوار مُفيدًا للغاية. أشكرُكَ يا مَجد، فلولاكَ لَبقيتُ فتاة مُدلّعة وسطحيّة تتّكِل على الآخرين لإدارة حياتها. جعَلتَ منّي إنسانة أخرى واحترَمتَ حياتي وخصوصيّاتي. لَم تطلب منّي يومًا شيئًا، بل أنقَذتَني مرّتَين. أنتَ إنسان عظيم!
ـ وأنتِ وردة غالية، رقيقة وجميلة... كانت تنقصُكِ الشوكات لِتسيري في حياتكِ بقوّة وعَزم. لستُ خائفًا عليكِ بعد الآن... إذهبي بسلام.
ـ لن أنساكَ.
ـ أعلَمُ ذلك. الوداع.
بالفعل لَم أنسَ مَجد، بل أخبَرتُ ابنتي عنه عندما كبرَت وصارَت مُراهِقة، وكذلك أباها، الرجُل الذي أحبَبتُه واختَرتُه بنفسي وتزوّجتُه. أنا اليوم امرأة سعيدة، ليس فقط مِن الخارج، لكن حقًّا مِن الداخِل، فليس هناك مِن سعادة أكبَر مِن أن يرسم الإنسان حياته بِيَده، ويخطوها بِعزَم ويُحقِّق أحلامه بِتعَبه وعرَق جبينه. تغيَّرَ مسار حياتي على متن درّاجة ناريّة وسائق يفهَم الحياة والناس. وهو قادَني بِصمت على طريق حياتي، ووجوده القويّ معي أعطاني الثقة بأنّ كلّ شيء مُمكِن إن أرَدناه.
لَم أرَ مَجد بعد ذلك اليوم، ولو صدفة. كان الأمر وكأنّه تبخَّرَ، وتخايَلَت لِفترة أنّه لَم يوجَد قط، بل أنّه حُلم عشتُه، قصّة ابتكرتُها في خيالي. لكنّه كان حقيقيًّا، بل عرِفَ كيف ومتى ينسحِب مِن حياتي، تمامًا كما دخلَها، بلحظة.
حاورتها بولا جهشان