رسائل أمي

قضيتُ قسمًا مِن حياتي أنتظرُ عودة أمّي، وكَم مِن الصعب على ولد صغير فقدان حنان ووجود التي اعتادَ على دفئها بعدما قضى تسعة أشهر في بطنها على وقع دقّات قلبها. أجل، تركَتني والدتي في مكان حيث يُترَك فيه الأولاد: المَيتم. إلا أنّني كنتُ أتميّز عن باقي الأولاد بشيء واحد: لَم أكن يتيمًا بل لدَيّ أمل باستعادة وضع لن يعرفوه هم يومًا. لِذا صبرتُ وانتظرتُ وأملتُ وصلَّيتُ.

يوم أوصلَتني أمّي إلى المَيتم كنتُ في الثالثة مِن عمري، ولَم أُدرك طبعًا ما كانت طبيعة ذلك المكان بل فرِحتُ لرؤية هؤلاء الأولاد الذين اعتبرتُهم رفاق لعب وحسب. بالكاد أذكرُ ما قالَته لي والدتي قبل أن تديرَ ظهرها وترحَل: "كنّ صبيًّا هادئًا يا حبيبي سأعود لآخذكَ بعد فترة قصيرة". ثمّ أخذَتني سيّدة مِن يدي وقادَتني إلى غرفة كبيرة، ودلَّتني على سريري وعلى خزانة حيث وضعَت أمتعتي. بعد ذلك، عدتُ معها إلى قاعة اللعب، وتعرّفتُ إلى صبيان عديدين تفاوتَ عمرهم بين الثالثة والعاشرة. عند هبوط الليل كنتُ قد سئمتُ مِن اللعب والأكل وأبدَيتُ رغبتي بالعودة إلى البيت. إلا أنّ السيّدة مهى قالَت لي إنّ أمّي غادَرَت البلاد لفترة مُعيّنة، وإنّ عليّ العَيش مع باقي الأولاد ريثما تعود. لَم يكن لدَيّ مَن أذهب إليه، فأبي ماتَ قبل سنة ولَم أعرف يومًا أيًّا مِن أقاربي. بكيتُ قليلاً ثمّ غفوتُ بسرعة. فالأولاد الصغار لا يرون الصورة بأكملها بل يعيشون كلّ يوم بيومه.

بقيتُ أسأل عن والدتي يوميًّا حتى وصلَتني رسالة منها قرأَتها لي السيّدة مهى، هي نفسها التي رافقتني منذ وصولي المَيتم. في الرسالة، كانت أمّي تعربُ عن شوقها الكبير لي، وعن إيجادها عمل حيث هي والذي سيُمكّنها مِن العودة لإصطحابي معها. إرتحتُ كثيرًا لهذا الكلام، الأمر الذي ساعدَني على العَيش بعيدًا عنها.

لَم يكن المَيتم مكانًا بشعًا، بل يفتقدُ للدفء العائليّ طبعًا. هناك، الكلّ سواء ويتبعُ نظامًا صارمًا ومُحدّدًا. المسؤولات كنّ لطيفات وليس أكثر، ففي آخر المطاف، هنّ لَم تكنَّ أمّهاتنا بل موظّفات وحسب. إلتجأتُ تلقائيًّا إلى حضن السيّدة مهى، وهي إمرأة في العقد الرابع مِن حياتها. سبَقَ لها أن تزوّجَت ولَم تُنجِب بل فقدَت زوجها. لِذا قرَّرَت أن تُشبع غريزة الأمومة الخاصّة بها بالإهتمام بأولاد غيرها. كانت مهى تنامُ في المَيتم بعد أن تعذَّرَ عليها البقاء في بيتها الذي صارَ إيجاره باهظًا بالنسبة لها. هل تعلّقي بها كان بسبب شبَه ما بينها وبين أمّي، أم لأنّني شعرتُ مِن دون أن أدري بأنّها تكنّ لي عاطفة خاصّة؟ على كلّ الأحوال، وجدتُ فيها بعض الدفء، الأمر الذي كان كافيًا لي آنذاك لأصبر.

