الخديعة

عندما توفّي خالي بعد صراع طويل مع المرض، طالبَت والِدتي بالبيت العائليّ تحت حجّة أنّها صرفَت الكثير مِن المال على علاجه. لكنّ الحقيقة كانت مُختلِفة، فهي أخذَت ذلك المال مِن أختها المعوّقة عقليًّا بعد أن أقنعَتها بإعطائه لها. فالواقِع أنّ سلوى، خالتي المسكينة، كانت تُعاني مِن تأخّر عقليّ منذ ولادتها، وبقيَ مستواها العقليّ يوازي عقل فتاة في السادِسة مِن عمرها. وخلال سنوات طويلة، كانت تتقاضى مصروفًا شهريًّا مِن إخوَتها لِتشعرَ ببعض الاستقلاليّة ويكون لها مبلغٌ يحميها في آخِر عمرها.

لَم يعرِف أحَدٌ بما فعلَته أمّي بمال سلوى، واعتقدنا بالفعل أنّها كانت تصرِف على أخيها المريض مِن راتبها في العمَل، فأثنى عليها الجميع وهي افتخَرَت بنفسها أمامنا. لَم يُمانِع أيّ مِن إخوَتها أن تأخذ بيت خالي كتعويض لها، لكن تحت شرط أن تأخذ أيضًا سلوى التي بقيَت لوحدها بعد موت أخيها. فرِحتُ كثيرًا لأنّ خالتي كانت بمثابة صديقة لي، فبالرغم مِن فارِق السن بيننا، كنّا مُقرّبتَين بسبب تدنّي مستواها العقليّ الذي جعلَها وكأنّها في سنّي عندما كنتُ صغيرة فلِعبنا سويًّا وتقاسَمنا الكثير. وحين وقعَت أحداث هذه القصّة، كنتُ مُراهِقة، ووعدتُ والدَي بأنّني سأهتمّ جيّدًا بسلوى وأتقاسَم معها غرفتي.

بعد وصول سلوى إلى بيتنا، باعَت أمّي مسكَن خالي الذي كان في الأساس البيت العائليّ وقبضَت مبلغًا كبيرًا بعد أن اشترَته شركة ضخمة لبناء مُجمّع تجاريّ مكانه. إشترَت والِدتي الهدايا لأخوَتها ولنا جميعًا، ووضعَت ما تبقّى في حسابها المصرفيّ ونسينا الموضوع.

لكنّ أبي بدأ يُخطِّط لمشاريع مُستقبليّة مُعتمِدًا على المال الذي صارَت تملكه أمّي، الأمر الذي أثارَ النقاش الحادّ بينهما على صعيد شِبه يوميّ. فهي أرادَت التمسّك "بِميراثها" ودافَعنا عنها بوجه والِدي الذي تراجَعَ وتخلّى عن مشاريعه. أكمَلنا حياتنا، لكنّنا كنّا ننتظِرُ مِن أمّنا أن تصرِفَ بعض المال علينا وعلى أختها، أيّ أن يتغيّرَ شيئًا في حياتنا بعدما صارَ لها شِبه ثروة، لكنّنا لَم نرَ قرشًا تحت ذريعة أنّ علينا أن نبقى مُتواضعين وأن نصنعَ مُستقبلنا بنفسنا. في المبدأ، هي كانت على حقّ، لكن في الواقع، كانت أمّي تتمسّك بما لدَيها لنفسها.

ففي الخفاء، إستثمَرت والِدتي ببعض المشاريع المُربِحة بعدما وجدَت مَن ينصحُها بشخص خبير ماليّ. ويوم بعد يوم، تفاقَمَ المبلغ فاستطاعَت شراء شقّة ثمّ الأخرى، مِن دون أن يدري أحَد بالأمر. فبقينا نسكنُ في بيت صغير وقديم بالكاد يتَّسِع لعائلتنا، خاصّة بعدما إنتقلَت سلوى للعَيش معنا.

