البيت المهجور (الجزء الثاني)

أخذَني فادي إلى بيتي وبكيتُ حين رأيتُ الجدران السوداء والخراب الذي أحدَثَه الحريق، فأدركتُ أنّني لن أستطيع دفع تكاليف التصليحات. لكن بعد أقلّ مِن نصف ساعة، رأيتُ عدَد لا يُحصى مِن السيّارات آتية، وترجَّلَ منها سكّان القرية حاملين ما يلزم للتنظيف وإزالة الركام. كانوا نساءً ورجالًا وصغارًا، ولَم أجِد الكلمات لشكرهم لكثرة تأثّري. ثمّ قال لي فادي: "تعالي، لِندَعهم يعمَلون على سجيّتهم".

لدى رؤيتي لهذا التضامن الذي لَم أتوقّع إيجاده في أيّ مكان، جفَّت دموعي، فكان مِن الواضح أنّني بالفعل بأمان بفضل فادي والسكّان. فعلِمتُ أنّني سأكون بخير وأنّ مُصيبتي الجديدة لن تقِفَ في طريق تحقيق حلمي.

لكنّ فادي كان لا يزال مهمومًا، فالذي فهمتُه مِن كلامه، هو أنّه علِمَ مَن وراء الحريق الذي نشَبَ في بيتي. إلّا أنّني لَم أعرِف مَن قصَدَ بكلامه، وأعترِفُ أنّني خِفتُ عليه، فمَن يفتعِل حريقًا قد يفعل المزيد. ركَضَ ولَداي لتفقّدي وحاولا أخذي إلى بيتَيهما وإقناعي بنسيان أمر العَيش لوحدي في البيت بعد الذي حدَثَ، لكنّني أكّدتُ لهما أنّني بالفعل بأمان في القرية وفي بيت فادي.

بقيَ فادي عاقِد الحاجِبَين لأيّام عديدة، بينما تابَعَ سكّان القرية أعمالهم في البيت إلى حين عادَ كما كان قَبل النيران. ولأنّني لَم أعُد قادِرة على الانتظار، سألتُه:

ـ فادي، لقد عوّدتَني على الصراحة... ما الذي حصَلَ بالفعل، مَن حرَقَ بيتي، وما هو أهمّ، لماذا؟

 

ـ قولي لي... لماذا باعَكِ أخ زوجكِ حصّته مِن البيت؟

 

ـ كان بحاجة إلى المال، إضافة إلى ذلك، أظنّ أنّه لَم يكن مُتعلِّقًا بالعَيش في القرية، فهو صارَ مِن سكّان المدينة منذ فترة طويلة.

 

ـ الحقيقة أنّني سألتُ عنه، وليس هناك مِن دلائل على حاجته إلى المال.

 

ـ ربّما أرادَ دخول مشروع ما... فلَم أقُل إنّه فقير. لكن لماذا تسأل عن حالته المادّيّة؟

 

ـ حادِثة الحريق مُريبة، فلا أحَد يعرفُكِ هنا في القرية ليتمنّى لكِ الأذيّة.

 

ـ ربّما أتى شبّان ولعِبوا بما قد يشتعِل، فشبّ الحريق.

 

ـ ليس لدَينا هكذا شبّان في القرية.

 

ـ قد يكونون قد أتوا مِن قرية مُجاوِرة ورأوا أنّ البيت مهجور فاستعملوه ليلهوا.

 

لَم يقتنِع فادي بنظرّيتي، لكنّه سكَتَ، ثمّ غيّرَ الحديث لنتكلّم عن كيفيّة مُتابعة أعمال الترميم التي بدأناها قَبل الحريق. أمّا مِن جانبي، فنسيتُ موضوع جمال أو إمكانيّة افتعال الحريق مِن قِبَل أيّ أحَد.

إلّا أنّ اتِّصال مِن أخ زوجي غيّرَ المُعطيات:

ـ سمعتُ بالذي حدَثَ للبيت، هل أنتِ بخير؟؟؟

 

ـ أجل، إنّها حادِثة مؤسِفة لكن عرضيّة.

 

ـ هل تنوين العَيش في البيت؟

 

ـ أجل، ولماذا لا أفعل؟ حالما تنتهي أعمال الترميم، سأنتقِل إليه وأبقى فيه.