 


بقيَت تصِلُني الرسائل بانتظام، أي في أوّل يوم مِن كلّ شهر، وصِرتُ أعتبرُ الأمر وكأنّه شبيه بمُسلسل مؤلّف مِن حلقات مُرتبطة ببعضها. أحبَبتُ أن أكون على معرفة بالذي يحصل تباعًا. ومع أنّني لَم أكن أجيدُ جيّدًا القراءة بل كانت السيّدة مهى هي التي تقرأها لي، كنتُ أحتفظُ بالرسائل تحت وسادتي وأُردّدُ مُحتواها في رأسي حتى أنام. كانت أمّي ستعود لنعيش سويًّا، وكلّ ما كان عليّ فعله هو التحلّي بالصبر كما هي أوصَتني.

بدأتُ أعتاد على حياة المَيتم، فمرَّت السّنوات بهدوء. لكن أكثر ما كان يُزعجُني، كان حين يرحلُ أحَد الأولاد إلى عائلة جاءَت تتبنّاه. كان الكلّ يفرحُ له إلا أنا، فمَن يُريدُ حقًّا العَيش مع والدَين "مُستعارَين"؟ صحيح أنّ هؤلاء الصبيان لَم يكونوا محظوظين مثلي بأمّ على قَيد الحياة ومُصمّمة على العودة، لكن لو كنتُ مكانهم، لمَا قبِلتُ بأن يتبنّاني أحد.

صرتُ في التاسعة مِن عمري وفالحًا في الدراسة، إذ أنّني كنتُ دائمًا الأوّل بين أولاد صفّي، فقط لأنّ والدتي طلبَت منّي ذلك في رسائلها. عمِلتُ جهدي لأن تكون فخورة بي حين تعود، وتعرفَ أنّني نفّذتُ كلّ رغباتها أثناء غيابها القصريّ. لَم يكن يجدرُ بي أن أخذلها بينما هي تتعَب بعيدًا لتأمين مُستقبل جيّد لي.

وفي تلك الفترة بالذات مرضَت السيّدة مهى واضطرَّت للخضوع لعمليّة جراحيّة كبيرة، فغابَت عن المَيتم لأسبوعَين، أي في الوقت نفسه الذي تصلُ فيها رسالتي الشهريّة. صِرتُ كالمجنون، أريدُ رسالتي بأيّ ثمَن، لذلك طلبتُ مِن المسؤولة التي حلَّت مكانها أن تُسلّمَني الرسالة القادمة مِن أمّي. نظرَت إليّ المرأة بتعجّب ثمّ تمتمَت بضع كلمات واختفَت. بعد يومَين، عادَت المسؤولة ومعها الرسالة التي أفرحَت أخيرًا قلبي. لكنّ الرسالة كانت قصيرة للغاية ولا تحتوي على التفاصيل المشوّقة التي أعتدتُ إليها. ردَدتُ الأمر إلى انشغال والدتي واكتفَيتُ بذلك... ونمتُ والبسمة على وجهي.

غياب السيّدة مهى عنّي أثَّرَ بي وكَم فرحتُ لعودتها، فهي صارَت بالنسبة لي بمثابة أمّ مؤقّتة ريثما تجيء أمّي الأصليّة. فعانقتُها بقوّة طالبًا منها عدَم إطالة غيابها مرّة أخرى، وهي ضحِكَت قائلة: "يا لَيت الأمر كان بيَدي يا صغيري". أخبرتُها عن رسالة والدتي التي كانت مُغايرة للعادة وهي أكّدَت لي ما ظننتُه: لا بدّ أنّها كانت منشغلة للغاية.

