زوجي قتَلَ ابننا!

حين أُصيبَ ابني الوحيد بداء خطير، حسبتُ وزوجي أنّه قد التقطَ الإنفلونزا كسائر أولاد سنّه الذين يُخالطون رفاقهم في المدرسة. إلا أنّ حالته تفاقمَت، وحين قالَ لنا الطبيب إنّه بحاجة إلى مشفى، وقَفنا في حيرة مِن أمرنا. فالحقيقة أنّ حالتنا المادّيّة كانت رديئة ولا نملكُ أيّ تغطية صحّيّة. طلبتُ مِن رامز زوجي أن يأخُذَ سلفة مِن ربّ عمله لكنّه أجابَني:

 

- الرّجُل لَم يعُد يُعطيني سلفات، فلقد سبَقَ أن أخذتُ منه الكثير مِن المال على مرّ السنين. لِما لا تبيعي حُلاكِ؟

 

رحتُ أبيع كلّ ما لدَيّ، لكنّه لَم يكنكافيًا على الإطلاق، فحُلايَ كانت تقتصرُ على سلسلة وخاتم مِن الذهب. إذًا إكتفَينا بعلاج طبيب العائلة، وأمِلنا أن يفي ذلك بالغرَض ويستعيدَ صغيرنا عافيته. إلا أنّ المسكين فارَقَ الحياة بعد فترة.

مَن منكم لَم يفقِد ولدًا لن يعرفَ ما حلَّ بي، لِذا لن أدخُل في تفاصيل ألَمي وبكائي ويأسي. إعرفوا فقط أنّني فكرّتُ بالانتحار، لكنّني إنسانة مؤمنة وقبِلتُ بمصيري بانتظار الموت الذي أردتُه قريبًا. رامز هو الآخر حزِنَ كثيرًا إلا أنّ الرجال، خاصّة الشرقيّين منهم، يُخفون تلك المشاعر داخل قلبهم. ساندَني بعض الأهل والجيران، ولبستُ الأسوَد لمُدّة لَم أُحدِّدها إذ قد تطولُ مدى العُمر.

مرَّت حوالي السنة وأنا أعيشُ مِن قلّة الموت، حين نُقِلَت حماتي إلى المشفى. رحتُ أزورُها وأُسلّيها، فالابن الذي هي تعيشُ معه كثير الانشغال وكذلك زوجته. وفي سياق الحديث بيني وبين العجوز، قالَت لي:

 

ـ كَم أنّني محظوظة برامز زوجكِ وبكِ أيضًا. أجل، أنتِ بمثابة ابنتي. فلولاه لمَا استطعتُ دخول المشفى.

 

ـ ماذا تعنين يا حماتي؟

 

ـ هو دفَعَ ويدفَع كامل مصاريف علاجي.

 

ـ زوجي يدفَع مصاريف علاجكِ؟!؟ ومِن أين له المال؟

 

ـ رامز يضعُ ماله معي ويطلبُ منّي عدَم إفشاء سرّه لأحد. فهذا المال مُخصَّص حصريًّا لمُداواتي... تعرفين كَم أنّه مُتعلّقٌ بي.

 

حاولتُ المُحافظة على هدوئي، بينما تقولُ لي حماتي إنّ زوجي كان لدَيه المال الكافي لإنقاذ ابنه ولَم يستعمله. هل هذا مُمكن أم أنّ العجوز فقدَت عقلها؟!؟ إنتظرتُ بفارغ الصبر عودة رامز مِن عمله وفي داخلي نار غضب لا يوصَف، فشيء قال لي إنّ العجوز حكَت الحقيقة. وفور وصوله، سألتُ زوجي عن الموضوع، وهو قال لي:

 

ـ صحيح ما قالَته أمّي، فلقد اتّفقتُ مع أخي أن يأخذها لتعيشَ معه مُقابل اهتمامي ماليًّا بصحّتها.

 

ـ ماتَ وحيدُكَ لأنّكَ لَم تدفَع مصاريف علاجه! أتفهَم ما يعني ذلك؟ ماتَ؟!؟

 

ـ إسمعي... لدَي أمّ واحدة، أمّا الأولاد، فيُمكنُنا إنجاب ما شئنا منهم.

