ذكريات مُغرضة

تركتُ زوجتي بعد أن تبيّنَ لي أنّها على علاقة سرّيّة مع ابن خالتها، هو نفسه الذي كان يأتي شبه يوميًّا للسهَر عندنا ويتقاسمُ لقمتنا. يا للقذِر! مِن حسن حظّي أنّني اكتشفتُ اللعبة قبل أن يصير لي أولاد وإلا لبقيتُ مُتزوّجًا مِن أجلهم. زوجتي المصونة، مِن جانبها، حاولَت الإنكار واتّهامي بأنّني أغارُ بشكل مرَضيّ عليها، وأنّ قصّة الخيانة هي نسج مِن خيالي. يا للقذارة!

وفور استطعتُ ذلك، بعتُ البيت وكلّ ما أملكُ، وسافرتُ بعيدًا تاركًا أهلي وأصحابي الذين إمّا أسِفوا عليّ أو سخروا منّي. فالرّجُل المخدوع يُعتبَر عادةً ناقص الرجوليّة وإلا لِما تخونُه زوجته؟ ألا يعرفون أنّ هناك مَن لا يملكُ قيَمًا وأخلاقًا على الإطلاق؟ سافرتُ مِن دون أن أنظر إلى الوراء فليذهبوا جميعًا إلى الجحيم!

إستقرَّيتُ في باريس حيث كان لي معارف بفضل عمَلي الذي أدَرتُه عن بُعد. كَم كنتُ سعيدًا أن أبدأ حياة جديدة بعيدًا عن قصص ومشاكل التي اسمها ندى والتي أحبَبتُها وتزوّجتُها وطلّقتُها. ندى نفسها التي لَم ترمُش لها عَين حين كانت حتمًا تنامُ وعشيقها في سريرنا الزوجيّ مِن خلف ظهري. وفي شقّتي الباريسيّة مكثتُ مع كلب صغير جلبتُه مِن جمعيّة تُعنى بالحيوانات. كان ذلك المخلوق أكثر وفاءً وحبًّا مِن كلّ الذين أحاطوا بي في البلد، وقد تعلّقتُ به للغاية.

مرَّت الأشهر والسنة وبدأَت الثانية حين تعرّفتُ إلى ناتالي، سيّدة فرنسيّة أثارَت إعجابي مِن حيث ثقافتها العميقة وشخصيّتها المُميّزة. هي لَم تكن جميلة، فلَم أكن لأقترفَ الخطأ نفسه بالارتباط بمَن ستُثيرُ رغبات الرجال. كانت ناتالي فقط امرأة عاديّة الملامح والقوام. وبعد فترة مواعدة دامَت أشهر، عرضتُ عليها الزواج وهي وافقَت. بعثتُ خبرًا لعائلتي لأُطلعهم على الأمر، ليس بداعي الحبّ بل لأثبتَ لهم أنّني بألف خَير في ما يخص حالتي العاطفيّة. فأقرب الناس إليّ وقفوا في وجهي يوم طلّقتُ ندى، ولَم يدُهشني الأمر، فالعشيق كان ابن خالتها، واستبعدوا أن تقومَ بعلاقة مع رجُل كان بمثابة أخيها. أخوها؟ دعوني أضحك! لقد رأيتُهما سويًّا على الأريكة، وكان ذلك الماكر نائمًا وهي جالسة بالقرب منه ممسكة بِيَده. قالا لي إنّه يشعرُ بوعكة صحّيّة وأحسَّ بالحاجة إلى الاستلقاء، وكأنّني غبّي!

عشتُ مع ناتالي أوقاتًا جميلة... إلى حين بدأَت تتلقّى رسائل عديدة على هاتفها وتتصرّف بطريقة مُريبة. لَم أسألها عن الأمر، لكنّني صرتُ أُراقبُها عن كثب وأستنتجُ ما يدورُ خطوة تلو الأخرى. لا بدّ أنّ أشائر بانَت على وجهي أو نبرة صوتي أو تصرّفاتي، فسألَتني زوجتي عمّا يُقلقُني، فبدأتُ أسألُها مئة سؤال عن الرجُل الذي تراه وتتكلّم معه سرًّا.

وبالطبع أنكرَت ناتالي أيّ علاقة وأقسمَت أنّها لا تحبّ غيري، لكنّني لَم أُصدّقها. ومع الوقت ساءَت علاقتنا وبدأنا نتشاجر بقوّة. ما كانت تُريدُني أن أفعل؟ أن أغضّ النظر عن تصرّفاتها؟ وهل لأنّ زوجتي الأولى خانَتني عليّ أن أسكُت إن تكرَّرَ الأمر مع غيرها؟ لن يحصل ذلك! ولإسكاتها نهائيَّا، صرتُ أمشي وراءها أينما ذهبَت لأحصل على دليل قاطع يُثبت أنّني على حقّ. للأسف هي رأتني أتجسّس عليها، فجمعَت أمتعتها ورحلَت بعد أن نعتَتني بالمجنون. مع ألف سلامة!

