بين الحقيقة والظنون (الجزء الثاني)

مجيء زوجة وائل بصورة مُفاجئة إلى الشركة وإحداثها تلك الفضيحة أخافَ زملائي، فهم كانوا يعلَمون أنّ وائل استعانَ بمال زوجته لبناء الشركة وأنّ لدَيها نفوذًا قويًّا. فراحَ أحَدُهم إليها وأعطاها إسمي مؤكِّدًا لها أنّني التي رافقَت زوجها إلى الخارج. كان ذلك صحيحًا طبعًا، لكن ليس للأسباب التي تراءَت لها. وبعدما صارَت تعلَم مَن هي "غريمتها"، صِرتُ بالنسبة لها الهدَف المُباشَر.

هدأَت الأحوال في المدّة التي تلَت، فاعتقدتُ أنّ وائل أقنَعَ زوجته بأنّها مُخطئة بشأنه والتي كانت برفقته، ولَم أعلَم حينها أنّ هويّتي باتَت معروفة لدَيها. أمّا بالنسبة للموظّفين، البعض نسيَ الموضوع، والبعض الآخَر بقيَ يعتبرُني عشيقة المُدير، وسمعتُ منهم تلميحات عديدة فعلتُ جهدي لتجاهلها.

لكن في أحَد الأيّام، وأنا عائدة إلى البيت مشيًا على الأقدام، مرَّت سيارة بالقرب منّي ثمّ توقّفَت، وعلى متنها الزوجة وعلى وجهها علامات الغضب الشديد. وهي قالَت لي:

 

ـ أيّتها الفاسِقة... تسرقين أزواج النساء الشريفات؟!؟

 

ـ لَم أسرق أحَدًا يا سيّدتي، فليس هناك مِن شيء بيني وبين وائل.

 

ـ وائل؟ ألا يجدرُ بكِ تسميته السيّد وائل؟!؟

 

ـ أقولُ لكِ إنّني لستُ عشيقة زوجكِ، وسفَري معه كان بِداعي العمَل وليس أكثر. لا أدري مِن أين أتَتكِ تلك الأفكار، وإن كنتِ مُصمِّمة على اتّهامي، فقدّمي لي وللعالَم أسره ما لدَيكِ مِن أدِلّة!

 

ـ لن تفلتي منّي! سأُدمّرُكِ!

 

ـ لستُ خائفة منكِ لأنّني لَم أخطئ! إفعلي ما شئتِ!

 

ثمّ دخَلتُ ردهة مبنى وانتظرتُ حتّى رحلَت الزوجة لأتوجَّه إلى البيت، فلَم أكن أُريدُها أن تعلَم أين أسكن وتخبِر عائلتي. وبعد وصولي، إتّصلتُ بوائل لأقصَّ له ما حصَل وأُعلِمه بأنّني أُريدُ تَرك الشركة وبأسرع وقت. لكنّه صرَخَ بي: "هل جنِنتِ؟!؟ إستقالتُكِ تعني الإقرار بالذنب! لا! ستبقين ولوقت طويل!". إحتَرتُ لأمري، فأثناء مواجهتي للزوجة كنتُ خائفة للغاية بالرغم مِن تماسكي الظاهريّ. يا إلهي، ما هذه المُصيبة! لو علِمتُ أنّ كلّ ذلك سيحصل، لمَا رحتُ إلى ذلك المؤتمر اللعين!

أعلَم ما ستقولون لي: إنّني أخطأتُ بالسفَر مع رجُل لوحدنا، لكنّني كنتُ في بداية مسيرتي المهنيّة وبدا لي مِن المُهمّ جدًّا التخالط مع رجال ونساء الأعمال. إضافة إلى ذلك، لَم يُبدِ وائل يومًا أيّ اهتمام بي، على الأقلّ ظاهريًّا، وعاملَني كباقي الموظّفات. ثمّ كان هناك ولَعي بالسفَر، فلَم تطأ قدَمي يومًا خارج البلاد، بل كنتُ أرى تلك الأماكن الجميلة فقط عبر التلفاز أو في المجلّات. على كلّ الأحوال، حصَلَ ما حصَل، وتبقّى لي إيجاد حلّ لتلك المُصيبة، وأمَلي الوحيد كان أن تقتنِع الزوجة بأنّ علاقتي وزوجها هي فقط عمليّة.

