بين الحقيقة والظنون (الجزء الأول)

حين وصلتُ إلى غرفة الفندق، نظرتُ مِن حولي ولَم أُصدِّق ما رأيتُه، فكانت تلك أوّل مرّة أتواجَد فيها في مكان بهذه الفخامة والأناقة. إرتسمَت بسمة على وجهي وأنا أُلقي بنفسي على السرير العملاق وأنظرُ إلى السقف المُزخرَف والمُضاء بمئة ضوء. يا لحظّي الجميل أنّني وجدتُ شركة تؤمِن بي لِدرجة إرسالي لحضور مؤتمرٍ في بلَد آخَر وفي مكان لَم أرَه سوى في الأفلام! أخذتُ حمّامًا ساخِنًا في المغطس الدائريّ الشكل، وحضرّتُ لنفسي فنجانًا مِن القهوة. ثمّ أدَرتُ فيديو هاتفي وصوّرتُ الغرفة مِن دون أن أترك زاوية واحِدة وأرسلتُ الفيديو لأمّي وإخوَتي الصغار، وصديقاتي. تفاجأ الجميع طبعًا وهنّأنني بجرارة، وأثنَت أمّي على "عظمة ابنتها"، أيّ أنا! بعد قليل، وصلَتني رسالة مِن مُديري ليُخبرني أنّه بانتظاري في الردهة، فأسرعتُ بارتداء ملابس جميلة تليقُ بالمكان والحدَث.

إبتسَمَ وائل عندما رآني أخرجُ مِن المصعد وقالَ لي:

 

ـ علينا أن نأكل قَبل المؤتمر، فلا بد أنّكِ جائعة بعد السفَر.

 

ـ أجل... شكرًا سيّدي.

 

ـ ناديني وائل، مِن فضلكِ.

 

ـ لكن...

 

ـ لسنا في الشركة وبإمكانكِ الاسترخاء قليلًا.

 

ـ حسنًا... وائل.

 

أخذَني مُديري إلى أحَد مطاعم الفندق وأكَلنا طعامًا لذيذًا لدرجة لا توصَف. فالحقيقة أنّني لَم أكن مُعتادة على هذا الكَمّ مِن الفخامة، فكنتُ صبيّة عاديّة وتربَّيتُ بعائلة مُتوسّطة الدخل. فكلّ الذي رأيتُه في ذلك الفندق كان مُثيرًا للإعجاب وصعب التصديق. ثمّ دخَلنا قاعة المؤتمر وبدأت المُحاضرات لذلك اليوم. بعد ساعات، اجتمَعَ المُحاضرون مع أصحاب ومندوبي الشركات الموجودة، وتمَّ التعارف والكلام عن العمَل والتلميح لإبرام صفقات جاءَ الكلّ مِن أجلها. لَم أقُل شيئًا، فوائل كان المُدير ويعرفُ أكثر منّي ما يجب قوله وفعله في هكذا مُناسبات. إكتفَيتُ بالاستماع وحفظ طرق تبادل المُناقشات. إنتهى النهار وكنتُ سعيدة.

برنامج اليوم الذي تلا كان شبيهًا بالذي سبقَه، لكنّ وائل دعاني أيضًا إلى العشاء ثمّ ذهبنا إلى ملهى ليليّ يقَع هو الآخَر في الفندق. كانت تلك أوّل مرّة أقصدُ هكذا مكان، فتربيَتي كانت صارِمة ولَم يكن طبعًا مسموحًا لي دخول هكذا أماكن. لكنّ السفَر والتواجد في بلَد آخَر جعَلَ الأمر وكأنّه مقبول. إضافة إلى ذلك، خجِلتُ مِن مُديري الذي عرَضَ الأمر وكأنّه أمر طبيعيّ جدًّا، ولَم أرِد أن أبدوَ سخيفة أو أرفضَ له طلبًا بعدما أتاحَ لي فرصة السفَر والمُشاركة في المؤتمر. لَم أقُل لأمّي شيئًا بشأن الملهى الليليّ، لأنّني كنتُ أعلَم مُسبقًا ما هو موقفها، خاصّة أنّها مانعَت بقوّة مسألة سفَري لوحدي مع مُديري، ولزِمَني جهدٌ كبير لإقناعها. فإلى جانب تلك الفرصة الذهبيّة، كنتُ سأتقاضى مبلغًا إضافيًّا ومصروفًا يوميًّا، مالٌ كنّا بحاجة إليه في البيت.

