خنتُ زوجتي مرّات لا تُحصى لأنّني لَم أُحِبّها، بل تزوّجتُها بعد أن وجدتُها مُناسِبة لتكون ربّة بيت وأمًّا. الذنب ليس ذنبي كلّيًّا، فرجال عائلتي يتغنّون بعلاقاتهم الجانبيّة وكأنّ الأمر هو إثبات لِرُجوليّتهم، أو أنّ الاكتفاء بامرأة واحِدة أمر غير اعتياديّ. فهم تزوّجوا مَن يصنع لهم بيتًا نظيفًا وأكلًا لذيذًا وأولادًا أصحّاء. كان بإمكاني طبعًا عدَم المشي على خطاهم، لكنّني استمتعتُ بالقوّة التي كنتُ أستمدُّها مِن حرّيّتي التي لَم أتخلَّ عنها يومًا ولأيٍّ كان.
تحمّلَت نجوى زوجتي تلك الخيانات لمدّة طويلة، وركَّزت كلّ اهتمامها على ابننا جمال، وأخذَت منه الحبّ الذي لَم تنَله معي. وسرعان ما ألّفا ثنائيًّا مُتماسِكًا، الأمر الذي لَم يهمّني آنذاك لكن لعِبَ دورًا كبيرًا في باقي قصّتي.
ومِن كلّ اللواتِي عاشَرتُهنّ، كانت هناك امرأة استطاعَت أخذ قلبي وعقلي وحواسي كلّها، إمرأة يحلمُ بها كلّ رجُل لشدّة جمالها وجاذبيّتها وقدرتها على تلبية الشهوات بشكل لا يتصوّره عقل. وفي آخِر المطاف، هي وضعَتني أمام الأمر الواقِع: إمّا أن أترك زوجتي وابني أو أتركها هي. للحقيقة، لَم أُفكِّر كثيرًا قبل أن اتّخذتُ قراري، فذات يوم لَم أعُد إلى البيت، بل اتّصلتُ بِنجوى لأقولَ لها ألّا تنتظرني لأنّني لن أعودَ قط، وأنّها ستستلِم أوراق الطلاق قريبًا. بعد ذلك، لَم أتّصِل بها على الإطلاق ولَم أسأل عن جمال، بل انتقلتُ للعَيش بصورة دائمة مع عشيقتي الجميلة. ذقتُ طعم السعادة المُطلَقة مع التي فضّلتُها على عائلتي، وسألتُ نفسي كيف عشتُ حياتي مِن دون ذلك الإحساس الجميل. فمعها، لا مسؤوليّة ولا توبيخ ولا طلبات، بل حبّ مُطلَق على مدار السنة.
لكنّ عشيقتي كانت تهوى الإثارة، ولَم تعُد تجِدها معي بعدما صِرتُ ملكها، فغايتها كانت الحصول عليّ وتطليقي مِن زوجتي. هي فعلَت الشيء نفسه مع رجال مُتزوّجين مِن قَبلي، الأمر الذي أعطاها نشوة عظيمة سعَت وراءها. وبعد أشهر قليلة على طلاقي، رمَتني خارج بيتها ونعتَتني بالمُمِلّ وغير النافِع.
لَم أُصدِّق ما يحصل لي، فقد ظننتُ أنّها مرحلة عابِرة وأنّ التي أحبَبتُها بكلّ جوارحي ستطلبُ منّي العودة، فصبِرتُ وبعثتُ لها الهدايا ورسائل الحبّ، لكن مِن دون جدوى. وعلِمتُ أنّها استبدلَتني بآخَر وصِرتُ بعداد المُنسيّين لدَيها. حزِنتُ كثيرًا وبكيتُ على ذلك الحبّ الذي لن أعرِفَ مثله، ثمّ قبِلتُ بواقعي الجديد، فخطَرَ ببالي أن أعودَ إلى عائلتي، وكأنّ شيئًا لَم يكن.
قصدتُ أهل نجوى طالِبًا منهم التوسّط لي لدَيها، قائلًا إنّني اشتقتُ إليها ولجمال، وإنّ عليهم مُساعدتي في بناء عائلتي مِن جديد، لأنّني رجُل، والرجال يفعلون أمورًا يندَمون عليها لاحِقًا. وبعد مُناقشات عديدة، إستطاعوا إقناع نجوى بقبولي مِن جديد. فرِحتُ كثيرًا ليس لرؤيتها وابني، بل لعودتي إلى البيت وإلى راحتي السابِقة.
