إمتنَعَ رواد زوجي عن لَمسي بعد أشهر قليلة مِن بداية حَملي، وادّعى أنّه لا يُريدُ أذيّة الجنين، لكنّني رأيتُ في عَينَيه نظرة اشمئزاز واضحة كلّما بدَّلتُ ملابسي أمامه. كان جسَدي المُنتفِخ يُقرِفه بشكل كبير، ففضَّل ألّا يلمِسه على الإطلاق. حزِنتُ كثيرًا، فغالِب الرجال يرون جسَد المرأة الحامِل جميلًا ونبيلًا، ولا يتوقّفون عن لَمس بطنها لمُلاطفة الجنين. بالطبع كنتُ قد سمِنتُ، بسبب تغييرات هرمونيّة وبيولوجيّة طبيعيّة جدًّا، فما الذي كان يتوقّعه؟ أن أبقى على وزني وشكلي؟
صمَّمتُ على استعادة رغبة زوجي لي بشتّى الطرق، لكن مِن دون جدوى. لَم تنفَع الملابس الداخليّة الجريئة، أو لمساتي له، أو دعواتي لنكون حميمَين. بكيتُ في الليالي ثمّ قرّرتُ انتظار فترة ما بعد الولادة لنُعاوِد حياتنا الزوجيّة.
إلّا أنّ رواد كان قد وجَدَ في تلك الفترة امرأة أخرى لإشباع رغباته، وتعلّقَ بها على مرّ الأشهر. فحين جاءَ ابننا إلى الدنيا وبدأتُ حمية صارمة لاستعادة رشاقتي، هو قالَ لي مُستهزِئًا:
ـ أتظنّين حقًّا أنّكِ ستعودين إلى قوامكِ السابق؟
ـ أجل يا حبيبي، فأتبعُ حمية خاصّة، وتسجّلتُ في نادٍ سأقصدُه ثلاث مرّات في الأسبوع بينما تُجالِس أمّي ابننا.
ـ أنظري إلى نفسكِ! فأنتِ بحجم الدلفين!
ـ لأنّني كنتُ حامِلًا! حامِلًا! كان هناك جنين في بطني، وفعَلَ جسدي كلّ ما يجب للحفاظ عليه حتّى الولادة!
ـ دلفين!
ـ أسكُت! ما هذا الكَم مِن قِلّة الاحترام؟!؟ منذ متى تُكلّمني بهذه الطريقة؟
ـ منذ الآن، يا زوجتي الرشيقة!
ـ كفى! كفى!
ـ عذركِ أنّكِ كنتِ حامِلًا، زوجة صديقي حملَت مرّتَين وبقيَت على قوامها.
ـ إنّها مِن المحظوظات القليلات، فالأجسام تختلف.
ـ قولي إنّكِ أكلتِ ليلًا نهارًا تحت عذر أنّكِ حامِل!
ـ أكلتُ ما أكلتُه، وهذا لا يعنيكَ!
ـ لو علِمتُ أنّكِ ستصبحين هكذا لَما...
ـ لَما ماذا؟؟؟
ـ لَما تزوّجتُكِ.
تلك الكلمات الأخيرة آلمَتني كثيرًا ولَم أجِد ما أقوله، فدخلتُ المطبخ وأكلتُ لوحًا كامِلًا مِن الشوكولا. لحِقَ بي رواد وأخَذَ لي صورة وأنا ألتهِم لوح الشوكولا، وقال ضاحِكًا:
ـ سأنشرُ هذه الصورة على حسابي على الإنترنت، ليعلَم العالَم بأسره مع مَن أعيش!
ـ لن تجرؤ!
ـ سترَين!