في اليوم الثالث والأخير مِن المؤتمر، كنتُ أسعَد الصبايا بعد أن خالَطتُ رجالًا ونساءً ناجحين في عالَم الأعمال وأناسًا مِن مُختلف الجنسيات، وتعرّفتُ على بلَد جديد، وأكَلتُ طعامًا شهيًّا، ونمتُ في فندق فخم. لكن في مساء يومنا الأخير، قالَ لي وائل:

ـ أشكرُكِ مِن كلّ قلبي على مرافقتي.

ـ أنا مَن عليه أن يشكركَ يا وائل.

 

ـ أنتِ إنسانة مُميّزة بالفعل وأنا سعيد أنّكِ معي في الشركة. كوني على ثقة بأنّكِ ستتقدمين بسرعة وتصبحين في مركز مُهمّ.

 

ـ سأبذلُ جهدي لإبراز قُدراتي.

 

ـ وعليكِ أن تفهمي شيئًا آخَر... أنا مُعجبٌ بكِ... على الصعيد الشخصيّ.

 

ـ ماذا تقصد؟؟؟

 

ـ أعني... أعني أنّني أُفكِّر بكِ على الدوام وكنتُ مُصِّرًا على اصطحابكِ معي.

 

ـ أيعني هذا أنّكِ لَم تختَرني بسبب مهارتي؟؟؟

 

ـ بلى، بلى... لكن أيضًا لأكون معكِ لوحدنا.

 

ـ ما هذا الكلام يا وائل؟؟؟ هل نسيتَ أنّكَ مُتزوّجٌ؟؟؟

 

ـ لَم أنسَ، للأسف. لكن لو...

 

ـ ليس هناك مِن لو! أنا صبيّة شريفة!

 

ـ لَم أقصد!

 

ـ وهل ستدعوني الآن إلى غرفتكَ؟؟؟

 

ـ لا! فأنا أحترمُكِ كثيرًا، أرَدتُ فقط أن نكون سويًّا بعيدًا عن أجواء الشركة.

 

ـ أنا لا أصدّقُكِ. على كلّ الأحوال، هذا يومنا الأخير. سأصعدُ إلى غرفتي. سأراكَ غدًا لنتوجّه إلى المطار. طابَت ليلتكَ!

 

دخلَت غرفتي مُستاءةً لأقصى درجة لأنّني شعرتُ بالخذلان بعدما ظننتُ أنّ مُديري اختارَني لمُرافقته بسبب مهارتي. إضافة إلى ذلك، كان وائل مُتزوِّجًا وأبًا، واعتبرتُ اهتمامه بي بمثابة إهانة لي. فمَن خالَني؟ صبيّة سهلة ومعدومة الأخلاق؟؟؟

في الصباح، ركِبتُ سيّارة الأجرة إلى جانب وائل مِن دون أن ألقيَ التحيّة عليه وأوجِّه له الكلام. هو حاوَلَ أن يعتذِر منّي لكنّني أسكتُّه بحركة مِن يَدي. لَم نتبادَل الكلام في المطار أو على متن الطائرة، ولدى وصولنا، كانت سيّارة الأجرة التي بعثَتها لي والدتي بانتظاري. وصلتُ البيت وفعلتُ جهدي لأبدوَ سعيدة أمام أمّي وإخوَتي، فجلستُ معهم لأقصُ لهم أحداثَ رحلتي بعدما أعطَيتُهم هداياهم. لكن حين صرتُ لوحدي، بكيتُ كثيرًا لأنّني كنتُ أعلَم أنّ عمَلي في الشركة لن يكون كما في السابِق، فمديري سيطردُني حتمًا أو على الأقلّ سيفعلُ جهده لأستقيل، ناهيكَ عن عدَم رغبتي برؤيته مُجدّدًا.