لكنّ تلك المرأة كانت مُصِّرة على تدميري، فوجَدَت حسابي على مواقع التواصل وسرقَت إحدى صوَري، ثمّ نشرَتها على حسابها مع التعليق التالي: "أيّتها الزوجات، إحذروا هذه الفاسِقة، وإلّا سرقَت زوجكنّ!". لَم أعرِف بالأمر إلّا حين دخلتُ صباحًا الشركة وركضَت إليّ إحدى زميلاتي وهي تحمِلُ هاتفها وتصرخ: "أنظري! إنّها بالفعل فضيحة!". إمتلأت عَينايَ بالدموع حين رأيتُ المنشور، وبلحظة دخلتُ مكتب وائل وبدأتُ أصرخ بأعلى صوتي: "إمّا أن تحلّ تلك المُشكلة مع زوجتكَ أو اشتكَيتُ عليها! مشاكلكَ الزوجيّة لا تعنيني، ولن أكون ضحيّتكما! أسمِعتَني؟ أُريدُ أن يُحذَف المنشور في الحال!".

حاوَلَ وائل تهدئتي، ووعدَني بأنّه سيتصرّف. مِن جهتي، إتّصلتُ بصديقة لي مُحامية وعرضتُ عليها ما يحصل، طالبةً منها أن تُطلعَني على كلّ السبل القانونيّة لوضع حدّ لزوجة وائل. كان بإمكاني الاشتكاء عليها لأنّها شهّرَت بي، فالقانون لا يسمَح بذلك على الإطلاق، خاصّة إن كان ما نُشِرَ غير صحيح. وبعدما أنهَيتُ المُكالمة، عدتُ إلى مكتب وائل وأطلعتُه على ما أنوي فعله، فتوسّلَ إليّ ألّا أتصرّف قَبل أن يتكلّم مع زوجته. أعطَيتُه ساعة واحِدة قَبل أن أحميَ نفسي قانونيًّا.

كلّ ذلك الحوار حصَلَ علَنًا، ليعرفَ زملائي أنّني لستُ خائفة لأنّني بريئة مِن التهمة، فالألسن بدأَت بالتكلّم عنّي وعن وائل. بعد ذلك، قدَّمتُ استقالتي وحاوَلَ مُديري إقناعي بالتروّي، لكنّني لَم أتراجَع.

حُذِفَ المنشور، لكن بعد ماذا؟ بعد أن رآه عشرات الألوف مِن الناس؟ وماذا عن سُمعتي؟ طلبتُ مِن وائل أن يُقنِعَ زوجته بأن تصوِّر أو تكتب اعتذارًا، فلقد حفظتُ نسخة عن المنشور وأنوي استعماله ضدّها في حال هي لَم تُبيّض صفحتي. بدا لي وائل مهمومًا، فالزوجة لن تقبَل أبدًا بالتراجع أو الاعتذار، فهدّدتُه بشكوى مِن قِبَلي. أخذتُ أمتعتي مِن مكتبي وعدتُ إلى البيت والغضب يملأ قلبي.

عندها فقط، أخبَرتُ أمّي القصّة مِن أوّلها. هي غضِبَت كثيرًا في البدء، لأنّها كانت رافِضة للسفرة، لكنّها عادَت وهدأَت وعانقَتني قائلة:

 

ـ يا حبيبتي... لقد مرَرتِ بكلّ تلك المصائب لوحدكِ!

 

ـ خفتُ مِن ردّة فعلكِ يا ماما.

 

ـ أنا أمّكِ وإلى جانبكِ بوَجه كلّ مَن يؤذيكِ جسديًّا أو معنويًّا. لا ذنبَ لكِ بما حصَل، فلا تزالين في سنّ لا يُخوّلكِ تقدير عواقب أفعالكِ، ومعرفة نوايا الناس، خاصّة الرجال. كان يجدرُ بي تحذيركِ وتهيئتكِ بشكل أفضل بدَلًا مِن المُمانعة وحسب. لا عليكِ، سنواجِه هذه المسألة سويًّا.

 

قضَينا الليلة مُتعانقتَين وانضمَّ إلينا إخوَتي مع أنّهم لَم يعرِفوا سبب حزني وبكائي، فلقد طلبَت أمّي منهم عدَم السؤال.

