حدودي هي السماء

يوم ماتَ خليل، زوجي، لَم أعرِف تمامًا كيف عليّ أن أشعُر. فقد أحسَستُ في آن واحد براحة تامّة وحزن عميق. أجل، إرتحتُ أخيرًا مِن ذلك الرجُل البغيض الذي أحبَبتُه وبقيتُ معه سنوات طويلة بالرغم مِن كلّ شيء. ماتَ مُعذّبي وصرتُ حرّة، وكانت تلك الحرّيّة مُخيفة للغاية. فكيف لي أن أفهَم وأتصرّف بشيء لَم أعرِفه مِن قَبل؟ كنتُ قد قرأتُ عن الحرية فقط في الكتب وسمعتُ عنها في التلفاز ومِن الآخرين، وعلِمتُ أنّ الناس خلال التاريخ ناضلوا مِن أجلها. لكن كيف ما هي الحرّيّة وما هو أهمّ، ماذا أفعَل بها؟

لَم نُنجِب قطّ بسبب عُقم خليل، الذي بقيَ لآخر يوم مِن حياته يُلقي اللوم عليّ، بالرغم مِن التقارير الطبّيّة الواضحة. وتلقَّيتُ منه الضرب والشتم بسبب رفضه لهذا الواقع. سامحتُه مرّة تلوَ الأخرى لأنّني أمِلتُ، كسائر النساء في وضعي، أن يعي ما يفعله أو يقوله ويصير زوجًا مُحبًّا... ولكن سدىً طبعًا.

وهكذا وجدتُ نفسي لوحدي في بيتنا الذي ملأه الصراخ والبكاء، وأزعجَني هذا الصمت المُفاجئ. إشتقتُ لخليل وتمنَّيتُ أن يكون لا يزال حيًّا حتى لو عنى ذلك عودة الإهانات والألَم. ردّة فعل طبيعيّة لضحيّة لَم تعرِف سوى هذا النوع مِن الحياة. فالجدير بالذكر أنّ أبي كان هو الآخر عنيفًا وتربَّيتُ على الإذلال الدائم. صلَّيتُ لِراحة هذَين الطاغيَين وكأنّهما لَم يفعلا شيئًا لي، فكنتُ آنذاك لا أعرِف بعد مَن أنا وأيّة حياة أستحقُّها بالفعل، فقصّتي هي قصّة إمرأة تعلّمَت كيف تكتشِف نفسها.

 

بموتِه، ترَكَ لي خليل البيت وبعض المدخّرات، ناهيك عن علبة مليئة بالنقود الذهبيّة وجدتُها مُخبّأة تحت إحدى بلاطات البيت. كان ذلك الرجل قد قضى حياته معي وهو يحثُّني على عدَم الصرف بسبب ما أسماه "حالتنا المادّيّة الرّديئة"، وحرَمَني بذلك أن أقتني ولو أبسط ما يُفرِحُ قلب إمرأة. وإكتشاف تلك العلبة بدأ يفتَح عَينَيّ جيّدًا على ما تحمّلتُه مِن زوجي. وأوّل شيء فعلتُه، كان أن قصدتُ الأسواق والمحلات لشراء فساتين وأحذية جميلة وعدتُ نفسي ارتداءها بعد فترة الحداد الرسميّة. لكنّني لَم أُبذِّر المال، فكنتُ أعي عدَم وجود مدخول ماليّ كَوني سيّدة لَم تعمَل يومًا في حياتها، ولَم تتعلّم كثيرًا بل ما يكفي للقراءة والكتابة.

 

جمعتُ أمتعة خليل كلّها وأرسلتُها إلى مؤسّسة خَيريّة، وسرعان ما لَم يعُد له أثر في البيت. أردتُ إبقاء بعض الصوَر له، لكن كلّما كنتُ أرى نظرته في تلك الصوَر، كنتُ أسمَع ما كان يقوله لي بإستمرار: "أنا لا أُريدُ أذّيتكِ، بل أنتِ تُجبريني على ذلك مِن جرّاء حماقتكِ وجهلكِ... أنتِ السبب بما أفعلُه أو أقولُه، أنتِ السبب!". لِذا رمَيتُ الصوَر في القمامة لينتهي تمامًا كابوسي. ماذا كنتُ أنوي فعله بحياتي بعد ذلك؟ لَم أكن أعرفُ على الإطلاق.

