الكلّ هنّأني حين دخلتُ حرَم الكلّيّة، ليس كطالِبة، بل كأستاذة. شعرتُ بالفخر، فالمكان الذي قضَيتُ فيه سنوات أدرسُ وأجتهِد لأنالَ إجازتي ثمّ الماستِير وبعد ذلك الدكتوراه، إستقبلَني لأُكمِل مسيرتي بِتعليم الأجيال قادِمة وتأمين مُستقبل ناجِح لهم.
لكن كان هناك مَن لَم يُسَرّ بي، وهو الدكتور جهاد، أستاذي القديم الذي صارَ رئيس الكلّيّة، والذي قالَ لي حين كنتُ تلميذته: "عليكِ أن تكوني عارضة أزياء وليس مُهندِسة... لن تفلَحي، صدّقيني!". واتّضَحَ له أنّه كان على خطأ، وهذا بالذات ما أغضبَه في مجيئي للعمَل في الجامعة. علِمتُ أنّه عارَضَ توظيفي بقوّة، إلّا أنّ علاماتي وحاجتهم إلى أستاذة تغلبَّت على تلك المُمانعة. ويا للفرق بينه وبين أساتِذتي السابقين الذين افتخَروا بأنّني صِرتُ واحِدة منهم!
بدأَت السنة الدراسيّة بهدوء، وأحبَّني الطلّاب، خاصّة أنّ سنّي، على خلاف باقي الأساتذة، كان عامِلًا أساسيًّا لِيشعروا بأنّني قريبة منهم وأفهمُهم وظروفهم. فالأغلبيّة كانوا يعمَلون خلال النهار، ولهذا السبب كان يحدثُ أنّهم لا يتمكنّون دائمًا مِن إنهاء واجباتهم ومشاريعهم في المهلة المُحدّدة. فكنتُ أُعطيهم فترة أطوَل لتسليم عمَلهم أو آخذُ ظروفهم بالاعتبار حين أضَع العلامات.
وذلك لَم يرُق للأستاذ جهاد، الذي رأى أنّها مُحاولة منّي لِجعَل تلاميذي أشطَر مِمّا هم حقًّا، فاشتكى عليّ لدى مجلس إدارة الجامعة، لكنّ شكواه لَم تلقَ صدىً. فكان مِن الواضِح أنّ صفّي كان مِن الصفوف المرغوب فيها كثيرًا وأحظى بشعبيّة كبيرة، وهذا ما كان نافِعًا جدًّا لِجَلب المزيد مِن الطلّاب وربح المزيد مِن المال.
إمتعَضَ الأستاذ جهاد مِن عدَم تمكّنه مِن إزاحَتي مِن دربه، إذ أنّه لَم يتقبَّل أن أكون أنا بالذات أستاذة في "كلّيّته". وهكذا، بدأ يُفكّر بطريقة جذريّة للتخلّص منّي، بينما لَم أشكّ بالذي كان يُحاك ضدّي، بل تابَعتُ عمَلي بكلّ طيبة خاطِر وتفانٍ. فكيف لي أن أعلَم أنّ ذلك الرجُل لَم يعُد ينام بسببي، بل يقضي لياليه وهو يُفكّر بإزاحتي؟
أوّل خطوة قامَ بها، كانت أن يعِدَ مازن، أحَد طلّابي بإنجاحه إن هو أقنَعَ رفاقه أن يمتعِضوا علنًا مِن تدريسي لهم. لكن لِحسن حظّي، رفَضَ الكلّ مُجاراة ذلك الطالِب، بل وبّخوه وابتعَدوا عنه. فالحقيقة أنّ طلّابي كانوا بالفعل يُحبّوني وطريقة شرحي، ويتقدّمون بسرعة وينالون نتائج مُمتازة.