ونفّذَ تهديده، فجاءَني إنذار بأنّ زوجي أنزَلَ منشورًا على حسابه، ففتحتُ الصفحة ورأيتُ صورتي مكتوبًا عليها: " يا جماعة، كيف أستمرّ مع إنسانة لا تشبَع؟ كلّ راتبي يذهبُ على أكلها!". ركضتُ إلى غرفتي لكثرة خذلاني وخَيبتي، خاصّة بعدما بدأَت ترِد التعليقات المُشينة والتي تصفُني بالبقرة وتنصحه بِتركي على الفور. أقفلتُ الباب ورائي وبكيتُ كلّ دموعي، وشكرتُ ربّي أنّه أعطاني ولَدي الحبيب الذي كان على ما يبدو رجائي الوحيد. في الصباح، حزمتُ حقيبة وأخذتُ ابني إلى بيت أهلي، مُصمِّمةً على عدَم العودة إلّا بعد أن يطلبَ رواد منّي السماح ويستبدِل المنشور بآخَر حيث يُعرِبُ عن حبّه لي. لكنّ ذلك اليوم لَم يأتِ لأنّ رواد ارتاَحَ مِن وجودي في البيت، ليأتي بعشيقته وينام معها في سريرنا الزوجيّ. علِمتُ بالأمر مِن جارتنا التي اتّصلَت بي على الفور. عندها، بعثتُ رسالة إلى زوجي مُهدّدِة بالطلاق، إلّا أنّه قال:
ـ سأُطلّقُكِ بنفسي، لا تخافي، وبإمكانكِ أخذ الولد أيضًا، فلا أُريدُ رؤية وجهه الذي يُذكرُني بكِ. بل سأتزوّج حبيبتي وتأتي لي بدزّينة أولاد وتُحافِظ على قوامها، على خلافكِ!
لا أدري لماذا، لكنّني لَم أغضَب، بل ارتحتُ مِن كلّ ذلك التنمّر وقِلّة الاحترام. فكيف آسَف على رجُل تخلّى ليس فقط عنّي بلحظة، بل عن ولَده الوحيد؟ تمَّ الطلاق بسرعة، وحصَلَ ابني على نفقة دائمة كانت ستُساعدني على تأمين دراسته وحاجاته. أمّا بالنسبة لي، فتنازلتُ عن نفقتي لتسريع عمليّة الطلاق. فكنتُ قادِرة على إيجاد عمَل بفضل شهادتي الجامعيّة طالما كان أبوايَ سيُجالِسان الصغير. وبمُجرّد التفكير في مُستقبلي، إرتسمَت بسمة على وجهي، فبلحظة، عادَت ثقتي بنفسي التي غلبَت خجلي مِن الكيلوهات التي تراكمَت في جسَدي.
لكنّ تلك المرحلة الصعبة كانت قد دفعَتني إلى اللجوء إلى الأكل وكأنّني بذلك أسدُّ ليس جوعًا جسديًّا، بل فراغًا عاطفيًّا ونفسيًّا. فزادَ وزني، ولَم أفعل شيئًا حيال ذلك، الأمر الذي زادَ نسبة السكّر في الدمّ بشكل خطير. قصدتُ طبيبًا على الفور، فخفتُ أن أمرض وأخسَر العمَل الذي كنتُ قد وجدتُه قَبل فترة قصيرة.
أجرَيتُ فحوصات مخبريّة كما طلَبَ الطبيب منّي، وعدتُ إليه مهمومة. هو لَم يكن مسرورًا منّي أبدًا خاصّة أنّني صِرتُ أمًّا لطفل صغير. عندها أخبرتُه بما جرى مع زوجي، وهو قال بعد أن هزَّ برأسه أسَفًا:
ـ هذا هو الجهل بحدّ ذاته، ويا لَيت الأمّهات والمُجتمع يثقّفون الرجال أكثر، فالسمنة عند الحَمل وبعده أمر طبيعيّ وأحيانًا ضروريّ للجنين، وكما أشرتِ، يختلف الأمر بين امرأة وأخرى. وأنا مُتأكِّد مِن أنّ لو كان لدَيكِ زوجًا آخَر، لبقيَ صامِتًا، بل أحاطكِ بالحبّ والحنان ورأى بعَينَيه كيف تخسرين الوزن الزائد خلال أشهر أو سنة، خاصّة أنّكِ كنتِ تنوين اتّباع حمية خاصّة والذهاب إلى النادي. السمنة ليست أمرًا بشِعًا، فهناك العديد مِن الرجال الذين يُفضّلون النساء الكبيرات الحجم ويجِدون الأمر مُثيرًا لهم، لكنّها مُضِرّة للصحّة، فالدهن يتراكَم مِن الداخل أيضًا حول الأعضاء، وفي الدم. لذلك، سأعطيكِ دواءً للسكّر، وحمية خاصّة، وتمارين بدنيّة. أُريدُكِ ليس فقط أن تنحفي، بل أن تمسي بصحّة جيّدة لتربية ولَدكِ... وربّما إيجاد رجُل يستحقُّكِ بالفعل.
ـ لا! لا رجال بعد الآن!
ـ سنرى ذلك.