 

ـ ماذا لو حدَثَ شيء آخَر؟

 

ـ ماذا تعني؟

 

ـ لا أعني شيئًا بالتحديد، لكن...

 

ـ لكن ماذا؟

 

ـ ماذا لو عادَ هؤلاء؟

 

ـ مَن تقصِد بهؤلاء؟

 

ـ لا أحَد، لا أحَد.

 

ـ بلى، قصَدتَ أناسًا مُحدّدين!

 

ـ عنَيتُ مَن أضرَم النار في البيت.

 

ـ إنّها حادِثة عابِرة كما قلتُ لكَ.

 

ـ حسنًا... لكن احترسي لنفسكِ، أرجوكِ.

 

نقَلتُ الحديث لفادي الذي غضِبَ، ثمّ هدأ بسرعة مؤكِّدًا لي أنّ ذلك الرجُل كان فقط خائفًا عليّ، لكنّني لَم أُصدِّقه. وبالفعل، بعد أيّام قليلة، بينما كنّا جالسين جميعًا في البيت ذات مساء، قالَ لي فادي:

ـ ماذا تعلمين عن عمّكِ أبي زوجكِ المرحوم؟

 

ـ للحقيقة، لَم أتعرَّف إليه إلّا سنوات قليلة قَبل موته. لماذا تسأل؟

 

ـ ومتى غادَرَ هذه الدنيا؟

 

ـ منذ فترة طويلة. ما الأمر؟

 

ـ ذلك العجوز لَم يكن إنسانًا بريئًا، هل تعلَمين ذلك؟

 

ـ ما هذا الكلام؟ بل العكس، كان عجوزًا طيّبًا للغاية وكنتُ أحبُّه كثيرًا!

 

ـ لا تنسي أنّكِ عرفتِه في سنواته الأخيرة وعندما كان يعيشُ في المدينة. أمّا نحن، فنعرِفه جيّدًا، أليس كذلك يا ماما؟

 

عندها قالَت لي أمّ فادي:

ـ أجل، كان إنسانًا صعب المزاج وعصبيّ وأنانيّ. كنّا نتفاداه قدر المُستطاع.

 

ـ أمر عجيب! أب زوجي كان هكذا؟؟؟

 

ـ أجل يا صغيرتي... وكان يتعاطى السياسة، وشغَلَ منصِبًا في أحَد الأحزاب.

 

ـ أكملي.

 

ـ فاستغلّ نفوذه ليفعل ما يشاءَ في القرية. وصَلَ الأمر به ليُنصِّبَ نفسه مسؤولًا عن الأهالي وأرزاقهم.

 

ـ يا إلهي! عمّي فعَلَ ذلك؟؟؟

 

ـ أجل... وذلك البيت... كان مُلكًا لأحَد السكّان الذي بناه لتوّه ليتزوّج فيه، لكنّ عمّكِ أخذَه منه بالقوّة.

 

ـ بالقوّة؟ كيف؟

 

ـ هدّدَه بأنّه سيموت فيه وعروسه... حرقًا.

 

ـ حرقًا؟!؟ يا للأمر الفظيع!

 

ـ أجل، خافَ الشاب، فقبِلَ أن يبيعه له بسعر رمزيّ.

 

ـ بيتي أنا؟ ذلك نفسه الذي أرمِّمُه؟

 

ـ أجل. عاشَ فيه عمّكِ وعائلته فترة قصيرة قَبل أن يتنقِل مع عائلته إلى المدينة، وزارَه مرّات قليلة مع زوجكِ وأخيه.

 

ـ أجل، ولقد رافَقتُ زوجي إلى هنا مرّة أو اثنتَين. كان ذلك منذ فترة طويلة! لكن ما دخل هذه القصّة بي أو ببيتي؟

 

عندها تدخَّلَ فادي قائلًا:

ـ سألتُ نفسي السؤال ذاته، وبعد الحريق، جلتُ على سكّان القرية وخاصّة القدامى منهم، وفهمتُ ما جرى.

 

ـ هيّا! أخبِرني!