حين بلغتُ الثالثة عشرة مِن عمري، صرتُ مراهقًا أكثر ذكاءً وتحليلاً للأمور، فانتبهتُ لأمر لَم أنتبِه إليه سابقًا: لَم يكن هناك ختم بريد على رسائل أمّي، بل كانت تحمِلُ إسمي فقط. قصدتُ السيّدة مهى سائلاً عن تفسير. ولمَحتُ لبرهة شيئًا مِن الهمّ في عَينَيها ثمّ ابتسَمت لي وقالَت: الرسائل تصل في ظرف كبير إلى المَيتم وبداخله الرسالة التي تقرأها، فإدارة المَيتم لا تسمح بدخول إيّ شيء مِن دون فتحه، بداعي الحفاظ على سلامتكم طبعًا. وختم البريد هو على الظرف الخارجيّ. لا تُشغِل بالكَ بهذه الأمور يا صغيري، بل اكتفِ بالحصول على أخبار أمّكَ". لَم يُقنِعني ذلك التفسير كلّيًّا، لكن ما عساي أفعَل سوى تصديقه؟ لذا بقيتُ أجتهدُ في درسي وأقرأ كلّ ما وجدتُه مِن كتب في المكتبة، وأتبعُ كلّ تعاليم وقوانين المَيتم إلى أن أكتشفتُ الحقيقة.

حصَلَ ذلك صدفةً. هل كنتُ قد شككتُ بشيء ما؟ على كلّ الأحوال، مع مرور السنوات، وجدتُ طبعًا أنّ طول غياب والدتي كان مُريبًا. فكَم مِن الوقت يلزمُها لتدبير نفسها والعودة لأخذي؟ تعلّقتُ بهذا الأمل لأنّه كان الوحيد المُتاح لي، وبدونه لصرتُ إنسانًا تائهًا وكئيبًا لا مرجَع له سوى الحزن والشعور بالتخلّي.

فذات يوم، رأيتُ على باب أحد الصفوف ورقة مُعلّقة مكتوب فيها... بخطّ يَد والدتي!!! أخذتُ الورقة سرًّا وركضتُ أقارنُها مع الرسائل التي بحوزتي، وكان الخط فعلاً نفسه! يا إلهي! هل كانت والدتي قد عادَت مِن دون أن تقول شيئًا لي وهي تعملُ في المَيتم؟!؟ لَم يكن ذلك مُمكنًّا! أو أنّ...

 


رحتُ كالمجنون إلى مكتب السيّدة مهى حاملاً الورقة بيَدي، ودخلتُ مِن دون أن أقرَع بابها حتى. كنتُ في السابعة عشرة وحجمي كان قد كبرَ، فتصوّروا ردّة فعل تلك السيّدة حين رأتني داخلاً كالوحش. صرختُ بها ملوّحًا بالورقة:

 

ـ مَن كتبَ تلك السطور؟!؟

 

ـ ما الأمر؟ ما بكَ؟ لقد أخفتَني يا صغيري!

 

ـ كفيّ عن تسميتي هكذا! لَم أعُد صغيرًا بل صِرتُ رجلاً. أجيبي! مَن كتَبَ هذه السطور.

 

ـ لستُ أدري... لا أعرف... ربمّا أحد ما... لماذا هذا السؤال؟

 

بدأتُ أفتّشُ بالملفّات الموضوعة على مكتب مهى، حتى رأيتُ أوراقًا مكتوبة بخطّها فرمَيتُها بقوّة في الهواء صارخًا:

 

ـ إنّها أنتِ!!! لقد كتبتِ كلّ رسائل أمّي!!! لا تنكري! أعرفُ هذا الخط عن ظهر قلب! للحقيقة، لا أعرفُ إلا ذلك الخط، فهو الوحيد الذي يربطُني بأمّي! أين هي؟!؟ أجيبي!!!

 

كادَت السيّدة مهى أن تختنق مِن كثرة الخوف والخجَل والحزن. بدأَت الدموع تنهال على خدَّيها، الأمر الذي هدّأ مِن غضبي، فكنتُ أحبّ تلك المرأة كثيرًا ورؤيتها هكذا أثَّرَ بي للغاية. جلستُ على الكرسيّ المُقابل لها وقلتُ:

 

ـ مِن الواضح أنّكِ كتبتِ رسائل أمّي منذ البداية... وأُريدُ أن أعرف لماذا وأين هي أمّي. أرجوكِ.