 

زارَتني عائلتي والأصدقاء لفترة مِن الزمَن ومِن ثمّ نسوني تدريجًا، الأمر الذي أراحَني، فقد سئمتُ التكلّم عن خليل أمامهم وكأنّه أفضل الرجال. هم كانوا يعرفون كَم عذّبَني، لكن لَم يتدخّل أيّ منهم بل إتّبعوا سياسة النعامة. تبًّا لهم جميعًا!

إهتمام أهلي بي الوحيد والمُفاجئ كان مسألة "شرَفي"، فهم خافوا أن أُلطِّخ سمعتهم بتصرّفات غير لائقة بعدما صرتُ أرملة. أُناس فارغون وسطحيّون، لا يُبالون سوى بكلام الآخرين، حتى لو عنى ذلك التغاضي لسنوات عذاب إبنتهم. أرادوا تزويجي بسرعة، فوقفتُ لأوّل مرّة في وجههم صارخة بهم: "أنا إمرأة ناضجة وحرّة ومُستقلّة مادّيًّا... لن أسمَحَ لأحد بالتدخّل بحياتي حتى لو كلّفَني ذلك خسارتكم. وأيّة خسارة أتكلّم عنها؟!؟ أغمضتم عيونكم عن كدماتي وعينَيّ المتورّمتَين مِن كثرة البكاء... أدَرتم آذانكم الصمّاء لتوسّلاتي للعودة إليكم والخروج مِن جحيمي! حان دوري الآن لتجاهلكم!".

وفور قولي تلك الكلمات، علِمتُ حقًّا معنى حريّتي الجديدة. فلَم يخطر ببالي التفتيش عن الرّجال وفعل ما هم تصوّروه، بل العَيش بسلام، وما هو أهمّ: بكرامة. أسمعَني أهلي كلمات قاسية ونعتوني بالمجنونة وشتّى الألفاظ، إلا أنّ ذلك لَم يؤثّر بي بعد أن اعتدتُ مِن خليل على ما هو أفظَع. وهكذا قاطعوني ونبذوني وشكرتُهم ضمنًا على ذلك.

بعد فترة، دخلتُ معهدًا لتعلّم اللغة الإنكليزيّة والطباعة على الحاسوب، فكان لا بدّ لي أن أجِد عمَلاً قَبل أن ينفذ المال الذي بحوزتي. إتّضحَ أنّني تلميذة جيّدة، وتفوّقتُ على زميلاتي الأصغر منّي سنًّا. تلقَّيتُ التهاني مِن أساتذتي الذين لَم يتوقّعوا أن تستوعب إمرأة أربعينيّة معلومات تتعلّق بتقنيّة حديثة. حمِلتُ شهادتَيّ وبدأتُ البحث عن مصدر قوتي.

تمّ رفضي في أماكن عديدة، حيث كانوا يبحثون عن شابّات جميلات، إلا أنّ شركة قبِلَت أخيرًا بي للردّ على الإتّصالات وتحويلها إلى المكاتب المُناسبة. كانت فرحَتي لا تُقاس! شكرتُ مُدير الموارد الإنسانيّة على إعطائي تلك الفرصة ووعدتُه بأنّني لن أخذله.