بقيتُ في البيت لأيّام، فخفتُ أن أخرجَ ويتعرّف عليّ الناس بسبب ذلك المنشور اللعين، ولأنّني كنتُ بحالة اكتئاب لا توصَف. أعَدَّت لي والِدتي أطباقي المُفضّلة واهتمَّت بي كثيرًا.

ثمّ، مِن دون أن أتصوَّر ذلك مُمكِنًا، نشرَت زوجة وائل فيديو لنفسها وهي تقولُ إنّها أخطأت الظنّ وإنّني بريئة مِن التهمة، ووجّهَت لي اعتذارًا علَنيًّا مُفصّلًا. شاهدتُ الفيديو مئة مرّة لأتأكّد مِن أنّني لَم أتصوّر رؤيته، ثمّ طلَبتُ مِن الزميلة التي أرسلَته لي معرفة إن كان وائل هو الذي أقنَعَ زوجته بالاعتذار منّي، فكنتُ قد قطَعتُ كلّ صلة بيني وبينه وحظَرتُه على هاتفي ومواقع التواصل الاجتماعيّ. لكنّها أخبرَتني في اليوم التالي أنّ وائل تفاجأَ هو الآخَر كثيرًا بما فعلَته زوجته. لماذا إذًا غيّرَت الزوجة موقفها منّي؟ هل فهِمَت أخيرًا أنني بريئة، أم خافَت مِن المُلاحقة القانونيّة التي هدَّدتُ بها؟ على كلّ الأحوال، لَم أعُد أُبالي طالما عادَت الأمور إلى مجاريها.

أخبَرتُ أمّي عن الفيديو، وأرَيتُه لها، وهي ابتسمَت. تفاجأتُ بسكوتها، فقَبل أيّام كانت غاضِبة جدًّا مِن المرأة ونعتَتها بألف نَعت. عادَت والدتي إلى أعمالها في المطبخ، لكنّني لحِقتُ بها وسألتُها عن رأيها بتراجع الزوجة علَنًا وهي هزَّت برأسها وحسب. خفتُ أن تكون لا تزال غاضِبة منّي لأنّني جلَبتُ العار لنفسي ولها عن غير قصد، لكنّها قالَت:

 

ـ بالعكس، أنا مسرورة جدًّا بأنّ تلك المرأة فهِمَت الدرس.

 

ـ الدرس؟ عمّا تتكلّمين؟

 

ـ الدرس الذي لقّنتُه لها.

 

ـ لَم أفهَم؟ تكلّمي! أيّ درس؟ ومتّى اتّصلتِ بها؟

 

ـ بل رحتُ إليها، إلى بيتها.

 

ـ ماما! ماذا تقولين؟!؟

 

ـ أجل، دقَقتُ بابها.

 

ـ و؟

 

ـ وقلتُ لها ما قد تقوله أيّ أمّ حين تكون ابنتها فريسة الأقاويل وتواجَهُ تدمير سمعتها.

 

ـ وهي، ماذا قالَت؟

 

ـ ماذا تُريدينها أن تقول لأمّ جاءَت لتُدافِعَ عن أغلى ما لدَيها؟

 

ـ ألهذه الدرجة خافَت منكِ؟

 

ـ عليها أن تخاف، فليس هناك مِن شيء بإمكانه ردعي حين تكون ابنتي في خطر، لا شيء، وهي تعلَم ذلك لأنّها أيضًا أمّ.

 

ـ لَم أتصوَّر أن امرأة مثلها قد تخاف وتتراجَع.

 

ـ لقد وضَعَ الله في كلّ أمّ قوّة رهيبة لتُدافِع عن صغارها، القوّة نفسها التي تمتلكُها اللبوة، وما مِن أحَد قادرٌ على حَملها على التراجع أو السماح بأذيّة أولادها . ستعرفين عمّا أتكلّم حين تتزوّجين وتُنجبين.

 

نظرتُ إلى أمّي ورأيتُ في عَينَيها قوّة رهيبة قريبة مِن الاستشراس، وشعرتُ بالأمان، عالِمةً تمام العِلم أنّ لا أحَد باستطاعته المسّ بي طالما هي بجانبي.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button