لكن في اليوم التالي، عندما وصلتُ الشركة، إستقبلَني وائل كعادته، أي وكأنّ شيئًا لَم يحصل، فاستغربتُ الأمر واحتَرتُ لأمري. الكلّ سألَني عن رحلتي، فركّزتُ على الشقّ العمَليّ والمُحاضرات بحدّ ذاتها، مِن دون أن أخبِرهم عن غرفتي أو المطاعم وخاصّة الملهى الليليّ. سارَ اليوم مِن دون أيّ حادِثة تُذكَر، وحين عدتُ إلى البيت كنتُ قد نسيتُ تقريبًا موضوع إعجاب وائل بي.

تابَعتُ العمَل في الشركة كما اعتدتُ في السابق، وبدا مُديري مُرتاحًا كثيرًا للوضع. لكن بعد أقلّ مِن أسبوع على عودتي ووائل مِن المؤتمَر، دخلَت زوجته الشركة وعلى وجهها علامات الانزعاج العميق. بالكاد هي ألقَت التحيّة علينا قَبل أن تختلي بزوجها في مكتبة. وحين هي خرجَت، وقفَت وسط المكاتب وصرخَت عاليًا: "أين تلك الفاسِقة؟!؟ أروني إيّاها! أريدُ رؤية مَن يُحاوِلُ تدمير زواجي!!!". نظَرَ الكلّ إليها باندهاش فأطلَّ وائل وحاوَلَ تهدئتها بكلّ الوسائل، لكن مِن دون جدوى، فهي تابعَت: "أخذَها معه إلى السفَر... عشيقته... فاسِقة!". عندها نظَرَ الكلّ إليّ باندهاش واشمئزاز، فاحمرَّ وجهي وامتلأت عَينَي بالدموع وأنا أُحاوِل تماسك نفسي تجنّبًا للفضيحة. لِحسن حظّي، استطاعَ وائل دَفع زوجته خارج قاعة المكاتب بينما كادَ أن يُغمى عليّ. عندها، إقتربَت منّي إحدى زميلاتي وسألَتني:

ـ أصحيح هذا الكلام؟ هل أنتِ عشيقة وائل؟

 

ـ لا طبعًا! كيف تظنّين ذلك؟!؟ تلك المرأة مجنونة! وهل كلّ مَن يُسافِر بداعي العمل يُقيم علاقة مع مرافِقه؟

 

ـ أعرفُكِ جيّدًا، وأنا مُتأكِّدة من حسن أخلاقكِ، لكن ما قالَته...

 

ـ كلّه افتراء! هل هي قدّمَت ولو برهانًا واحِدًا على اتّهامها؟

 

ـ لا.

 

ـ حسنًا... لستُ مسؤولة عن افتراءات زوجة مجنونة! ولن أسمَح لأحد أن يُلطِّخ سمعتي!

 

دخَلَ وائل وتوجَّهَ إلى الجميع قائلًا:

ـ أعتذرُ نيابة عن زوجتي... فهي... ليست على ما يرام في الأواني الأخيرة. ولن أسمَحَ لأحَد بأن يوجِّه لزميلته أيّ نظرة شكّ، أفهِمتم؟ إنّها مسألة عائليّة وليس أكثر.

 

ثمّ دخَلَ مكتبه وبقيتُ أحدِّقُ بالأرض غير قادِرة على مواجهة نظرات زملائي الذين لَم يُصدِّقوا أنّ لا دخان بلا نار. إنتهى الدوام أخيرًا ورحتُ إلى البيت لأحبسَ نفسي في الغرفة وأبكي على سجيّتي.

بعد ساعة على عودتي مِن العمَل، إتّصَلَ بي وائل قائلًا:

ـ وصَلَ لزوجتي أنّني كنتُ برفقة موظّفة خلال الرحلة وفي المطاعم والملهى الليليّ، فتصوّرَ لها أنّنا...

 

ـ أنّنا ماذا؟ ألَم يكن ذلك في بالكَ حين دعوتَني إلى المؤتمر؟ إسمَع، لا دخَل لي بزواجكَ أو رغباتكَ، ولن أسمَح لأحَد بتلطيخ سمعتي!

 

ـ أعرفُ ذلك، لا عليكِ، سأجدُ طريقة لتهدئتها.

 

أمِلتُ أن ينجَحَ وائل بإقناع زوجته بأنّها مُخطئة بشأني، لكنّني كنتُ بعيدة كلّ البعد عن تصوّر الذي حدَثَ بعد ذلك.

 

يتبع...

المزيد
back to top button