افتنت بحماتي

عدتُ مِن الولايات المُتحدّة وشيء واحد في بالي: إيجاد المرأة التي سأتقاسمُ معها باقي حياتي وكلّ ما جنَيتُه خلال مكوثي في الغربة. أرَدتُ أن تكون تلك الإنسانة مِن بلَدي الحبيب، فكلّ اللواتي تعرّفتُ إليهنّ في أمريكا كنّ تفتقدنَ الحياء الشرقيّ والأنوثة التي تتميّز بها بنات بلداننا. أحبَبتُ أن تصير لي زوجة وأمًّا لأولادي وستّ بيت ممتازة تمامًا كما هي والدتي، أطالَ الله بِعمرها.

وبالطبع ركَضَ الجميع للبحث عن اللؤلؤة النادرة، بِدافع المحبّة... ومركزي في الولايات المُتحّدة. فالتي سيختارُها قلبي كانت ستعيشُ كالملكة في الفيلا الجميلة التي بنَيتُها لتكون عشّنا الذهبيّ.

أرَوني ما لا يقلُّ عن عشرين فتاةً، وواحدة منهنّ فقط إستقطبَت إهتمامي ليس بسبب جمالها أو فطنتها أو ثقافتها... بل بسبب أمّها!

كانت حنان إبنة جارتنا ميرفَت، وهي إمرأة لطالما أعجَبَتني عندما كنتُ مُراهقًا، وحلِمتُ بها مرارًا آنذاك كما يفعلُ أولاد جيلي. إلا أنّني سافَرتُ إلى خالي في الولايات المُتحّدة وبقيتُ هناك حتى عُدتُ لأتزوّج، أي بعد عشرين عامًا. كنتُ قد نسيتُ طبعًا أمر ميرفَت، إلى حين رأيتُها مجدّدًا يوم جاءَت لِتزورُ أمّي بصحبة إبنتها حنان. هي لَم تتغيّر قط، وكأنّ الزمَن لم يلمس وجهها أو جسدها، وعادَت بي إلى سنّ حيث كان كلّ شيء فيه مُمكنًا.

لَم يُلاحظ أحد إهتمامي بميرفَت بل خالَ الجميع أنّ حنان هي التي أعجَبَتني. وحين عُدنا إلى البيت، سألَتني أمّي عن رأيي بالفتاة، فأجبتُها أنّها أفضل إختيار حتى الآن، لكن عليّ معرفتها أكثر. لِذا، صِرتُ أزورُ جيراننا باستمرار، ليس لأرى الفتاة، بل أمّها. وهما فعلَتا ما بوسعهما لِتكريم ضيفهما.

صِرتُ آخذ الإمرأتَين في نزهات طويلة وإلى المطاعم، وقضيتُ مُعظم فرصتي معهنّ. وحين جاءَ الوقت لأعودَ إلى الولايات المُتحّدة، تمَّت خطوبتي على حنان. هل أحبَبتُ ولو قليلاً تلك الفتاة؟ أبدًا، فكلّ ما كان يدورُ في رأسي كان كيفيّة التواجد مع ميرفَت قدر المُستطاع، حتى لو تطلّبَ ذلك الزواج مِن إبنتها.

 


بعد وصولي إلى أمريكا، بدأتُ بالمُعاملات لاستقبال خطيبتي وأمّها لي. كان الأمر سهلاً، فميرفَت كانت أرملة ولَم تُنجب سوى حنان، أي أنّها كانت قادرة على ترك البلد والبيت لأشهر. وحجّتي كانت أنّ على حنان أن تختبرَ الحياة في البلد التي ستقيمُ به قبل الزواج، ولَم يكن مِن الجائز أن تأتي إليّ بمفردها. الكلّ صدَّقَ الأمر، وهكذا رحتُ آخذ حبيبة قلبي وابنتها مِن المطار بلهفة غير مسبوقة. فلَم أجرؤ أن أتصوّر، حتى في أحلامي، أن تعيشَ ميرفَت معي في بيت واحد!