 

ـ حسنًا... فلقد أقسَمَ أب الشاب الذي بنى البيت أنّ لا أحَد منكم سيسكنُ فيه، وذلك بعد أن غادَرَ عمّكِ إلى المدينة ومات، وأقسَمَ أيضًا أنّ مَن يعيشُ في البيت سيموتُ فيه حرقًا. ماتَ ذلك الرجُل، لكنّ "العريس" قرَّرَ المُحافظة على ذلك القسَم وتمريره لأولاده الذين صاروا اليوم راشدين. وأظنُّ أنّ جمال على عِلم بالموضوع.

 

- لكنّه لَم يكن ينوي العَيش في البيت، بل أرادَ مالًا.

 

ـ هل أنتِ مُتأكِّدة مِن ذلك؟

 

مسكتُ هاتفي واتّصلتُ على الفور بأخ زوجي:

ـ قُل لي يا جمال... هل نويتَ العَيش في البيت القرويّ يومًا؟

 

ـ لا... لا... لماذا هذا السؤال؟

 

ـ أجِبني بصراحة! مِن حقّي أن أعلَم، خاصّة بعدما عرفتُ بقصّة أبيكَ وطريقة شرائه العقار وتهديده لذلك العريس! تكلّم!

 

ـ حسنًا... أجل، فكّرتُ بأن أتقاعَد فيه، فالمكان جميل... زرتُ العقار وعايَنتُ الأضرار التي فيه وكنتُ على وشك البدء بالترميم حين وصلَني تهديد خطّي يُحذِّرُني مِن الانتقال إلى البيت. تذكّرتُ قصّة القسَم فغيّرتُ رأيي.

 

ـ وعرضتَ عليّ شراء حصّتكَ!

 

ـ في البدء عرضتُ عليكِ أن نبيعه، لكنّكِ أبدَيتِ رغبتكِ بشرائه!

 

ـ ولَم تُفكِّر أنّكَ بذلك تُعرّض حياتي للخطَر؟؟؟

 

ـ بلى... لكنّني قلتُ لنفسي إنّ لا أحَد سيؤذي امرأة في مُنتصف عمرها، صدّقيني! والدليل أنّهم أحرَقوا البيت حين لَم تكوني فيه!

 

ـ أيّها الوغد!

 

أقفلتُ الخط بغضب، ثمّ استدَرتُ إلى فادي وسألتُه:

ـ ماذا أفعل الآن؟ أعودُ إلى المدينة؟ فلا أُريدُ أن أموت أو أن يضيعَ مالي!

 

ـ سأرى ما بإمكاني فعله.

 

طالَ انتظاري وكنتُ بحالة يُرثى لها، فكلّ الذي فعلتُه مِن أجل قضاء آخِر أيّامي في ذلك المكان ذهَبَ سدىً! فما دخلي بتلك الأمور العائليّة والقرويّة؟

وبعد أيّام طويلة، قالَ لي فادي:

ـ لقد اجتَمعتُ مع تلك العائلة وكانت المُفاوضات طويلة ومُعقّدة، لكن للأسف لَم أستطِع تغيير رأيهم، فلن يسكنَ أحَدٌ في البيت... غيري.

 

ـ أنتَ؟ وما دخلكَ؟

 

ـ إنّهم يثقون بي ويكنّون لي موّدة خاصّة.

 

ـ وهل تنوي شراء البيت منّي؟

 

ـ لا، بل فقط العَيش فيه معكِ.

 

ـ معي؟ لستُ أفهَم... كيف تعيشُ فيه معي مِن دون...

 

ـ زواج؟ الأمر سهل للغاية: نتزوّج!

 

ـ نتزوّج؟؟؟ وهل...

 

ـ أجل، أُريدُكِ وأردتُكِ منذ أوّل مرّة رأيتُكِ فيها. وبعد أن سكَنتِ معنا، تأكّدتُ مِن أنّ مشاعري كانت في مكانها.

 

ـ لكنّني...

 

ـ خذي وقتكِ وأعطِني جوابًا حين تنتهي أعمال الترميم.

 

ـ لكن… في حال رفضتُ عرضكَ سأكون قد رمَّمتُ البيت مِن دون جدوى!

 

ـ مَن قالَ إنّكِ سترفضين؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button