كنتُ زوجًا وأبًا جيّدًا لبضعة أشهر، على الأقلّ صوَريًّا، قَبل أن أعاوِدَ عادتي القديمة، بالخروج مع نساء أخريات. فكنتُ بحاجة إلى إبراز قدرتي على إثبات جاذبيّتي وسماع الكلام الجميل في ما يخصّ رجوليّتي. إستمرَّ الوضع إلى حين رمَتني زوجتي خارجًا كما فعلَت عشيقتي قَبلها، وطلبَت الطلاق بنفسها. حاولتُ إقناعها بالعدول عن قرارها، فأين أذهب؟ ومَن سيطهو لي ويُنظِّف ملابسي؟ رحَلتُ في آخِر المطاف مِن دون أن أودِّع جمال الذي كان قد بلَغَ السابعة مِن عمره، والذي لَم يفهَم كيف أنّ أباه لا يأبه به على الإطلاق.
سكَنتُ في شقّة صغيرة لوحدي وتابعَتُ حياتي الليليّة مع اللواتِي لا تكترِثنَ لِسمُعتهنّ، وأعترِفُ أنّني كنتُ سعيدًا للغاية. بقيتُ أبعَث المال لِنجوى وأصرِفُ باقي راتبي على عَيش تلك الحياة.
لكنّ حادِثة مُفاجئة غيّرَت نظرتي للحياة والناس. فذات مساء، حين كنتُ عائدًا إلى شقّتي ثمِلًا وبرفقة إحدى النساء، إصطدمَت سيّارتي بشجرة، فغبتُ عن الوعي. وعندما إستفقتُ، كانت المرأة التي كانت معي قد اختفَت وتركَتني لوحدي والدماء تسيل مِنّي. لحسن حظّي، ساعدَني سائق مرَّ قرب الحادِث وأخذَني إلى المشفى، وإلّا كنتُ متُّ.
عالجَني الأطبّاء، إلّا أنّ حالتي كانت بليغة، فمكَثتُ في المشفى لأسابيع. لَم يزُرني أحَد، وخاصّة التي كانت معي في السيّارة حتّى بعد أن علِمَت أنّني لَم أمُت، بل مُلقىً على سرير أبيض.
وحدتي أثارَت استغراب إحدى المُمرّضات، فصارَت تأتي إلى الغرفة في كلّ حين لتُسلّيني وتُعطيني بعض الرفقة. ومع الوقت، بدأتُ أفتَح لها قلبي، فأخبرتُها عن سيرتي التي لَم أعُد فخورًا بها. فلقد استوعَبتُ كَم أنّني وحيد، وكيف أنّ هؤلاء الذين أسهَر معهم، مِن نساء ورجال، تخلّوا عنّي لأنّني لَم أعُد مصدر تسلية أو ربح لهم. أدركتُ كَم أنّ حياتي فارِغة ومِن دون معنى، وكَم أنّني إنسان سطحيّ.
تأثّرَت المُمرِّضة بصراحتي وندَمي، وبدأَت تُعلّمُني عن الرجولة الحقيقيّة التي تأتي مع مسؤوليّات كبيرة، وكلّمَتني عن مبادئ الحبّ والزواج والأبوّة، وأثَّرَ كلامها فيّ لِدرجة لا توصَف، وكأنّه علاج ليس فقط لجسدي، بل لنفسي بامتياز. وُلِدتُ مِن جديد بفضل تلك المرأة الرائعة التي لا تُشبِه أيّ امرأة صادفتُها في حياتي.
..ووقعتُ بحبّها.
كان ذلك حبًّا مُختلِفًا، عميقًا وقويًّا، حبًّا لا يطلبُ شيئًا سوى وجود الحبيب ونظراته المليئة بالدّفء والرفق. عرفتُ معنى ذلك الشعور الذي بحثتُ عنه في كلّ مكان مِن دون أن أجِده مع أحَد. ولَم أعُد قادِرًا على تصوّر العَيش مِن دون ديانا، المُمرّضة.