 

ـ لا أُصدّق ما أسمعُه! هل أنا وسط كابوس رهيب أم أنّكَ بالفعل تفرَّجتَ بقلب بارد على إبنكَ وهو يموتُ مِن دون أن تُحرّك ساكنًا؟

 

ـ حزنتُ كثيرًا عليه، فهو ابني. لكنّها أمّي وهي التي أنجبَتني وربَّتني واهتمَّت بي. هل أدَعها تموت؟

 

ـ إبنُكَ مرضَ قبلها فله الأولويّة. ماذا لو لَم تحتَج أمّكَ يومًا إلى مشفى أو علاج بل ماتَت فجأة؟ ماذا لو أنقذَت ابنكَ وحين مرضَت أمّكَ وجدتَ المال لعلاجها؟ كيف كنتَ ستواجه ذلك؟

 

ـ لا حاجة للافتراضات، أمّي الآن في المشفى وكنتُ مُحقًّا بإبقاء مالي لها.

 

ـ حسنًا... سأرحلُ بعيدًا عنكَ مِن دون أن أنظُر ورائي، فلقد خسرتُ وحيدي والآن خسرتُ زوجًا بل صورة زوج. ستنال جزاءكَ، كن واثقًا مِن ذلك. فليس لدَيكَ الحقّ لتختار مَن يعيش ومَن يموت. وحده الله له هذا الحقّ. ألعنُكَ يا رامز، ألعنُكَ!

 

أخذتُ أمتعتي ورحتُ إلى أهلي الذين صُعِقوا لخبَر تلكّؤ رامز عن إنقاذ ابني الحبيب، وشتموه ومنعوه مِن الاتّصال بي أو بهم. وسرعان ما علِمَ الجيران والناس أجمَع بما فعلَه أو لَم يفعله هذا الأب لابنه.

بعد ذلك، تركَت حماتي منزل ابنها الآخر وراحَت تعيش في البيت مع رامز كَي لا يبقى لوحده. لا أدري ما جرى بينهما مِن حديث، لكنّني مُتأكّدة مِن أنّ العجوز لَم تحسِب حساب موت حفيدها بسببها، ولا بدَّ أنّها لامَت زوجي السابق. فالجدّات تُحِبنَ أحفادهنّ أكثر مِن أولادهنّ... أو هكذا حسبتُ.

وجدتُ بسرعة عمَلاً كي أنسى حزني على إبني وخذلاني مِن زوجي، وبالفعل صارَت معنويّاتي أفضل. بالطبع لَم أنسَ وحيدي، لكنّني بقيتُ أبكيه ليلاً في سريري بدلاً مِن اليوم بكامله.

مِن جانبه، عاشَ رامز مع أمّه التي ضحّى بابنه مِن أجلها. لكنّ الخالق العادل والذي يعرفُ ما في القلوب والعقول، قرَّرَ أن يُعاقب زوجي السابق وهو لا يزال في هذه الدنيا، الأمر الذي أعطاني أملاً بأنّ المُجرم يُحاسَب أمام أعيُننا. فحصَلَ أن وقَعَ رامز ضحيّة حادث في عمله، وبالرغم مِن أن أرباب عمَله قاموا بدفع كامل مصاريف علاجه، لكنّهم استغنوا عنه كَونه لَم يعُد قادرًا على القيام بواجباته. لِذا وجَدَ نفسه عاطلاً عن العمَل يُعاني من إعاقة جسديّة تمنعُه مِن مُزاولة مهنة كالتي كان يشغلها. بعد ذلك، عانى رامز مِن الفقر هو وأمّه، وراحَ يمدّ يدَه لأخيه الذي أوصَدَ بابه في وجهه، فماله كان لزوجته وأولاده حصرًا!

عندها إتّصَلَ رامز بي وبكى عبر الهاتف وهو يروي لي ظروف حياته الحاليّة، وعدَم تمكنّه مِن إيجاد المال لشراء الدواء لأمّه أو حتى تأمين أبسط الأمور الحياتيّة كالأكل والشرب. شرحتُ له أنّ ما يحصل له ليس إلا عقابًا، لكنّه قال:

 

ـ ما هذه الشعوذات؟!؟ وهل أنّ كلّ ما يجري لنا مصدره الله؟ إنّها صدفة مؤسفة ولا أكثر. ألا يتعرّض الناس لحوادث كلّ يوم؟

 

ـ عنادكَ وكبرياؤكَ لن يُفيدانكَ أبدًا. لقد تسبَّبتَ بموت ابنكَ ولن يذهب فعلكَ في مهبّ الريح. هل نسيتَ أنّني لعنتُكَ؟ ولعنة الأم المفجوعة بألف لعنة!

 

ـ إنّكِ مجنونة! هيّا، أعطِني بعض المال، فلقد علِمتُ أنّكِ تعملين وتجنين مبلغًا لا بأس به.