وكأنّ ذلك لَم يكن كافيًا، إكتشَفتُ مسألة نَصب والدتي للمسكينة خالتي يوم كنتُ كعادتي ألعَبُ معها في غرفتنا. فهي كانت مُمسِكة بلعبتها المُفضّلة حين قالَت:

ـ أحِب أختي كثيرًا... فهي اشترَت لي هذه العروسة!

 

ـ وهي تُحبّكِ كثيرًا أيضًا يا سلوى!

 

ـ أجل، فكلّما كنتُ أُعطيها المال، كانت تشتري لي لعبة. وتلك الألعاب كلّها مِن أخوَتي، جلَبوها لي مِن دون أن أُعطيهم ثمنَها.

 

ـ ربّما ألعاب أمّي كلّفَتها الكثير.

 

ـ أجل! فكلّ لعبة كلّفتها مصروفي بكامله! لكن إيّاكِ أن تُخبِري أحَد، فهذا سرّ بيني وبين أختي!

 

ـ لا عليكِ... لكن قولي لي... متى وكيف كانت والدتي تأخذُ ثمَن الألعاب؟

 

ـ في كلّ أوّل شهر، بعد أن أتقاضى مصروفي مِن إخوَتي، كانت أمّكِ تأتي إليّ سرًّا لتأخذَ كامل المبلغ لتشتري لي لعبة.

 

ـ لعبة واحِدة؟؟؟ بكامِل مصروفكِ؟؟؟

 

ـ أجل، لكنّه سرّ بيننا!

 

ـ أجل، أجل، لا تخافي. وباقي الشهر؟

 

ـ أنتظِرُ الشهر القادِم. على كلّ الأحوال، قالَت لي أمّكِ إنّ لا حاجة لي للمال طالما آكلُ وأشربُ، وطالما هي تجلِبُ لي لعبة كلّ شهر.

 

حاولتُ إخفاء تفاجئي واشمئزازي قدر المُستطاع كَي لا أُخيفَ خالتي، لكنّني كنتُ ناضِجة كفاية لِفهم ما كان يجري. تذكّرتُ أنّ والِدي كان يسأل أمّي دائمًا مِن أين كانت تأتي بالمال لِصرفه على علاج خالي المسكين، وهي كانت تُجيب: "أنا إمرأة قدورة وعامِلة، وأعرفُ كيف أضَع المال جانِبًا لأخي العزيز"، في حين لَم يتغيّر شيئًا في مصروفنا في البيت. أظنّ أنّ أبي اكتفى بذلك التفسير طالما ليس عليه أن يدفَع شيئًا مِن جَيبه لأخ زوجته.

بقيَ الموضوع يُشغِلُ بالي، فسألتُ أمّي ذات يوم:

ـ ماما... ألا يجدرُ بنا إعطاء بعض المال لسلوى كما كان يفعلُ أخوالي قَبل القسمة؟

 

ـ ولِما نُعطيها المال؟ فهي تعيشُ عندنا ولدَيها كلّ ما يلزم. على كلّ الأحوال، هي لا تخرجُ لوحدها لشراء الحاجيات ولا طلبات لها.

 

ـ إذًا هي لَم تصرف شيئًا مِمّا تقاضَته مِن إخوَتها خلال كلّ تلك السنوات. فأين ذلك المال؟

 

ـ لماذا تسألين؟؟؟ وما دَخلي أنا؟؟؟

 

ـ إهدئي يا ماما... لماذا الصراخ؟ فأنا لَم أتّهمُكِ بشيء، بل سألتُكِ سؤالًا بديهيًّا: أين المال؟

 

ـ خالتُكِ مُتأخِّرة عقليًّا، ربمّا هي رمَته أو مزّقَته أو حرَقته!

 

ـ لا أظنّ ذلك، فهي تَعي ما يعني المال وجِهة استعماله. حسنًا، سأسألُها بنفسي.

 

ـ لا! لا تسأليها!

 

ـ لماذا يا ماما؟

 

ـ فقد تختلِقُ قصّة بشأن المال، تعرفين كيف هي... إنّها تكذِبُ كثيرًا!

 

ـ بل العكس، لَم أسمَعها يومًا وهي تكذِب! ماذا تخفين يا ماما، تكلّمي أو سألتُها وسألتُ أخوالي!

