دخَلتُ محلّ الألعاب لآتي بالهدايا لأولادي بمناسبة العيد، حين سألَتني البائعة الجميلة:
ـ هذه الألعاب لأولادكَ، سيّدي؟
لستُ أدري لماذا، لكنّني أجبتُها:
ـ لا... أنّها لأولاد أخي، فأنا لستُ مُتزوِّجًا.
رأيتُ البسمة على وجه تلك الصبيّة الحسناء، فابتسَمتُ لها أنا الآخَر، وبدأنا نتبادَل الكلام الظريف وكأنّنا نتعارَف على بعضنا. بعد دقائق، إستدرَكتُ نفسي، فدَفعتُ ثمَن الألعاب وخرَجتُ مِن المحلّ بسرعة.
لماذا فعلتُ ذلك وكيف أنكَرتُ زوجتي وأولادي؟ كلّ ذلك مِن أجل صبيّة ابتسمَت لي؟ أيّ أب وزوج أنا؟ رحتُ البيت وأعطَيتُ الهدايا لأولادي وقبَّلتُ زوجتي... ونسيتُ الموضوع.
لكن بعد يومَين، جاءَني اتّصال مِن البائعة تطمئنُّ على ردّة فعل "أولاد أخي" لدى تلقّيهم الألعاب. لِبرهة سألتُ نفسي مِن أين حصلَت على رقم هاتفي الخاص، ثمّ تذكّرتُ أنّني أعطَيتُه لها حين هي سألَتني إن كنتُ أُريدُ أن أدخل سَحبًا يُخوّلُني ربح ألعاب قيّمة. أجبتُها بأنّ "أولاد أخي" سُرّوا كثيرًا بالهدايا، وشكرتُها على مُساعدتها لاختيارها، لكنّها قالَت لي بينما كنتُ أنوي إقفال الخط: "هناك فيلم جميل في السينما... ما رأيكَ لو نذهب سويًّا لمُشاهدته؟". ومِن دون أن أُفكِّر كثيرًا، أجبتُها: "إنّها فكرة مُمتازة، فأنا أُحِبّ أفلام السينما كثيرًا“. حدَّدنا موعدًا وأقفَلنا الخط.
لكن بعد حين، إستوعَبتُ ما فعلتُه، فخابرتُها مُجدّدًا مُخترِعًا عذرًا لِعدَم قدرتي على الذهاب معها. وهي أجابَت: "لا عليكَ، سنذهب مرّة أخرى، فلدَيّ رقمكَ وسأتّصِل بكَ مُجدّدًا".
ومذ قالَت تلك الجملة، بدأتُ أخاف أن تُخابِرني الصبيّة حين أكون مع زوجتي، الأمر الذي سيخلِقُ مُشاجرة كبيرة حتمًا، فلَن تُصدِّق زوجتي أنّني لا أخونُها. يا إلهي... ماذا دهاني؟ ما الخطب بي أو بِزواجي؟ فحتى ذلك الحين، إعتقَدتُ أنّني سعيد مع عائلتي الجميلة، ولَم يخطر ببالي أبدًا أن أُغازِلَ الصبايا هكذا، فهذا ليس مِن شيَمي قط!
بدأتُ أخفي صوت هاتفي حالما أصِل إلى البيت، وأتمنّى لو تّتصِل الصبيّة وأنا في عمَلي لأجِد طريقة لإقناعها بعدَم مُلاحقتي. لَم أعُد أتحمَّل الانتظار، فبعثتُ لها رسالة لأُعطيها موعدًا في أحَد المقاهي. لَم أقُل لها إنّني أنوي البوح لها بالحقيقة كَي لا أفزِعها، بل اكتفَيتُ بِتحديد المكان والزمان. وهي أجابَت: "بكلّ سرور، أيّها الوسيم!".
لكنّ زوجتي وقعَت على تلك الرسالة بعدما أخذَت هاتفي فيما كنتُ أُلاعِب الأولاد بهداياهم الجديدة، بغاية أخذ بعض الصوَر لنا كَون هاتفي أحدَث مِن هاتفها. هي لَم تقُل شيئًا ولَم أُلاحِظ ملامحها الحزينة.
في اليوم المُحدَّد، قصَدتُ المقهى لِمُلاقاة المُعجبة بي، لكن بعد دقائق مِن وصولي، تفاجأتُ بِزوجتي تقفُ أمامي والصبيّة، وتصفعُني بقوّة صارِخةً: "أيّها السافِل!". تفاجأَت الفتاة وقالَت لها:
ـ ما بكِ، هل جُننتِ؟!؟
ـ لا، بل بِكامِل عقلي، يا عزيزتي!
ـ ومَن تكونين؟!؟
ـ أنا زوجته وأمّ أولاده!
ـ أمّ أولاده؟!؟ هو ليس مُتزوِّجًا!
ثمّ استدارَت إليّ وسألَتني:
ـ لِمَن اشترَيتَ تلك الهدايا؟ ليس لأولاد أخيكَ، أليس كذلك؟ بل لأولادكَ! أنتَ بالفعل سافِل!
