النادل غير حياتي!

كلّما نظرتُ إلى نفسي في المرآة أبتسمُ. لماذا؟ لأنني لم أكن دائماً بهذه النحافة فلطالما كنتُ سمينة. منذ صغري وأنا ضحيّة أب وأمّ كان لهما إهتممات كثيرة غيري وسبيلهما الوحيد للإسكاتي كان إعطائي الطعام والسكاكر. فإزداد وزني بشكل ملحوظ ولم يساعدني أحد على إسترجاع قوامي الأساسي. وكبرتُ وأصبحتُ محطّ سخرية رفاقي في المدرسة. كانوا يسمّونني "البالون" أو "البقرة" وعندما كنتُ أعود إلى البيت باكية كانت أمّي تقول لي أنني سأنحف لوحدي بعد وقت قصير وتعطيني قطعة من الشوكولاطة. ولكن هذا لم يحصل طبعاً وبقيَ وزني يزيد مع مرور السنين.

أصدقائي لم يكونوا كثر فلا أحد كان يريد أن يرافق "البقرة" ما عدا المنبوذين مثلي.

ودخلتُ الجامعة لأتعلّم القانون ربما لأدافع عن الذين ظلموا فأنا لم يدافع عنّي أحد.  وفي الكليّة واجهتُ نفس المشاكل ولكن كنتُ قد كبرتُ ولم أعد أكترث كثيراً للملاحظات المؤذية فكنتُ قد إقتنعتُ أنّ وضعي سيبقى هكذا إلى الأبد وعليّ قبوله.

حياتي العاطفيّة كانت طبعاً معدومة لأن شكلي لم يجذب أحداً ولو حصل هذا صدفة فعدم ثفتي بنفسي وكرهي الواضح لمظهري منع أيّ من الشبان من الإقتراب منّي. من ناحيتي كنتُ مغرمة سريّاً بناصر ف. تلميذ إدارة أعمال يأتي من كلّيته على الأقل مرّتين في الأسبوع لرؤية أصدقاءه في الكافتيريا. كان وسيماً جدّاً وكل الفتيات كانت تحوم حوله ولا أمل لي بتاتاً. فكنتُ أكتفي بأن أراقبه عن بعد وأن أخترع في الليل قصصاً أكون فيها حبيبته. وكل يوم يمضي دون أن أراه لم يكن محسوباً في حياتي.

كنتُ سأستمرعلى هذا النحو وكنتُ سأبقى مختبئة في الظلام لو لم أقابل شخصاً غيّر حياتي كليّاً.

في أحد الأيّام كنتُ جالسة لوحدي في كافتيريا الجامعة أنظر بحزن إلى ناصر المحاط بالبنات حين جاء نحوي النادل وقال لي:

- إلى متى ستبقين تحسدين الناس على سعادتهم؟

تفاجأتُ كثيراً حتى أنّني لم أستطع الإجابة. ثم تابع:

- أراكِ منذ سنين تجلسين هنا وتراقبين هذا الشاب ورفاقه وبعينيك حزناً عميقاً. أمامكِ ثلاث خيارات: أمّا أن تذهبي إليه الآن وتكلّميه ولا أنصحكِ بذلك لأنّه إنسان سخيف ومتعال وإمّا أن ترحلي من هنا دون رجعة وتنسي أمره وإمّا أن تكفّي عن طلب المأكولات التي تزيدك وزناً وتأخذين قرار بقلب الواقع الذي يؤلمكِ. أو ربّما أنتِ مرتاحة في دور الضحيّة وهذا يعطيكِ عذراً لكي تبكي على نفسكِ طوال النهار...

ورحل لإستكمال عمله وتركني أحاول إستيعاب ما حصل. كان على حق فأنا لم أفعل شيء حتى الآن لأحسّن وضعي وكأنّ ما أنا عليه مكتوب لي ولا يمكنني تغييره. كيف لم أفكّر بهذا من قبل؟ كيف تحمّلتُ الإهانات وشفقة الناس طوال كل هذه السنين دون أن أحاول حتى؟

وفي طريقي إلى خارج الكافتيريا مررتُ قرب طاولة ناصر وسمعته يقول: "كفّي عن الأكل ستنفجرين يوماً ما. بوووووم!" ثم تابع متوجّهاً لأصحابه: "لم أمارس الجنس مع فتاة سمينة حتى الآن... قد يكون هذا مسلّياً ولكنني أخشى أن أموت ممعوساً!" وضحكوا جميعاً. لم أبكِ بل نظرتُ أمامي وأخذتُ نفساً عميقاً وخرجتُ وفي عينيّ نظرة محارب يستعدّ الى معركة ضارية.