بدأتُ تنفيذ تعليمات الطبيب، وفي تلك الفترة بالذات، تزوَّجَ رواد مِن عشيقته. غضبتُ قليلًا ثمّ تذكّرتُ أنّ تلك المرأة لن تكون سعيدة مع ذلك الندِل، وعليّ أن أشفِقَ عليها بدلًا مِن كرهها. على كلّ الأحوال، الذنب لَم يكن ذنبها، فهو الذي خانَني وليس هي.
سندَتني عائلتي وكلّ مَن مِن حولي في مشواري لاستعادة صحّتي، وكلّما حملتُ ابني بين ذراعَيّ، زادَ إصراري على النجاح. شعرتُ بالأمان بين ذويّ، أمان افتقدتُه مع رواد الذي لطالما كان بالمرصاد لي عند أيّة هفوة ارتكبتُها في البيت أو بين الناس. هو كان هكذا منذ الأوّل، لكنّني تغاضَيتُ عن ذلك التصرّف بسبب حبّي له. لماذا أحبَبتُه؟ لأنّه كذَبَ عليّ وصوّرَ لي حياتنا الزوجيّة وكأنّها رحلة حبّ دائمة. والحبّ الذي رأيتُه منه بعد الزواج، كان الحبّ الذي اختلَقتُه في ذهني كَي لا أعترِف بِخطئي.
مرَّت حوالي السنة وصارَ وزني تقريبًا كما كان قَبل الحَمل، وانخفَضَ مُستوى السكّر في دمي لدرجة أنّني لَم أعُد بحاجة إلى دواء. شكرتُ ربّي، والطبيب، وأهلي... ونفسي، فكلّنا ساهَمنا في ذلك النجاح.
ثمّ جاءَني اتّصال مِن رواد! هو لَم يتواصَل معي ولو مرّة واحدة منذ طلاقنا، حتّى للسؤال عن ابنه. تفاجأتُ به، فأجَبتُ على اتّصاله. وهو قالَ لي:
ـ زوجتي... هي الأخرى صارَت ضخمة للغاية! فلقد زادَ وزنها بشكل هائل بسبب حَملها...
ـ وماذا تريدُني أن أفعل حيال ذلك؟
ـ لا شيء، لا شيء... لكنّني... أعتقِد أنّني ظلمتُكِ.
ـ لا يهمُّني ما تعتقده، يا عزيزي.
ـ هل... هل بإمكاننا أن...
ـ تتكلّم بصيغة الجمع الآن؟ ماذا يتصوّر لكَ؟ أن أعودَ إليكَ؟
ـ أجل.
ـ وتترك زوجتكَ والجنين؟؟؟
ـ أجل، أتركُ العالَم بأسره مِن أجلكِ!
ـ أيّها الندل! هل أنّ النساء لعبة لدَيكَ؟؟؟ وماذا عن هؤلاء الأبرياء الصغار الذين لا ذنب لهم بحقارتكَ؟؟؟ إسمَع، لا أُريدُكَ أن تّتصِل بي بعد الآن بأيّة طريقة، وإلّا أخبرتُ زوجتكَ بما تنوي فعله! تبًا لهكذا رجال!
لَم يتّصِل بي رواد بعد ذلك، بل بقيَ مع زوجته وطفله. أمّا بالنسبة لي، فاستعَدتُ بعض الكيلوهات، لكن ليس لدرجة التأثير على صحّتي.
إلّا أنّ ذلك لَم يمنَعني مِن إيجاد الحبّ مُجدّدًا، فأحَد زملائي كان مُعجبًا بي منذ وصولي إلى العمَل، ووجَدَ الجرأة الكافية ليُصرِّح عن حبّه لي. سألتُه إن كان وزني يُزعِجه، فكان مِن الواضح أنّ لِجسدي قبول للسمنة عند الحمل وبعده، وهو قال: "أتمزحين؟ هل تظنّين أنّني أحبّ النحيفات والعظام؟ أريدُ زوجتي كما أنتِ تمامًا ولا أُمانِع لو أخذتِ بعض الكيلوهات الإضافيّة، طالما لا يؤثِّر ذلك على صحّتكِ."
أنا اليوم مُتزوِّجة، وأعطَيتُ زوجي الحبيب ابنة جميلة، وأخذتُ وقتي لإنزال الوزن الذي أخذتُه خلال الحَمل. فهكذا يكون الرجال!
حاورتها بولا جهشان