قامَت الصبيّة مِن مكانها وصفعَتني هي الأخرى، ثمّ اعتذرَت مِن زوجتي مؤكِّدة لها أنّها لَم تكن تعلَم الحقيقة. بقيَت زوجتي واقِفة أمامي بانتظار تفسير مِن قِبَلي. لكنّني كنتُ واثِقًا مِن أنّها لن تُصدِّقني، فلو كنتُ مكانها، لمَا صدّقتُ قصّتي!
لكن بعد صَمت طويل تكلّمتُ أخيرًا: "سأذهب إلى أهلي حالما تهدئين... بعد ذلك، سأُعطيكِ تفسيرًا، ولكِ حريّة تصديقه والقبول به أم لا".
مُحاطًا بنظرات قاسية مِن قَبَل زبائن وموظّفي المقهى، خرَجتُ مِن المكان مذلولاً، فكان الحقّ يقَع عليّ، مع أنّني كنتُ بريئًا مِن تهمة الخيانة. عادَت زوجتي إلى البيت بعدما جلبَت أولادنا مِن عند جيراننا حيث وضعَتهم لمُفاجأتي بالجرم المشهود.
أخبَرتُ أخي قصّتي، وهو لامَني كثيرًا، وقالَ لي إنّ وضعي سيّئ للغاية إذ لا أمَل لي بأن تُصدِّق زوجتي ما سأقولُه لها. مِن جانبها، هي أخبرَت عائلتها وأصدقاءها عمّا حصَلَ لها، والكلّ شتمَني غيابيًّا أو مِن خلال اتّصالات ورسائل. أدرَكتُ أنّني سأفقدُ عائلتي، وذلك فقط لأنّني أرَدتُ لِبضع دقائق أن أشعرَ بأنّني قادِرٌ على جَذب الصبايا كما في السابِق. فالحياة الزوجيّة أنسَتني رجوليّتي، وكنتُ قد اشتَقتُ لها.
لَم تتَّصِل بي زوجتي على الإطلاق، بل علِمتُ مِن أهلها أنّها تُريدُ الطلاق، فرفضتُ، إذ كان لدَيّ أمَل باستعادتها والأولاد. إلّا أنّها بقيَت مُصِرّة لأنّها لَم تعُد تُريدُ "خائنًا" إلى جانبها. في آخِر المطاف، قبِلتُ إعطائها الطلاق شرط أن تستمِع إليّ. ويوم التقَينا في المُنتزه، قلتُ لها كلّ ما جرى ولماذا وأكَّدتُ لها أنّني لَم أنوِ أبدًا خيانتها وأنّني لَم أواعِد البائعة، بل أعطَيتُها موعدًا لأقول لها إنّني مُتزوِّج، وأنّها تستطيع سؤالها إن كنتُ أقولُ الحقيقة أم لا. لكنّها أجابَت أن ما آلَمها الأكثر، هو أنّني أنكرتُها والأولاد، وكأنّهم ليسوا موجودين على الإطلاق، وأنّني معها لَم أعُد أشعرُ بِرجولّيتي. إعتذَرتُ منها بِحرارة طالِبًا فرصة ثانية، لكنّها رفضَت لأنّها لَم تعُد تثِقُ بي. تطلَّقنا، للأسف، وبقيتُ أرى أولادي حالما أشاء. أخذتُ لنفسي شقّة صغيرة وبدأتُ أُنظِّم حياتي.
وبعد أقلّ مِن شهرَين... علِمتُ أنّ زوجتي السابِقة مخطوبة! تفاجأتُ كثيرًا، وخفتُ أن تكون قد ارتمَت في أحضان أوّل رجُل رأته انتقامًا منّي. ماذا سيحدث لأولادنا؟؟؟ هل سيتربّون مع رجُل غريب قد يُسيء مُعاملتهم؟ غضِبتُ كثيرًا، ليس لأنّ المرأة التي عشتُ سنوات معها وأحبَبتُها قد اختارَت غيري، بل خوفًا على أولادي. أمِلتُ أن تُغيّرَ زوجتي رأيها بعد أن تهدأ قليلًا، لكنّ التحضيرات للزواج بدأَت والكلّ مِن جهّتها كان بانتظار تلك اللحظة. حاولتُ التكلّم مع زوجتي السابِقة بهذا الشأن، لكنّها رفضَت الاستماع إليّ قطعيًّا، وطلبَت منّي عدَم التدخّل في حياتها الشخصيّة لأنّها لَم تعُد زوجتي. شرَحتُ لها أسباب مخاوفي وهي أجابَت: "مِن الأفضل أن يربوا مع خطيبي بدَلًا مِن أن يربوا مع خائن!". سكتُّ، فماذا أقول؟
جمَعتُ أولادي في أحَد الأيّام لأقولَ لهم إنّ بيتي مفتوحٌ لهم إن هم شعَروا بانزعاج مِن العَيش مع ذلك العريس، لكنّ ابني البِكر أجابَني بسرعة:
ـ لا تخَف يا بابا، فالعمّ إيهاب يُحبُّنا كثيرًا!