وتخرّجتُ بعد شهر بدرجة جيّد جدّاً وذهبتُ فوراّ إلى أخصّائيّة تغذية وإنتسبتُ إلى نادي رياضي وبدأ العمل الشاق. قيل لي أنني سأحتاج إلى وقت طويل للحصول على النتيجة المرادة ولكنني كنتُ مصرّة على القدوم بقراري. لم أحظ بدعم أحد فالكل كان يرى ما أفعله غير مجدياً ولكنني وبقيتُ مثابرة رغم التعب والجوع. مئة مرّة اوشكتُ أن أستسلم ولكن ما كان يشجّعني هو حديث النادل وتعليق ناصر. لا إهانات بعد الآن!

ونحفتُ يوماً بعد يوم وأصبحتُ إمرأة أخرى من الخارج ومن الداخل.

في هذه الأثناء كنتُ قد دخلتُ سلك المحاماة وبدأتُ العمل في مكتب شهير يهتمّ بالقضايا العائليّة الشائكة وسرعان ما بدأ الجميع يرى براعتي في العمل. ما ميّزني عن باقي المحامين هو أنني كنتُ آخذ قضايا أناس حقّاً مظلومين وأرفض الدفاع عن الكاذبين منهم حتى أصبحتُ أعرف بِ"محامية المظلوم".

وفي ذات نهار جاءت إمرأة إلى مكتبنا لإستشارة قانونيّة. كانت تعاني من أساءة زوجها لها ليس فقط من الناحية المعنويّة بنعتها بألقاب مهينة وخيانتها بشكل مستمّربل كان أيضاً بدأ بضربها. كان لهما ولداً عمره 4 سنوات وكان ينوي أخذه منها في حال طالبته بالطلاق.

وعندما علمتُ انّ إسم الزوج ناصر ف. إقشعرّ بدني وقلتُ لها فوراً: "سآخذ قضيّتكِ!". كنتُ أعرفه جيّداً فأنا راقبته سنين طويلة في الجامعة وهو يتنقّل من فتاة إلى أخرى وقد دقتُ كسواي طعم إهاناته وعدم إحترامه للنساء. وقد جاء الوقت ليدفع ثمن لا مبالاته. ردّة فعلي كانت في البدء إنتقاميّة ولكن سرعان ما هدئتُ وبدأتُ أفكّر كمحاميّة مسؤولة وكإنسانة موضوعيّة.

ما لا يعلمه معظم الناس هو أنّ أغلبيّة مكاتب المحاماة تتعاقد سريّاً مع تحرّي خاص لجلب المعلومات والدلائل فبعثتُ بتحرّينا ربيع وراء ناصر لمراقبته يوميّاً وإلتقاط صوراً له. وإنتظرتُ كالعنكبوت التي تحيك شباكها لتعلق فريستها فيها. وجاءت النتيجة مروعة: ناصر لم يكن يخون زوجته فحسب بل كان يتعاطى المخدّرات أيضاً وكان لديّ الدليل.

كان بإمكاني أن أرفع فوراً دعوة ضدّه وإنتظارموعد الجلسة ولكن لن يكون هذا ممتعاً. إتصلتُ به وطلبتُ منه أن نتقابل للبحث حبيّاً في القضيّة ولإيجاد حل يرضي الجميع. قَبِلَ دعوتي وجاء إلى مكتبي.

- سيّد ناصر القضيّة بسيطة وواضحة. هذه صور تظهركَ وأنتَ تعانق وتقبّل فتيات وأخرى خارج ملهى ليليّ تتعاطى الكوكايين مع مدمنين معروفين من قبل الشرطة.

- ما المطلوب؟

- نريد الطلاق والحضانة الكاملة للولد ونفقة شهريّة والمنزل.

- أنتِ تحلمين!

- لا سيّد ناصر أنا لا أحلم أبداً... من الواضح أنّكَ حتى الآن لم تتعرّف عليّ... لا ألومكَ على ذلك فلقد تغيّرتُ كثيراً... أنا التي كنتم تسمّونها "البقرة" في الجامعة والتي كنتَ تسخر منها علناً.

- أنتِ هي؟ هذا غير معقول فتلك الفتاة كانت مقرفة! وكانت تحدّق بي طوال الوقت لدرجة أنني كنتُ أنوي تلقينها درساً لن تنساه ولكنّها إختفت.

- لم أختفِ بل تخرّجتُ والآن جاء دوري لألقّنكَ درساً مؤلماً ولكن من خلال القانون وأعدكَ أنّني سأتابع هذه القضيّة إلى الآخر حتى لو أخَذَت منّي عمري كلّه فأمثالكَ لا يجدر بهم أن يتزوّجوا وأن ينجبوا. أنصحكّ بقبول عرضي فأنا أكيدة أنني إذا تعمّقتُ بالبحث في حياتكَ سأجد ما يدخلكَ السجن.عليكَ أن تعلم يا سيّد ناصر أنّ المرأة المهانة خطرة جدّاً!

نظر الى عينيّ وفَهِم أنني لن أتراجع فقَبِل بكل شروطي. في ذاك اليوم ربحتُ قضيّة موكّلتي وقضيّة كل شخص يُعزل ويُهان من أجل إختلافه.

حاورتها بولا جهشان   

المزيد
back to top button