حرَمَني زوجي من العمل، ولكن...

قَلب التقاليد والعادات أمر صعب ولكن ليس مستحيلاً وقصّتي خير برهان على ذلك.
فعندما تعرّفتُ إلى مُحسن وقررنا الزواج، علمتُ أنّنا ننتمي إلى عالمين مختلفين، فأنا بنتُ عائلة منفتحة وعصريّة وهو إبن التقاليد التي تُنقل من أب إلى إبن دون أن تتغيّر عبر الزمن. ولكن حبّي له كان أقوى من كل ذلك وأملتُ أن يأخذ منّي ثقافتي. ولكن حدثَ عكس ما توقعتُ: أرادني أن أكون زوجة تقليديّة كما كانت أمّه، أي أن أبقى في البيت رغم شهادتي العالية في التمريض وألا أخرج إلا معه وليس مع صديقاتي، كما كنتُ أفعل في السابق. وللحقيقة لم تعجبني هذه الحياة ولكنني قررتُ عدم التصادم مع رجل حياتي والصبر حتى أن يدركَ أنّه ربما على خطأ.

ومكوثي في البيت كان أشبه بكابوس، فبالأشهر القليلة التي زاولتُ فيها إختصاصي، أحببتُ العمل مع الناس ومساعدتهم وإراحة أوجاعهم. إشتقتُ إلى الجانب الإنساني والشعور الذي كان يملئ قلبي كلّما إبتسمَ لي مريض أو شكَرَني على إعتنائي به. وأخذتُ أطبخ وأنظّف البيت وأنتظر زوجي حتى يعود من عمله. وكان يروي لي ما حصل له في المصرف والزبائن الذين أتوا ليروه وأنا لم يكن لديّ شيء أخبره إيّاه. ومع مرور الأيّام والشهور بدأتُ أشعر بكآبة عميقة. ثم وجدتُ أنّ الحل الوحيد لمللي كان إنجاب طفلاً يملئ فراغي ويعطي معنى لحياتي. فأخبرتُ زوجي بقراري وقال لي مسروراً:

- أهنّئكِ... الآن فهمتِ دور المرأة الحقيقي... الإنجاب!

- هذا ليس دور المرأة بل دور الأنثى عند كل المخلوقات الباقية. ولكنني إمرأة! ولا بدّ أن يكون لي هدف آخر في الحياة إلى جانب الأمومة وإلا أصبحتُ كأنثى الكلب أو الهرّ أو الطير!

- لا أدري من أين تأتين بهذه الأفكار! أحياناً أسأل نفسي...

- أكمل!

- أسأل نفسي إن كنّا فعلنا الصواب عندما تزوّجنا...

- أنا أيضاً أسأل نفسي هذا السؤال عندما أقضي نهاري وحيدة... وأسأل نفسي لماذا ذهبتُ إلى الجامعة ودرستُ وأُجريَت لي إمتحانات وحصلتُ على الشهادة... لماذا؟ لماذا أنتَ تمارس المهنة التي إخترتها وأنا لا؟ لو كان هدف وجودي الوحيد هو الإنجاب لما خلقَني ربّي مع دماغ أفكّر به وأحلّل وأحلم وأخطّط...ولماذا لديّ طموح إذاً؟

لم يُجبني مُحسن بل فضّلَ الذهاب إلى الغرفة. وحصلَ ما قررتُ أن يحصل أي حمِلتُ وأنجبتُ بنتاً أسميتُها نضال ووعدتُ نفسي أن أعلّمها أن تتبع طموحها حتى الآخر.

وبعد سنة تقريباً، حصلَ أمر غيّر حياتي بأكملها: في ذات يوم جاءت حماتي لتزورنا وبينما كنّا كلّنا جالسين على مائدة الطعام، أحسَّت بضيقة نفس وبِوَجَع بذراعها الأيسر وعلِمتُ فورا أنّها أُصيبَت بِنوبة قلبيّة. وبِلحظة واحدة ركضتُ أجري لها الإسعافات الأوليّة بعدما صرختُ لِمُحسن:

- أطلب الإسعاف فوراً وقل لهم أننا بحاجة إلى الأوكسجين وآلة لتنشيط القلب! بسرعة!

وفعَلَ ما طلبتُه منه وجاءت سيّارة الإسعاف وأخذَت حماتي إلى المستشفى. ركبتُ معها، بينما إصتحبَ زوجي إبنتنا عند جيراننا ولحِقَ بنا. وعندما وصلَ كان الطبيب يقول لي:

- أحسنتِ سيّدتي... لولاكِ لما كانت المريضة إجتازت النوبة...

- هذا واجبي فأنا ممرضة... أقصدُ أنني تابعتُ دراستي الجامعيّة ولكن للأسف لم يتسنّى لي مزاولة مهنتي مطوّلاً...

- هذا مؤسف بالفعل... فأنتِ موهوبة...

لم يعلّق مُحسن على ما سمِعَه وسأل عن حالة أمّه ودخلنا سويّاً لنراها في غرفة العناية الفائقة. وبعد بضعة أيّام، طلبتُ من زوجي أن يأتي بأمّه إلى بيتنا فور خروجها من المستشفى لأعتني بها خلال فترة نقاهتها. وبدأتُ أعطيها الدواء وأحضّر لها أطباقاً صحيّة وأعطي لها الإرشادات اللازمة. وبعد أن إستعادت عافيتها بالكامل، رجعَت إلى بيتها وشكرَتني بحرارة. ولكن بعد ذهابها شعرتُ بفراغ كبير، ليس فقط لأنني كنتُ أحبّها ولكن لأنّه خلال فترة مكوثها عندنا، أحسستُ أنني مفيدة وأنني أمارس ما تعلّمته لسنين وغرقتُ بالحزن مجدداً أعزّي نفسي بالإهتمام بإبنتي الجميلة. ولكن كان مُحسن قد إنتبه إلى حالتي هذه المرّة وفهِم سبب كآبتي وفي ذات ليلة جاءَ إلى الغرفة وقال لي:

- حبيبتي... لم يتسنّى لي أن أشكركِ على الذي فعلته مع أمّي... سمعتُ ما قاله الطبيب، فلَو لم تكوني موجودة كانت والدتي قد ماتت... وسمعتُه أيضاً عندما قال أنّكِ بارعة في ما فعلتيه وأنّه من المؤسف ألا تمارسي هذه المهنة... ورأيتكِ كم كنتِ سعيدة عندما إعتنيتِ بأمّي... أدركتُ أنّكِ تحبّين مساعدة الناس وهذا يبعث البهجة في قلبكِ... وكما أنقذتِ أمّي وإهتمّيتِ بها، هناك أشخاص آخرون بحاجة إليكِ أيضاً وأنانيّتي حرَمتهم منكِ... أريدكِ أن تعملي... فأنا فخور بكِ.

وركضتُ أعانقه بقوّة وحبّ فها هو الرجل الذي كنتُ أريده. ثم أضاف ببسمة:

- ولكن إيّاكِ أن تهمليني وتهملي إبنتنا!

- لا تخف حبيبي فقلبي كبير كفاية ليتّسع لكل الناس! ولن أبدأ العمل قبل أن تذهب نضال إلى الروضة، فهي الآن بحاجة إليّ. كم أحبّكما!!

حاورتها بولا جهشان 

المزيد
back to top button