ـ الوضع قد يختلِف مع الوقت، فأنتم تعرّفتم عليه منذ فترة قصيرة.
ـ لا، هذا ليس صحيحًا، فنحن نعرفُه منذ زمان!
ـ منذ زمان؟ منذ متى؟
ـ زمان!
أدرَكتُ أنّ الصغار لا يعرفون تحديد الوقت، فسألتُه:
ـ أيعني هذا قَبل أن أشتري لكم ألعاب العيد الذي فات، أم بعد ذلك؟
ـ قَبل ذلك! فالعمّ إيهاب أيضًا أشترى لنا الألعاب للعيد، لكنّ الماما طلبَت منّا عدَم التكلّم عن الأمر، بل القول إنّها هي مَن اشترَتها، لأنّه سِرّ بيننا.
شعَرتُ بالنار تجتاحُ داخلي، لكنّني حافَظتُ على هدوئي، فقد يكونُ ولَدي يتخايَل تلك الأمور. لكن ماذا لو كان على حقّ؟ ألهذا السبب لَم أعُد أشعرُ بِرجوليّتي؟ هل أحسَستُ أنّ زوجتي لَم تعُد كما في السابِق معي بالرغم مِن مُعاملتها الجيّدة لي؟ هل حاسَّتي السادِسة فهِمَت ما لَم يفهَمه عقلي الواعي؟ كان لا بدّ لي أن أكتشِف الحقيقة. لِذا، راقَبتُ منزلي القديم حيث بقيَت زوجتي وأولادي يعيشون، ورأيتُ "العريس" يقصدهم، فمشيتُ خلفه في إحدى المرّات إلى بيته. وبعدما عرفتُ أين يسكن، قرّرتُ أن أواجِهه بأقرَب وقت.
كان الليل قد هبَطَ حين ركَنَ الرجُل سيّارته قرب منزله. وحين ترجَّلَ، فاجأتُه:
ـ أنا الزوج المخدوع، هل تعرّفتَ إليّ أم أنّكَ لَم ترَني مِن قَبل؟
ـ ماذا تُريد؟؟؟
ـ أُريدُ معرفة الحقيقة مِن فمِكَ وإلّا خطَفتُ نفسَكَ الآن! منذ متى تعرفُ أمّ أولادي؟ تكلَّم!
ـ لن أتكلّم! بل سأطلبُ لكَ الشرطة!
أخَذَ الرجُل هاتفه مِن جَيبه، لكنّني منعتُه مِن استعماله بِرَميه بعيدًا وصارِخًا:
ـ ستكون ميّتًا حين تأتي الشرطة، صدِّقني!
ـ حسنًا، حسنًا! سأتكلّم لكن لا تؤذِني أرجوكَ!
ـ منذ متى؟
ـ منذ... منذ أكثر مِن سنة.
ـ ماذا؟!؟
ـ نحن مُتحابّان ونريدُ أن نعيش سويًّا. كانت زوجتكَ تُريدُ تركَكَ إلّا أنّها لَم تجِد عذرًا مُقنِعًا، ولَم ترِد أن تخسَرَ حضانة الأولاد. ثمّ جاءَت قصّة بائعة الألعاب واستفادَت منها لصالحها. هل أستطيع دخول بيتي الآن؟
تركتُه يرحَل لأنّ المُذنِبة هي تلك المرأة الفاسِقة وليس هو. لكنّني قلتُ له وهو يدخل مبناه: "سآخذُ الأولاد منها ومنكَ، تحضَّرا لِدخول معركة في المحاكم!".
لن أطيل الكلام عن تلك المعركة التي خضتُها مِن أجل استعادَت أولادي بشكل كامِل وحصريّ، وتبيّنَ للقاضي أنّ زوجتي كانت تخونُني بالفعل، فرأى أنّها ليست أهلًا لِتربية أولادنا.
لا أجِدُ الكلمات لِشرح شعوري، بعدما عرفتُ مدى مِكر تلك المرأة التي حرمَتني مِن العَيش في بيتي مع أولادي فقط لأنّها أرادَت غيري. هي اتّهَمَتني بالخيانة، في حين كانت تخونُني منذ فترة طويلة! لماذا لَم تُصارِني حين أحسَّت بإعجاب نحو ذلك الرجُل، فربّما كنّا حلَلنا مشاكلنا أو انفصَلنا حبّيًّا. لكنّني تذكَّرتُ أنّني أنا الآخَر أخفَيتُ عنها إعجابي بالبائعة، فمِن الصعب الاعتراف لِشريكنا أنّنا نُريدُ شخصًا آخَر. كَم أنّ النفس البشريّة مُعقدّة، وكَم أنّ الصراحة بإمكانها حلّ معظم المشاكل!
حاورتها بولا جهشان