 

ـ لَم أعُد زوجتكَ، هل نسيتَ ذلك؟ ولا أُعطي المال للمُجرمين. هيّا، أخرُج مِن حياتي إلى الأبد! يا لوقاحتكَ!

 

وبعد أن أقفلتُ الخطّ، حظرتُ زوجي السابق على هاتفي وتابعتُ حياتي، لكن ليس مِن دون أن أفرَح ضُمنًا لِما آلَت إليه ظروفه. قد تجدون ردّة فعليّ عدائيّة، لكن تذكّروا خسارتي الجسيمة والتي لن تُعوَّض يومًا.

ثمّ سمعتُ أنّ حماتي السابقة تركَت بيت رامز للعودة إلى إبنها الآخر حيث سيهتموّن بها بشكل أفضل، ولَم ألُمها فالعجوز بحاجة إلى رعاية وعلاج دائم. لكن ما حصَلَ لاحقًا بانَ أمورًا كانت مخفيّة بشكل مُتقَن.

فبعد حوالي السنة، ماتَت أمّ رامز أثناء نومها وبكاها إبناها طبعًا. لكن عندما أرادا ترتيب أمتعتها، وجدا مذهولَين في حقيبة مخصّصة للأدوية مبلغًا ضخمًا مِن المال. عندها إنهارَ رامز كُليًّا بعد أن استوعَبَ أنّ لا لزوم كان للتضحية بابنه مِن أجل أمّه التي لَم تكن فعلاً بحاجة إلى المال. وعندما أٌفكِّر بالذي خبّأته حماتي السابقة عن الجميع، أرى أنّه كان بدافع الأنانيّة والمكر، خاصّة أنّها هي الأخرى تركَت حفيدها يموت بدلاً من إعطائنا المال اللازم لإنقاذه. يا للعائلة المُحبّة! فلا عجَب أن يكون رامز معدوم العاطفة والمسؤوليّة إلا تجاه أمّه، أمّه التي عرفَت كيف تُربّيه ليبقى ساهرًا عليها.

أخَذَ رامز حصّته مِن مال أمّه وقصَدَ ميتمًا قريبًا منّا ووهبَهم ذلك المال، مُعتبرًا أنّه بذلك يُصلِح ما حصَلَ لابنه. ومع أنّ ذلك لن يُعيدَ لي وحيدي، فقد وجدتُ تلك الخطوة جميلة وتنمُّ عن إدراك وتوبة.

لكنّ ذلك لَم يكن كافيًا، فما ينقصُ كان أن أُسامحَ رامز، ولن يحصل ذلك أبدًا! فليُسامحه الله إن شاء لكن أنا، أبدًا! حاوَلَ رامز الحصول على مُسامحتي مرارًا بقرع بابي والاستغاثة بمعارفي لتغيير رأيي، لكن مِن دون جدوى.

 

كنتُ سأبقى على قراري لولا ما جرى بعد سنوات قليلة. فرامز لَم يجِد عملاً جيّدًا بل أعمالاً صغيرة وغير مُربحة، وعاشَ في القلّة وصارَ يتعاطى الكحول، حتمًا لينسى واقعه... وخاصّة ماضيه. وهكذا حياة لا تودي سوى لِما هو أبشَع من ذلك، فهو قضى بضع ليالٍ في السجن بسبب سكره وافتعاله المشاكل مع العديد مِن الناس. أظنُّ أنّه لَم يعُد قادرًا على التحمّل، لِذا قرَّرَ إنهاء عذابه بنفسه، فأقدم على الانتحار.

للحقيقة لَم أشعرُ براحة لدى سماع خبَر موته بل العكس. فالأمر ليس كما نتخيّلُه، وانتحار رامز لَم يُعِد لي ابني بل تركَني مع مرارة عميقة، وهي أنّني عشتُ وسأعيشُ وفي داخلي غضب، الغضب نفسه الذي رفضتُ غسله بالمُسامحة، وها قد فاتَ الأوان لذلك. ماتَ رامز آخذًا معه رجائي الوحيد. أعلَم أنّ ما أقوله صعب الاستيعاب، فكيف يُسامحُ الإنسان مَن قتَلَ ولده؟ لكن صدّقوني، لَم أرتَح قط منذ موت زوجي السابق، بل تضاعفَ حزني ويأسي وصرتُ أعيشُ وكأنّني لستُ موجودة على هذه الأرض.

إعلموا أنّ المُسامحة هي قمّة الإنسانيّة وتُفيدُ صاحبها أوّلاً وأخيرًا. لكنّ المسامحة أمر صعب للغاية، ولهذا السبب نرى أنّ أنقياء القلوب هم نادرون جدًّا.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button