 

بعد أيّام، طلبَني صاحب الشركة السيّد كمال ليتعرّف إليّ وجرَت المُقابلة بسلاسة. وهكذا بدأتُ العمَل بفرَح وحماس. كان الموظّفون طيّبين وودودين. واحد فقط كان يأتي إليّ يوميًّا ليقول لي كَم أنا جميلة وجذّابة وأنّ بودّه التعرّف إليّ على صعيد شخصيّ. هو كان مُتزوّجًا وأبًا لأربعة أولاد، ولَم يخجَل مِن نفسه على هكذا تصرّفات غير لائقة. وبالطبع صدّيتُه، فلَم آتِ إلى الشركة لإقامة علاقات، بل لأجني ما يلزمُني للعَيش بكرامة. إلا أنّ بعض الناس لا يتقبّلون الرفض، فصار ذلك الرجُل عدائيًّا معي، وبدأ يُهدّدُني بالأذيّة. للحقيقة خفتُ منه، فنظراته كانت شرّيرة ومليئة بالحقد. لكن فجأة توقّفَ عن إزعاجي، لا بل قصدَني ليقول لي بصوت ناعم كَم هو مُتأسّف، وأنّه لَم يقصد أبدًا كلّ الأشياء البشعة التي تلفّظَ بها. إستغربتُ الأمر وسألتُ مِن حولي عن هذا التغيير المُدهش، وعلِمُت أنّ السيّد كمال عرِفَ بالذي يجري وهدَّدَ الموظّف بطرده إن بقيَ يُضايقُني. لذا دقّيتُ باب المدير لأشكره، وهذا ما قالَه لي: "سيّدتي، مِن واجبي حماية كلّ مَن يعمل لدَيّ، وإلا فشلتُ بمهامي. كوني على ثقة مِن أنّكِ بأمان كامل عندي".

آهٍ لو قدرتُ على عناق ذلك الرجُل الطيّب والأمين! لكنّني اكتفَيتُ بشكره مرّة أخرى. للحقيقة، عادَ الأمل لي بعد الذي حصل، فحتى ذلك الحين، كلّ الرجال الذين عرفتُهم آذوني وذلّوني، وكان مِن الواضح أنّ هناك رجالاً مِن صنف آخَر.

 

مرَّت الأشهر ثمّ السنة وبدأتُ سنتي الثانية بهناء تام... إلى حين لاحظتُ أنّ إحدى الموظّفات تتلقّى إتّصالات غريبة. فلا تنسوا أنّ مهامي كان تحويل الإتّصالات إلى المكاتب. ما الذي لفَتَ إنتباهي لِما يجري؟ ربمّا قصر تلك المُكالمات وحصولها يوميًّا. لَم يبدُ لي أنّ المُتصّل له صلة شخصيّة بالموظّفة، إذًا ما كان يُريدُ منها كلّ يوم؟ خطَرَ ببالي الإستماع إلى ما كانا يقولان، لكنّني إمتنعتُ عن ذلك لأسباب أخلاقيّة ومهنيّة.

نسيتُ الموضوع لفترة قصيرة إلى أن رأيتُ مشهدًا غريبًا: في آخر الدوام، بدأَت تلك الموظّفة بأخذ ملفّات معها إلى بيتها. هي لَم تحملها بِيَدها، بل في حقيبتها الكبيرة... والجديدة. فحتى ذلك الحين، حقيبة يدها كانت صغيرة الحجم. وفجأة هي كبّرَت الحقيبة لتضع فيها الملفّات. عندها أخذتُ على عاتقي مُراقبة تلك المرأة عن كثب، فكان مِن الواضح أنّها تضمُرُ ما هو ليس جيّدًا.

في الواقع، صرتُ مهووسة بمسألة الموظّفة، فأصلُ إلى عملي باكرًا مِن كثرة حماسي بعد أن أكون قد قضيتُ الليل في التحليلات والترجيحات. وهذا الأمر بالذات أعطاني إندافاعًا أنساني كلّ همومي السابقة والحاضرة.

بدأتُ أُدوّنُ أوقات وطول إتصالات الرجُل الغريب، والأيّام التي كانت الموظّفة تأخذُ الملفّات إلى منزلها. وسألتُ مِن حولي عن تلك المرأة ومهامها بالتحديد في الشركة، واتّضَحَ لي أنّها مسؤولة عن ملفّات الزبائن والتعامل معهم. لكنّني لَم أكن أعلَم إن كانت تُهرّبُ المعلومات والملفّات أم أنّها تُنهي عملَها في بيتها بأمر مِن صاحب الشركة. ولو قصدتُ السيّد كمال وأخبرتُه بالأمر، فقد يُوبّخُني ويصفُني بالفضوليّة. عندها قرّرتُ أنّ عليّ بالفعل الإستماع إلى تلك الإتّصالات الغريبة.