 

ـ حسنًا! حسنًا، أيّتها الفضوليّة! كنتُ آخذُ مصروفها مِن أجل تأمين علاج أخي، ما الخطَب بذلك؟؟؟

 

ـ سأقولُ لكِ ما الخطَب بذلك... فكان باستطاعتكِ طلَب مُساعدة باقي إخوَتكِ في دفع ثمَن العلاج، لكنّكِ أصرَّيتِ على الاهتمام بالأمر بنفسكِ لتُطالِبي بالبيت بعد موت خالي. فكنتِ تعلمين أنّه لن يعيشَ طويلًا.

 

ـ وماذا إن فعلت؟ لَم يتأذَّ أحَد! حصَلَ خالكِ على علاجه، وجاءَت سلوى للعَيش معنا، وصارَ لدَينا مال!

 

ـ بل صارَ لدَيكِ أنتِ!

 

ـ إنّه مالي!

 

ـ إنّه مال سلوى! وما صارَ لكِ صارَ لنا جميعًا، فأنتِ أمّنا. وماذا عن البابا؟

 

ـ ذلك الفاشِل؟ لن يرى قرشًا منّي!

 

ـ بعدما صرَفَ كلّ ما لدَيه مِن أجلكِ وأجلنا؟

 

ـ لن أدَع أيًّا منكم أن ينعَم بمالي! إنّه لي!

 

ـ هل تغيّرتِ بسبب المال أم أنكِ كنتِ هكذا منذ الأوّل؟

 

ـ ماذا تعنين بهكذا؟؟؟

 

دخَلَ أبي علينا بسبب صراخنا وسألنا لماذا نتشاجَر، فأخبرتُه الحقيقة. هو نظَرَ إلى أمّي باستغراب ثمّ سحَبَها مِن ذراعها إلى غرفتهما وسمعتُ صراخهما. ثمّ أخذَت أمّي بعض الأمتعة وخرجَت مِن البيت صارِخة: "لستُ بحاجة إليكم جميعًا! فلدَي شقّتَين الآن! تدبّروا أمركم!".

خبَر الشقّتَين أذهلَنا، فأدرَكنا أنّها صارَت ثريّة بينما كنّا بالكاد نستطيع المواصلة حتّى آخِر الشهر.

إنقطعَت أخبار والَدتي لفترة، ولَم يُحاوَل أبي البحث عنها بسبب امتعاضه منها الكبير، فهو لَم يستطِع استيعاب ما فعلَته مِن أجل المال، أيّ تجريد أختها المعوّقة عقليًّا مِن مالها، وإخوَتها مِن الميراث، وعائلتها مِن العَيش بِرخاء. فهي لَم تعُد، أو تكن، المرأة التي أحبَّها وتزوّجها وبنى عائلة معها. إنتهى المطاف به بتطليقها وطَي صفحتها إلى الأبد. إتّصلَت أمّي بنا بضع مرّات ثمّ سمِعنا أنّها تزوّجَت.

مرَّت حوالي الخمس سنوات قَبل أن نسمَع خبَر أذهلَنا: فلقد أخذَ زوج أمّي كلّ ما لدَيها بعدما حمَلها على توكيله على مُمتلكاتها، وكان هو نفسه الذي ساعدَها على توظيف مالها في ما مضى. عندها كثرَت اتّصالاتها بنا وصارَت تُلمِّح بالعودة إلينا، غير مُدرِكة أنّنا علِمنا بالذي جرى لها. لَم يستقبِلها أبي، ولَم نُحاوِل تغيير رأيه.

صارَت أمّي تعيشُ عند أخوالي بالتداور بعدما أقنعَتهم أنّ سلوى كذِبَت بشأن المال لأنّها مُعوّقة عقليًّا، وهم صدّقوها ربّما لأنّ الحقيقة صعبة التصديق وأقنعوا أنفسهم بأنّها صادِقة. مرَّت السنوات، وتزوّجتُ وصِرتُ أمًّا ولا تزال والِدتي تلعَب دور المرأة المظلومة، لكنّنا نعرِف الحقيقة البشِعة ولا شيء سيُقنِعنا بعكس ذلك.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button