قضَينا أشهرًا جميلة للغاية نحن الثلاثة، وخالَت حنان حقًّا أنّني أحبُّها وأريدُها وأفعلُ كلّ ذلك مِن أجلها. أعلم أنّ ما فعلتُه كان سيّئًا، إلا أنّ في ذلك الوقت، بدَت لي الأمور جدّ منطقيّة ومقبولة. ففي آخر المطاف، كنتُ سأقدّمُ لخطيبتي حياةً جميلةً ولن ينقصُها شيء على الاطلاق. أمّا بالنسبة إليَّ، فكلّ ما كنتُ أريدُه، هو أمّها!

ميرفَت هي الأخرى صدّقَت حبّي لابنتها، مع أنّني كنتُ أريدُها أن تعرف مدى غرامي لها، لكنّني سكتُّ خوفًا مِن أن تصدَّني وترحل. لِذا أوهَمتُها بأنّها ليست سوى حماة أقدّرُها أحترمُها.

عدتُ إلى البلد مع خطيبتي ووالدتها، وعقَدنا قراننا وأقَمنا فرحًا جميلاً ورجعتُ إلى الولايات المُتحّدة لأحضّر أوراق زوجتي... وأمّها. فكنتُ قد حمَلتُ حنان، بطريقة غير مُباشرة، على جَلب ميرفَت معها إلى أمريكا. فعلتُ ذلك مِن دون أن تعي زوجتي بأنّني صاحب الفكرة، بل هي. فكيف لها أن تتركَ بصورة نهائيّة أرملة لا أحد لها؟ مانعَت ميرفَت في البدء لخوفها مِن أن تشكّل ثقلاً علينا، لكنّني أصرَّيتُ على أن تأتي مع إبنتها... بِصفتي الصهر الممتاز.

...وهكذا حصل.

في الفترة الأولى، مثّلتُ ببراعة دور الزوج المُحبّ، إلا أنّ الأمور صارَت مع الوقت أصعب عليّ، خاصّة في أوقاتنا الحميمة. فأثناء تأدية واجباتي الزوجيّة، كنتُ أفكّر بميرفَت لا بزوجتي. ولاحقًا، باتَ واضحًا لي أنّني لَم أعد قادرًا على تصديق تخيّلاتي، فقرّرتُ التخفيف، قدر المستطاع مِن العلاقات الزوجيّة.

إهتمَّت ميرفَت ببيتنا، أي صارَت تطهو لنا وترتّب المكان. وأنا فرحتُ بذلك، فالأمر كأن وكأنّ البيت بيتها وهي زوجتي الفعليّة. أمّا حنان، فلَم تكن تفعل شيئًا، الأمر الذي حمَلَها على الشعور بالملل الذي ولّدَ لدَيها حالة اكتئاب بسيط. فهي ضمنًا أحسَّت بأنّ شيئًا لَم يكن على ما يُرام وأنّها ليست حقًّا سيّدة البيت. هل ظهر شيء مِن تصرّفاتي مع أمّها أم أنّها لاحظَت نظراتي لِمرَفت؟ فصارَت زوجتي سريعة الغضب، وعلِمتُ أنّها تتشاجرُ مع أمّها بصورة دائمة خلال وجودي في العمل.

حاولَت حنان معرفة سبب عدَم مُعاشرتي لها، فاعتذرتُ لها وتحجّجتُ بمشاكل في عملي وهي تظاهرَت بتصديقي. أكمَلنا حياتنا هكذا طوال سنة، ومِن ثمّ أعربَت زوجتي عن نيّتها العودة إلى البلاد. عندها توقّفَ قلبي عن الخفقان مِن خوفي أن أفقد حبيبتي الفعليّة فاضطرِرتُ لمعاودة حياتي الزوجيّة، لفترة مِن الزمَن.

 


حمِلَت حنان ونسيَت شكوكها ومخاوفها. وفرِحتُ للغاية، ليس لأنّني سأصبحُ أبًا، بل لأنّ حماتي كانت ستُجبَر على البقاء معنا مهما حصل للإهتمام بابنتها ولاحقًا بالطفل.

لكنّ حبّي السرّيّ كان يخنقُني. وكان لابدّ لي أن أفصِحَ يومًا عن حبّي لميرفَت، إلا أنّني بقيتُ خائفًا مِن ردّة فعلها أو فقدانها إلى الأبد. فكان مِن الواضح أنّها لا ترى فيّ سوى صهر عظيم.