ترك ناتالي البيت أراحَني وقرّبَني مِن كلبي الذي كعادته، كان مثاليَّا. آه، لو أجِدُ امرأة بوفائه وإخلاصه! سألتُ نفسي إن كانت هكذا امرأة موجودة أم أنهنّ كلّهنّ سواء.

 


نسيتُ أمر الحبّ والزواج وركّزتُ على عمَلي ومعارفي. كنتُ أعيرُ أهميّة كبرى لهذه المعارف، فلَم يكن لدَيّ أصدقاء حقيقيّون، فأنا كنتُ، منذ صغري، إنسانًا يُحبّ الحفاظ على خصوصيّته ويرى إزعاجًا مِن كلّ مَن حاول التقرّب منه. وتذكّرتُ حبّي الأوّل، فتاة جميلة كانت تجلسُ بالقرب منّي في الحصَص الجامعيّة. أحبَبتُ أن أخرج معها لكنّها فضّلَت زميلاً آخر عليّ. لَم آسف كثيرًا عليها فسرعان ما أُعجِبتُ بغيرها وتواعدنا لفترة قصيرة ثمّ... أجل، ثمّ هي تركَتني حتمًا لتكون مع آخر. مهلاً... هل أنّ جميع نساء حياتي خائنات؟!؟ لَم أنتبِه للأمر مِن قَبل، وذلك كان يعني شيئًا واحدًا: أنّ عليّ الابتعاد نهائيًّا عن ذلك الصنف اللعين والماكر ونسيان أمر الحبّ والارتباط. فليكن! وما حاجتي إليهنّ؟ ما يهمّ هو أنّ أجني المال وأعيشُ كما أرتاح مع كلبي العظيم!

زرتُ البلد بعد حوالي الخمس سنوات مِن رحيلي، ووجدتُ والدَيّ كبارًا في السنّ فشعرتُ بالأسى حيالهما. أخذتُ غرفة في الفندق كَي لا أُصادف الأقارب الذين أسمَيتُهم "العقارب"، وسبحتُ في حوض السباحة وتشمَّستُ وتنزّهتُ في أرجاء بلدي. كنتُ سعيدًا خاصّة أنّني جلبتُ معي كلبي، فهل يجوزُ أن أتركه وحيدًا؟

ساءَت حالة أمّي الصحّيّة وأنا هناك، فركضتُ أراها في غرفتها حيث كانت مُستلقية في سريرها. ولحظة دخلتُ الغرفة ورأيتُها في لباس النوم نائمة على ظهرها، عادَ بي الزمَن إلى الوراء إلى حين كنتُ فتىً. كان المشهد هو نفسه ما عدا وجود ذلك الرجُل جالسًا بالقرب منها على السرير وهو يفتحُ قميص نومها بهدوء. حينها بدأ قلبي يدقّ بسرعة لفظاعة المشهد وركضتُ أختبئ في خزانة غرفتي مِن كثرة خجلي وامتعاضي. يا إلهي... كيف نسيتُ ما حدث آنذاك؟ كيف أنّ عقلي حجَبَ عنّي ما رأته عينايَ وشعَرَ به قلبي؟ هل هي الأخرى كانت خائنة؟!؟ كنتُ أحسبُها مُختلفة عن النساء اللواتي مرَرنَ في حياتي... خرجتُ مِن غرفة أمّي مِن دون أن أوقظها فما عساي أقولُ لها؟ وانتابَني غضب كبير، وتفاجأتُ بنفسي أتمنّى لها الموت. مسكين أبي، فهو قضى حياته معتقدًا أنّه تزوّجَ امرأة صالحة ووفيّة. هل كان يجدرُ بي اطلاعه على الحقيقة أم أتركه يعيشُ ما تبقّى له مِن عُمر في الجهل؟ كانت بالفعل معضلة حقيقيّة. وقبل أن أتّخِذ قرارًا... رأيتُه.

أجل، رأيتُ الرجُل نفسه الذي كان في غرفة نوم وسرير أمّي يوم كنتُ صغيرًا. هو كان واقفًا يتكلّمُ همسًا مع أبي في الرواق. كان كبيرًا في السنّ لكنّ ملامحه لَم تتغيّر كثيرًا، وكيف أنساه بعد أن أدركتُ فتيًّا أنّه عشيق أمّي؟ يا إلهي، ما هذه الصدفة! هل أنّ القدر جاءَ بي اليوم بالذات لأسترجع تلك الذكرى الأليمة وأرى الفاسق أمامي؟ وهل حدَثَ كلّ ذلك لأُطلِعَ أبي والعالَم بأسره على الفحشاء التي كانت ترتكبُها والدتي خلف ستار الحشمة والأخلاق؟

إقتربتُ مِن الرجُلَين الواقفَين في الرواق، وأزحتُ أبي جانبًا لأصفَع الرجل بقوّة. لَم يفهَم أيّ منهما ما حدَث إلى حين صرَخَ بي والدي:

 

ـ هل فقدتَ عقلك؟!؟ لماذا صفعتَه؟ أجبِني!

