إشاعات مؤذية

في الكثير مِن العائلات، هناك مَن تكون سيرته مُخزية فيبتعِدُ عنه الجميع خشيةً أن تطالُهم ألسُن الناس. ونحن كان لدَينا ماجدة، إبنة المرحوم عمّي.

كانت تلك الصبيّة بغاية الجمال، وتُحيط نفسها بشكل دائم بسرب مِن المُعجَبين. ليس ذلك فقط، بل قيلَ عنها إنّها تبيعُ محاسنها للرّجال. لَم يتأكّد ذلك الخبر، لكن الحُلى التي كانت تلمَع في معصَميها وأصابعها وحول عنقها، كانت دلالة واضحة على حصول أشياء مشبوهة. فقد كانت عائلة ماجدة فقيرة، بعد أن توفّيَ والدُها وتركَها هي وأخوتها وأمّها مِن دون مدخول. شاركَت العائلة بأجمعها لإعالتهم إلى أن بلغوا سنّ الرشد. لكنّ ذلك لَم يكن طبعًا كافيًا لتعيش إبنة عمّي حياة الشابّات المُدلّلات.

للحقيقة، كنتُ أُحبُّ ماجدة كثيرًا، فلقد كبرنا ولعبنا سويًّا وكانت تربطُنا مودّة واضحة ومتينة. هذا إلى حين قيلَ لي إنّ عليّ الكفّ عن التعاطي معها، كَي لا "ينقطِع نصيبي" أي أن يهربَ منّي العرسان بسبب سمعة إبنة عمّي السيّئة. حزنتُ كثيرًا، وبقيتُ لفترة مِن الزمَن على اتصال بها سرّيًّا، لكنّ انشغالات ماجدة الكثيرة أبعدَتها عنّي نهائيًّا.

تابعَت ماجدة حياتها الصاخبة وأنا حياتي الهادئة، ولَم يحدث شيء يُذكر خلال سنوات عديدة، إلى أن علِمتُ مِن أمّي أنّ ابنة عمّي عادَت لتوّها مِن سفر إلى الولايات المتحّدة حيث قضَت فترة طويلة. لَم يُدهشني الخبر بحدّ ذاته، بل ما قالَته لي والدتي وبأيّة طريقة:

 

ـ لقد عادَت ماجدة! لو ترَينَها! إنّها بغاية الأناقة والتألّق!

 

ـ كيف لي أن أراها؟ فهي، كما تقولين، كانت مُسافرة. وعلى كلّ حال، مِن غير المسموح لي أن أتخالَط معها.

 

ـ هذا كان مِن زمان يا حبيبتي، كنتِ يافعة وسريعة التأثّر. أمّا الآن، فلَم يعُد عليكِ خوف.

 

ـ يعني ذلك أنّني قادرة على رؤيتها؟

 

ـ بل سأذهب معكِ لزيارتها، فأنا اشتقتُ لها كثيرًا.

 


تصوّروا مدى استغرابي لهذا الكلام، فلطالما كانت أمّي تتحدّثُ عن ماجدة بألفاظ قاسية للغاية وتنعتُها بأسوأ النّعوت. فما كان سبب هذا التغيّر المُفاجئ؟ علِمتُ الجواب يوم ذهبنا سويًّا لزيارة إبنة عمّي. أخَذَنا سائق الأجرة إلى حيّ راقٍ مِن العاصمة، وأنزلَنا أمام مبنى رائع الجمال. وكانت والدتي بغاية الحماس، الأمر الذي لَم أفهمه.

عند المدخل، أوقفَنا الحارس ليسألنا مَن نكون وماذا نُريد، فأجابَته والدتي بثقة واضحة: "لدَينا موعد مع الستّ ماجدة، نحن قريبتَاها." نظَرتُ إلى أمّي مُستفسرةً، لكنّها لَم تُلاحظ إستغرابي، واستقلّينا المصعد إلى الطابق الأخير. حسبتُ أنّ ابنة عمّي تسكنُ في شقّة، إلا أنّ المبنى كلّه كان بمثابة مسكن واحد تملكه هي حصريًّا. ولكن كيف لها أن تعيش في مكان كهذا؟

كانت ماجدة بانتظارنا، وبالكاد نظرَت إلى أمّي لكنّها ركضَت إليّ تقبّلُني بقوّة. كانت إبنة عمّي فعلاً متألّقة، وفرِحتُ لها جدًّا. وبعد أن دخلنا، جلسنا في صالون لَم أرَ مثله في حياتي. والدتي بقيَت صامتة وعلى وجهها بسمة غبيّة أرادَتها مُعبِّرة، لكنّ ماجدة كانت تعلم تمام العلم أنّها التي منعَتني مِن رؤيتها.