وُلِدَ ابننا، الأمر، الذي أنساني بعض الشيء حيرتي وحاجتي المُلحّة للإفصاح عن مشاعري الحقيقيّة. وبعد حوالي السنة، سافرَت ميرفَت إلى البلد لتكون بجانب أختها المريضة. بكيَ قلبي عند رحيلها، وصلَّيتُ أن تموت تلك الأخت لتعود إليّ حبيبتي بأسرع وقت. لكنّ المريضة بقيَت على قَيد الحياة تُعاني مِن داء طويل الأمَد وغير فتّاك.

بان حزني عليّ، واحتارَت زوجتي بأمري فهي لَم تعرف السبب الحقيقيّ طبعًا وتصوّرَت أشياء كثيرة. فقدتُ رغبتي بالحياة، فكلّ ما فعلتُه كان مِن أجل إبقاء ميرفَت معي وها هي بعيدة كلّ البُعد عنّي، وكأنّني لَم أفعل شيئًا!

إهتمَّت حنان كثيرًا بي وبإبننا، ولأوّل مرّة شعرتُ بالدّفء. فكنتُ قد قضيتُ حياتي أحصّل العلم ومِن ثمّ أعمل لأجني ما يكفي لبناء عائلة، وها أنا أُدركُ أنّ صارَ لي عائلة... وزوجة مُحبّة.

حينها اكتشفتُ أنّ حبّي لميرفَت لَم يكن سوى سراب، بقايا أحلام مُراهق أمام إمرأة ناضجة تُجسّدُ ذروة الإغراء.

وذات يوم رأيتُ حنان بصورة مُختلفة تمامًا، وامتلأت عَينَاي بالدموع وعانقتُها مطوّلاً هامسًا: "كم أحبُّكِ!". هي بكَت أيضًا وفي تلك اللحظة صرنا فعلاً زوجَين وأبوَين.

زرنا البلد مع إبننا بعد ثلاث سنوات واستقبلَنا الجميع بفرَح وشوق. وبعد أن رأينا ذويّ، رحنا إلى ميرفَت. كان قلبي يدقّ بسرعة، فقد خفتُ حقًّا أن يُعاودَني حبّي لها وافتتاني بها، الشيء الذي لَم أكن أريدُه بعد أن وجدتُ السعادة الحقيقيّة.

لكنّني لَم أشعر بشيء تجاه حماتي، أو بالأحرى فقط بإحساس بسيط، وكأنّه حلم يصعب تذكّره بوضوح. روينا لها قصصًا كثيرة وهي لعبَت مع ابننا ولم تشبَع مِن تقبيلَه. بعد ذلك عُدنا إلى منزل أهلي لقضاء بضع أيّام قبل الإنتقال إلى الفندق.

في ليلتنا الأولى، جلستُ مع أمّي بعد أن نامَت حنان وإبننا، وصرتُ أقصُّ عليها أخبارًا طريفة عن الولَد. ثمّ سألتُها عن حالة أخت ميرفَت، فلَم أشأ سؤال حماتي مُباشرةً كي لا أفسد عليها فرحة لقاء إبنتها وحفيدها بعد فترة طويلة مِن الفراق. فأجابَت والدتي:

 

ـ أخت مرفَت؟ ما بالها؟

 

ـ هي مُصابة بمرض عضال، المسكينة.

 

ـ بل هي بألف خير! مِن شهر تقريبًا جاءَت ميرفَت وأختها لزيارتي ولَم يبدُ على الأخيرة أيّ مرَض.

 

ـ ربمّا شفيَت.

 

ـ أقولُ لكَ إنّها بألف خير ولَم تمرض يومًا!

 

وفهمتُ ما حدث: كانت ميرفَت قد لاحظَت طبعًا إهتمامي بها وربمّا غرامي وخافَت أن تخربَ زواج إبنتها، فاخترعَت قصّة الأخت المريضة لتختفي مِن حياتنا وتُفسحَ أمامي وابنتها المجال لنحبّ بعضنا. إمرأة عظيمة... لطالما كانت وستبقى هكذا. لَم يخطئ قلبي حين أحبّها، لكنّه أخطأ في تسمية هذا النوع مِن الإنجذاب حبًّا.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button