وقَبل أن أخرج مِن المشفى بيوم واحِد، بحتُ لِديانا بحبّي لها، مُدرِكًا أنّها قد لا ترغَب برجُل مثلي، إنسان خانَ ثقة الكلّ وتخلّى حتى عن ابنه. لكنّها قبِلَت بحبّي لأنّها هي الأخرى شعرَت بالشيء نفسه تجاهي، واتّفقنا على المواعدة بغرَض الزواج، فلقد شرَحَت لي ديانا أنّها تُريدُ اختباري قَبل أن تأخذ قرارًا نهائيًّا بشأني، وأنا وعدتُها بأنّني سأكون معها أفضل رجُل. وبقيتُ على وعدي لها، فبالفعل صِرتُ إنسانًا جديدًا ومُستعِدًّا لفعل كلّ ما يلزم لإسعاد حبيبتي. فحتّى ذلك الحين، لَم أفكِّر سوى بسعادتي التي لَم أبلُغها، فالسعادة لا تُنجَز إن كانت مِن طرف واحِد. وبعد فترة، تزوّجتُ ديانا وعشنا في سعادة لا توصَف.
أعلَم ما تُفكِّرون به، وهو أنّني عدتُ لعادتي القديمة وحطَّمتُ قلب زوجتي الجديدة.
لكنّ ذلك لَم يحصل، بل كنتُ أفضل الأزواج لها والآباء للطفل الذي أنجَبناه سويًّا.
وتلك الأبوّة الجديدة التي أحبَبتُها وشاركتُ بها ذكّرَتني بابني جمال. فكرِهتُ نفسي على الذي فعلتُه به، ورحتُ أنتظره على باب مدرسته لأعتذِرَ منه بعد أن صارَ مُراهِقًا وكبرَ مِن دوني. أرَدتُ أن يتعرّفَ على أخيه الصغير وأن يعيشَ معي إن شاءَ. على كلّ الأحوال، أرَدتُ أن أكونَ جزءًا مِن حياته والتعويض له عمّا فاتَه خلال غيابي.
وحين أوقفتُه وهو يخرجُ مِن المدرسة وعرّفتُه على نفسي، نظَرَ إليّ جمال بمزيج مِن الدهشة والاشمئزاز. لكنّني بدأتُ بالكلام، فقلتُ له وما أريدُ أن أبنيه معه مِن جديد، أعطَيتُه رقم هاتفي ليتّصِل بي ونبدأ رحلتنا في الحياة جنبًا إلى جنب. سكَتَ ابني وهو لا يزال ينظرُ إليّ وكأنّني مخلوقٌ عجيب غريب، ثمّ قال لي ببرودة: "أنا يتيم الأب... ماتَ أبي عندما كنتُ صغيرًا وربَّتني أمّي لوحدها". ثمّ غادَرَ بصمت. بقيتُ واقفًا مكاني والدّمع يملأ عَينَيّ، فكيف ألومُه على ما قالَه؟
أخبرتُ ديانا بما حصَل، وهي نصحَتني بإعطاء جمال بعض الوقت لاستيعاب عودتي إلى حياته، ثمّ رؤيته مِن جديد. كنتُ في أسوأ حالاتي، فلقد تصوّرتُ أنّ ابني سيرمي نفسه بأحضاني ونبكي سويًّا، تمامًا كما في الأفلام.
وبدأتُ أُعدُّ الأيّام للتواصل مع جمال مِن جديد، بعد أن حدّدتُ مهلة ثلاثة أشهر. لكنّ ابني البِكر سبقَني، وتفاجأتُ به يتّصِل بي هاتفيًّا ليعتذِرَ منّي على ما قالَه لي بشأن كَونه يتيم الأب. وكَم كنتُ سعيدًا لسماع صوته وكلامه! إتّفقنا على اللقاء قريبًا والتكلّم عن كلّ الأمور المؤلِمة التي حدثَت بسببي، ومتى سيأتي إلى بيتي للتعرّف على زوجتي وابني الصغير. إلّا أنّني لَم أكن أعرِف حينها ما يضمرُ لي ابني بسبب بغضه لي ورغبته في الانتقام منّي.
يتبع...