جاء نادل بلباسٍ خاص ليُقدّم لنا القهوة والحلوى، وبدأَت ماجدة بالكلام:

 

ـ أشكرُكما على زيارتكما لي... كَم مضى مِن الوقت، يا زوجة عمّي؟

 

إحمرّ وجه أمّي وقالَت بصوت خافت:

 

ـ لستُ متأكّدة... سنوات قليلة.

 

ـ بل عديدة، يا زوجة عمّي. هذا لا يهمّ، فنحن الآن مُجتمِعات في صالوني.

 

ثمّ استدارَت إليّ وسألَتني:

 

ـ ماذا عن حياتكِ؟ هل أنتِ سعيدة؟

 

ـ أجل، كلّ شيء هو كما أرَدتُه أن يكون. أخبريني أنتِ عن سفركِ إلى الولايات المتحّدة، فلَم أعلَم أنّكِ غادَرتِ البلاد.

 

ـ أنا المذنبة، سامحيني. سافرتُ بعدما عثَرتُ في الصحيفة على فرصة عمل في فندق لِمغترب، وتشجعّتُ للذهاب بعدما... بعدما وجدتُ نفسي وحيدة ومعزولة في بلدي ومِن قِبَل أقرب الناس إليّ.

 

لدى سماع ذلك كادَت أمّي أن تختنق بقطعة الحلوى التي في فمها، إلا أنّ ماجدة تابعَت:

 

ـ عمِلتُ كمُضيفة في الفندق، وكنتُ سعيدة بالرغم مِن قساوة الحياة في ذلك البلد الكبير. وبدأتُ أبعث لأهلي بالمال الكافي ليعيشوا بكرامة وصارَ لي أصدقاء كثر.

 

لَم تستطع والدتي السكوت وقالَت:

 

ـ لطالما كان لدَيكِ أصدقاء كثر!

 

ضحِكَت ماجدة لهذا التلميح المُزعج، لكنّها لم تُجِب إحترامًا لسنّ والدتي، بل أكملَت قصّتها:

 


ـ لكن أخبارًا عن بَيع الفندق بدأت تتداوَل بين الموظّفين وخفنا كلّنا طبعًا على مصيرنا. صلَّينا أن تكون مجّرد إشاعة، لكنّها كانت الحقيقة. وبعد أشهر قليلة، إنتقَلَ الفندق إلى شخص آخر... أي زوجي الحالي.

 

إبتسمَت أمّي وقالَت:

 

ـ تستحقّين الأفضل يا حبيبتي. هل تذكرين حين كنتِ تلعبين مع ابنتي عندنا في البيت؟

 

ـ وأتذكّر كيف منعتِ إبنتكِ مِن اللعب معي لاحقًا. يا لَيتكِ، يا زوجة عمّي، تكفّين عن مُقاطعتي.

 

ـ عذرًا.

 

ـ عندما جاء المالك الجديد، تفاجأنا بسنّه، فهو كان شابًّا مُقارنة بالمالك القديم ولطيفًا للغاية. شعَرنا وكأنّه واحد منّا وفعَلنا المُستحيل لإرضائه.

 

ـ "طبعًا!" قالت أمّي.

 

عندها، نظرتُ إلى والدتي لِتسكت وتتوقّف عن التلميحات لإبنة عمّي وتتركها تروي لنا ما حصَل. ضحِكَت ماجدة وتابعَت:

 

ـ وعلى مرّ الوقت، بدأ مايكل يشعرُ بانجذاب قويّ لي وبدأنا نتواعد. وبعد حوالي السنة، تزوّجنا وسكنّا في قصره إلى أن أبدَيتُ الرغبة بشراء عقار في بلدي. وها أنا هنا!

 

فرحتُ لماجدة، ليس فقط لأنّها تزوّجَت ومِن رجل ثريّ للغاية، بل لأنّها كانت سعيدة وهذا كلّ ما كان يهمُّني. لكنّني لَم أكن أفهم بعد حبّ أمّي المفاجئ لها. هل كان ذلك بسبب أحوالها المادّيّة؟

لَم أكن مُخطئة باستنتاجي، فالمال والجاه يُمحيان الآثام، على الأقل لدى النفوس الصغيرة والجائعة. فما لَم أكن أعلمه، هو أنّ أبي كان سيُسرَّح مِن عمله بسبب أوضاع الشركة التي كان يعمل فيها الماليّة السيّئة، وكنّا سنجدُ أنفسنا في مأزق كبير. صحيح أنّني كنتُ أعمل آنذاك، لكن كمدّرسة بسيطة ولَم يكن راتبي بكافٍ لحَمل أعباء عائلة بكاملها. ورأَت والدتي في ماجدة مصدر رزق جديد. فقد اعتبرَت أنّ على إبنة عمّي ردّ الجميل الذي حصلَت عليه مِن قِبَلنا عندما كانت صغيرة وبعد أن ماتَ والدها. كيف لأحد أن يُمنِّن غيره هكذا؟

لاحقًا، وفي إحدى الأمسيات، دخلَت والدتي غرفتي وقالَت لي:

 

ـ عليكِ التقرّب مِن ماجدة يا حبيبتي، فهي صارَت مليونيرة.