 

ـ حين وصلتَ المَيتم كنتَ صغيرًا للغاية، ولَم نكن مُعتادين على أن يكون لأولادنا أهل على قَيد الحياة، بل هم جميعًا أيتام. أمّكَ تركتكَ وتنازلَت عن حقّها بكَ بإرادتها، فقط لأنّها لا تملكُ المقوّمات لتكون أمًّا. لَم يكن لدَيها أيّ عذر لترككَ، فاخترعتُ لها عذرًا كي لا تكبر عالمًا أنّها تخلَّت عنكَ بكلّ بساطة فتتدمَّر حياتكَ بأسرها. لِذا كتبتُ رسالة بإسمها قرأتُها لكَ فرأيتُ كَم أراحكَ الأمر. ثمّ تتالَت الرسائل، فماذا أقولُ لكَ إن لَم تعد تصلُكَ أخبار أمّكَ؟ أخذتُ قرارًا مؤخّرًا بأن أتوقّف عن الكتابة وأخترِع لكَ أمر وفاتها، لكنّني أنتظرتُ أن تبلغ الثامنة عشرة.

 

ـ والرسائل التي جاءَتني خلال مكوثكِ في المشفى؟

 

ـ قالَت لي المُساعدة إنّكَ طالبتَها بالرسالة، فاتصلَت بي وكتبتُها وأنا في المشفى. كنتُ تعبة جدًّا فلَم أتمكّن مِن القيام بما اعتدتُ عليه.

 

ـ هي تركَتني إذًا! يا إلهي... ماذا فعلتُ لها؟!؟

 

ـ لا شيء يا صغيري، لا شيء. هي هكذا ولا ذنب عليكَ، صدّقني.

 

ـ أين هي الآن؟

 

ـ لستُ أدري، أقسمُ لكَ. فهي لَم تسأل يومًا عنكَ، أنا آسفة.

 

سكتُّ مطوّلاً ثمّ قلتُ للسيّدة مهى والدمع يملأ عينَي:

 

ـ بلى، هي فعلَت... كتبَت لي كلّ شهر، مِن دون ملَل. كتبَت لي كَم هي تُحبُّني وتفكّرُ بي وقصَّت لي عن أحوالها وأحلامها.

 

ـ هي لَم تفعل... ما بالكَ؟ أنتَ تعرفُ الآن أنّني التي كتبتُ لكَ.

 

ـ أجل، أمّي هي التي كتبَت لي. أمّي التي نشفَّت دموعي واهتمَّت بي، وراقبَت حرارتي حين مرضتُ، وتأكّدَت مِن قيامي بفروضي وواجباتي المدرسيّة على مدى أربع عشرة سنة.

 

ـ تقصدُ...

 

ـ أجل، أقصدُكِ أنتِ. صحيح أنّني غضبتُ كثيرًا حين اكتشفتُ الحقيقة، لكن في غضون دقائق قليلة أدركتُ أنّكِ كنتِ، ومنذ البدء، الوحيدة في حياتي. كنتِ موجودة وحاضرة ومُحبّة، وقمتِ بواجبات الأم تجاهي بينما الأخرى كانت مُجرّد حبر على ورق... حبر إختفى بلحظة لتحلّي أنتِ مكانه. فأنتِ التي أعطَتني الحافز لأصبر وأتعلّم وأتخطّى الوحدة والحزن. أنتِ جعلتِ منّي رجلاً حقيقيًّا. قولي لي... لماذا لَم تعرضيني للتبنّي بالرغم مِن معرفتكِ بأنّها لن تعود؟

 

ـ وهل تظنّ أنّني قادرة على التخلّي عنكَ، يا صغيري؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button