 

ـ سأُجيبُكَ يا أبي ولكن ما سأقوله لن يُعجبُكَ!

 


ـ هيّا! تكلّم ولا تنسى أن تعتذِر مِن الدكتور.

 

ـ الدكتور؟

 

ـ أجل، هو مُعالج أمّكَ منذ سنوات لا تُحصى.

 

ـ لا بَل هو عشيقها!

 

نظَرَ أبي إلى الطبيب الذي كان لا يزال ينتظرُ تفسيرًا للصفعة التي تلقّاها منّي، والذي نظَرَ إليّ بدهشة واضحة أنسَته ألمه. وهو ردّ عليّ:

 

ـ لستُ عشيق أحد، بل أنا رجُل سعيد مع زوجته وأولاده وأحفاده. إنّكَ بالفعل فقدتَ عقلكَ.

 

ـ لقد رأيتُكَ في غرفة أمّي وعلى سريرها حين كنتُ صغيرًا... كنتَ تفكُّ قميص نومها لـ... تعرفُ لماذا! أمّي فاسقة ككلّ النساء الباقيات!

 

ـ أجل، أعرفُ لماذا فككتُ قميص نومها أيّها الغبيّ، لأفحصها كما كنتُ أفعَل ولا أزال، فأمّكَ تُعاني مِن مرض مُزمن، وواكبتُها منذ بوادر ذلك الداء حتى اليوم. أفهم أن تكون قد اسأتَ التقدير وأنتَ صغير في السنّ، لكنّك اليوم رجُل ناضج وواع. مِن الواضح أنّ المشهد الذي رأيتَه قد أثَّرَ عليكَ للغاية... فلقد صفعتَني مِن دون أن تُعطِني فرصة توضيح لكَ المُلابسات، ما يدلّ أنّ طباعكَ حادّة وأنّكَ سريع الانفعال، لا بل أنت عنيف. أنصحُكَ برؤية طبيب نفسيّ، خاصّة أنّكَ اتّهَمتَ للتوّ جميع النساء بالفسق بما فيهنّ أمّكَ. الآن عليّ رؤية مريضتي... لن أشتكِ للشرطة على صفعكَ لي، فتصرّفّكَ ليس تصرّف إنسان مُتّزن.

 

نظَرَ إليّ والدي بأسف، لِذا خرجتُ مِن البيت بسرعة وبكيتُ كثيرًا. هل يُعقَل أنّني أضعتُ حياتي بسبب ما رأيتُه يحدث في غرفة أمّي؟ هل اتّهمتُ زوجتَيّ مِن غير سبب فعليّ؟ لا لا، لستُ مريضًا وهما كانتا بالفعل خائنتَين!

في اليوم التالي اتّصَلَ بي أبي وأنا في الفندق، وأمرَني برؤية أخصّائي وإلا أخبَرَ أمّي بالذي قلتُه عنها. خفتُ أن تتأثّر المسكينة وتزدادُ حدّة مرضها، فأخذتُ موعدًا مِن الأخصّائيّ الذي دلَّه عليه طبيب والدتي. دبّرتُ أموري لأبقى في البلد، فعلى كلّ حال كان عمَلي بمعظمه بالمُراسلة.

كَم ارتحتُ بعدما أدركتُ سبب مخاوفي بفضل تلك الجلسات! كَم صارَت الأمور جليّة أمامي! كنتُ أودّ معانقة الطبيب النفسانيّ حين أخبرَني أنّ لقاءاتنا انتهَت، وأنّني صرتُ قادراً على رؤية الأمور والناس كما هم وليس كما يُريني إيّاهم عقلي الباطنيّ. وأوّل شيء فعلتُه كان أن قصدتُ ندى زوجتي الأولى لأطلب منها السماح، وأشرح لها عن سبب تصرّفي معها. فرحتُ لها أنّها وجدَت الحبّ مُجدّدًا، ليس مع قريبها بالطبع، بل مع رجُل تعرّفَت إليه بعد طلاقنا. ثمّ اتّصلتُ بناتالي للهدف نفسه وارتحتُ حين حصلتُ على مُسامحة زوجتَيّ.

عدتُ إلى باريس بعد أن تحسّنَت صحّة أمّي، لكن لأنهي أعمالي هناك وأبيع ممتلكاتي. كان لا بدّ لي أن أعود إلى بلدَي بصورة نهائيّة، فلَم يعُد هناك مِن سبب للهروب. حياتي هي هنا مع أهلي وأصدقائي!

وبعد سنتَين، عرّفوني على هدى التي صارت زوجتي لاحقًا. لا أخفي عنكم أنّني كنتُ على وشَك الشكّ بها، لكنّني تماسكتُ نفسي وفكّرتُ منطقيًّا، واجتزتُ تلك المرحلة المُدمّرة. لدَينا اليوم أولاد جميلون وحياتي تجري كما تمنَّيتُ دائمًا.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button