 

ـ ولَم تعُد الآن إنسانة رخيصة ومُجرّدة مِن الأخلاق عليّ الإبتعاد عنها؟

 

ـ هذا الكلام مرّ عليه الزمَن. أنا متأكّدة مِن أنّ ابنة عمّكِ كانت تمرّ بِفترة عصيبة حملَتها على ارتكاب الحماقات. فهي كانت يتيمة الأب وأصابَها الضياع.

 

ـ ولماذا لَم تأخذي آنذاك هذه المُعطيات بعَين الإعتبار وحضَنتِها ونصحتِها؟

 

ـ لا تنتقديني الآن! فأمامنا فرصة ذهبيّة! صادقي ماجدة واحمليها على مُساعدتنا كما ساعَدناها.

 

ـ هي لَم تطلب منّا شيئًا، لِذا سأفعلُ مثلها. إن كنتِ تريدين استغلالها فقومي بذلك بنفسكِ!

 

قصدَت والدتي ماجدة لتطلب منها المال، ولَم تحصل سوى على مبلغ صغير نسبة لما كانت تتأمّلُه، الأمر الذي أغضبَها إلى أقصى درجة وحملَها على الرغبة بالإنتقام. فبالنسبة لها، كان على ماجدة إعطاؤها ثروة، الأمر الذي كان طبعًا غير منطقيّ. لذلك، إنتظَرت أمّي حتى علِمَت أنّ زوج ماجدة الأمريكيّ جاء إلى البلد بزيارة خاطفة، فقصدَته في البيت حين كانت إبنة عمّي عند أهلها. وقامَت والدتي بإخبار ذلك الرجل عن ماضي زوجته، إنتقامًا منها. وأبشَع ما في الأمر، أنّها تباهَت بنفسها عند عودتها إلى البيت، الأمر الذي أثارَ اشمئزازي وانفعالي. خفتُ على ماجدة كثيرًا، فلَم يكن مِن العدل أن تخسَرَ حياتها الهنيئة بسبب غيرة إنسانة مؤذية، فأسرَعتُ إلى الإتصال بابنة عمّي لإخبارها بالذي فعلَته أمّي، كي تحضّر لنفسها خطّة دفاع حين يُواجهُها زوجها بالذي علِمه.

لكنّ ماجدة قالَت لي:

 

ـ لا تخافي يا عزيزتي، لكنّني أشكركِ على غيرتكِ عليّ، فلطالما كنتِ إنسانة مُحبّة ونزيهة، على خلاف أمّكِ. فهي وللمرّة الثانية في حياتي، تُحاول تشويه سمعتي أمامكِ وأمام الناس. في المرّة الأولى نجحَت بذلك لأنّني كنتُ يافعة وضعيفة، لكن في هذه المرّة، صرتُ إمرأة قويّة وعنيدة. صحيح أنّني اقترَفتُ الأخطاء في ما مضى، لكن ليس بالقدر الذي قيل عنّي. فلَم أكن أبيعُ محاسني لأحد، بل أخرجُ مع أناس أغنياء كانوا يُقدّمون لي الهدايا. فالفقر كان صعبًا عليّ للغاية، وما كنتُ أبحثُ عنه فعلاً، هو اهتمام الرجال بي والشعور بِحبّهم لي عبر ما كانوا يُهدوني إيّاه. كنتُ بحاجة إلى الأمان الذي حرَمَني منه موت أبي. وهذا ما لَم يفهمه أحد. أمّا اليوم، فلَم يعُد يستطيع كلام الناس أن يطالَني، خاصّة أنّ زوجي رجل عاقل ورصين. فمَن يجمع ثروة طائلة مِن جراء تعبه، لا يقفُ عند شائعات تافهة. إنّ زوجي يعرفُ مَن أكون، وكم أنا مُخلصة له، ويعرفُ أنّ مَن يقصدُه بهكذا أخبار له دوافع خاصّة.

 

ـ لقد أرحتِ قلبي يا ماجدة! أرجو ألا يؤثّر تصرّف أمّي على علاقتنا.

 

ـ هذا لن يحصل.

 

وعُدنا كما في الماضي، أي نمضي مُعظم وقتنا سويًّا، وهذا بالرّغم مِن مُعارضة أمّي. لكن هذه المرّة، تدخَّلَ أبي ومنَعها مِن بثّ سمومها مُجدّدًا.

لَم أقبَل أيّة مُساعدة ماليّة مِن ماجدة كي لا يُؤثّر ذلك على علاقتنا. وبعد شهرَين، غادرَت إبنة عمّي البلد لتعود إلى الولايات المتحدة لتبقى إلى جانب زوجها. أنوي زيارتها قريبًا، فهي تنتظرُني على أحرّ مِن الجمر.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button