 

وبعد يومَين، دقَّيتُ باب السيّد كمال وقلتُ له مِن دون تردّد:

 

ـ تستطيع طردي إن شئتَ، لكنّني لن أتراجع عن الذي سأقولُه، ولستُ نادمة على ما فعلتُه. فلن أنسى أبدًا كيف أنّكَ دافعتَ عنّي وأشعَرتني بالأمان، وطمأنتَني إلى أنّ لا شيئًا أو أحدًا سيؤذيني طالما أعمَلُ لدَيكَ، فكان عليّ ردّ ذلك الجميل.

 

ـ عمّا تتكلّمين؟ ما الأمر؟

 

ـ لقد إستمعتُ إلى مكالمات جرَت في الشركة... أجل... لكن إسمعني حتى النهاية. هناك موظّفة تبيعُ لمُنافسيكَ معلومات عن الزبائن. في البدء كان الأمر مجرّد مُفاوضات، ثمّ صارَت الموظّفة تُهرّبُ الملّفات الواحد تلو الآخَر مُقابل مبالغ تصِل إلى أرقام عالية جدًّا. وكما أنّكَ قلتَ لي في المرّة السابقة، أنا أيضًا أقولُ لكَ إنّ مهامي حماية مَن أعمَل لدَيه وإلا فشلتُ في مهامي. سأعودُ إلى عمَلي الآن إن سمحتَ لي، وسأنتظرُ قراركَ في ما يخصّ بقائي هنا أم لا. هذا هو إسم الموظّفة وإسم المتّصِل ورقمه وكلّ التفاصيل اللازمة.

 

حصلَت تلك الأحداث منذ حوالي العشر سنوات، وأنا اليوم موظّفة مُهّمة في الشركة نفسها بعد أن وجَدَ السيّد كمال أنّ بإمكانه الإتّكال عليّ. فبعد أن طردَ الموظّفة الماكرة واشتكى على مُنافسيه، قرّرَ أن يُرسلني إلى معاهد مُختلفة لتعلّم أسرار التجارة. تعِبتُ كثيرًا لكنّني ثابرتُ، فلن تأتي هكذا فرصة مرّة أخرى. للحقيقة، صرتُ بمثابة الذراع الأيمَن للسيّد كمال، وأحلُّ أحيانًا مكانه أثناء غيابه في الخارج.

أنا إنسانة أخرى إذ صارَ لدَيّ ثقة هائلة بنفسي وقدرة على القيام بما أنوي عليه.

لَم أتزوّجَ ثانية، فما النفع مِن ذلك؟ حياتي جميلة كما هي! أمّا بالنسبة لعائلتي، فقد لاحظوا التغيير الذي حصَلَ بي وشعروا بقوّتي الجديدة فركضوا مُصالِحين. هكذا هم الناس، ينقضّون على الضعيف، بدلاً مِن حمايته، ويهابون ويحترمون القويّ. إنّها شريعة الغاب ولن تتغيّر أبدًا مهما بلَغَ الإنسان مِن تقدّم ومعرفة.

اليوم أنا بصدد الإنتقال إلى بيت جديد، وأتطلَّع إلى هذا التغيير بفارغ الصبر، لأنّني أعلَم أنّ حياتي ستتحسّن أيضًا وأتعرّف إلى أناس جدُد وآفاق أكبر. وحين أتذكّر الذي مرّرتُ به حين كنتُ صغيرة أو أثناء زواجي، بالكاد أُصدّق أنّني الإنسانة نفسها! فليس هناك مِن شيء مُستحيل طالما آمَنَ المرء بنفسه وقدُراته. وإن سألَني أحدٌ اليوم أين حدودي فساُجيبُه: حدودي هي السماء!

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button