ذلك الفشَل أغضبَ الأستاذ جهاد أكثر، خاصّة عندما رأى كيف أنّ طلّابي رفضوا الانقلاب عليّ، وتمسّكوا بي أكثر مِن السابق. فكيف لي، أنا الطالِبة السابِقة أن أنتصِر عليه؟
لِذا، هو بدأ يُفتِّش في كلّ زوايا حياتي بحثًا عن معلومات تُساعده على تشويه سمعتي أمام مجلِس إدارة الجامعة والطلّاب والأساتذة وكلّ الناس! يا إلهي، ما هذا الكمّ مِن البغض! فلو كنتُ مكانه، لكنتُ افتخرَتُ بنفسي أنّني خرّجتُ عناصِر قادرين على حمَل الشعلة مِن بَعَدي. لكنّنا لَم نكن نشبِه بعضنا بشيء، للأسف.
لَم يجِد الأستاذ جهاد شيئًا في ماضيّ، فلقد أمضَيتُ مُراهقتي والسنين التي تلَت بالدرس والاجتهاد. علِمتُ أنّه سأَلَ عنّي مِن جيراننا وزملائي القدامى الذين أخبروني أنّ رجُلًا في الستّين مِن عمره سألَهم أسئلة كثيرة عنّي، فاستَنتجتُ أنّ أستاذي القديم أرادَ معرفة كلّ شيء عن سيرتي كطالِبة.
وأظنّ أنّ الإحباط أصابَ ذلك الرجُل، إحباطٌا عميقًا سببه حتمًا خوفه مِن بلوغه سنّ التقاعد، وشعوره بأنّ دوره انتهى وقد يُستبدَل بعناصِر وصفَهَا بالفاشِلة، وغير القادِرة على إتمام المهام مثله. وهو لَم يفهَم أنّ للجيل القديم أن يتنحّى، لإعطاء الدور للجيل الجديد الذي يحمِل معه روحًا شبابيّة وحماسيّة مليئة بالتطوّر والإبداع.
عندها، جلَبَ إلى مكتبه ذلك الطالِب الموعود بالنجاح ونَيل شهادة لا يستحقّها بعد، وهو طالِبٌ مُستعِدٌّ لِفعل أيّ شيء ليُعوّض عن كسَله وعدَم قدرته على إنجاز شيء بمُفرده. قالَ له الأستاذ جهاد:
ـ مازن، أُريدُكَ أن تُخلِّصني مِن تلك الأستاذة، وبأيّة طريقة.
ـ تُريدُني أن أقتُلها؟!؟
ـ لا، أيّها الغبيّ!
ـ لَم أفهَم.... كيف بإمكاني إذًا تخليصكَ منها؟
ـ لستُ أدري تمامًا... ماذا لو... فكِّر معي! ألا تُريدُ نَيل إجازتكَ؟!؟ فمِن دوني، مِن المُستحيل أن تنجَح، لأنّكَ طالِبٌ كسول وغير نافِع. سأسألكَ مُجدّدًا: "ألا تُريد نَيل إجازتكَ؟؟؟
ـ بلى، بلى... لكنّني حاوَلتُ افتعال انقلاب عليها ولَم أفلَح في ذلك.
ـ وجدتُها! سنقولُ إنّها تحرّشَت بكَ!
ـ بي؟ لستُ حتّى وسيمًا!
ـ هذا لا يهمّ! عليكَ أن تشتكي عليها لمجِلس إدارة الجامعة، وتقول إنّها في بادئ الأمر تقرّبت منكَ ووعدَتكَ بعلامات جيّدة إن قبِلتَ بمواعدتها. ثمّ، لدى رفضكَ لها، هي تحرّشَت بكَ في أحَد الأيّام عندما كنتما لوحدكما في صفّ مِن الصفوف.
ـ لن يُصدِّقني أحَد! إمرأة تتحرّش بشاب؟!؟
ـ هذا مُمكن ويحصلُ في بعض الأحيان. قُم بما أطلبُه منكَ مِن دون مُجادلة!
ـ لكنّها قد تدخل السجن!
ـ لا يهمّ، أُريدُها خارج الكلّيّة إلى الأبد! على كلّ الأحوال، بعد هذه التهمة، هي لن تُدرِّسَ في أيّة جامعة أخرى!
ـ لا أدري يا دكتور إن...
ـ إخرَس ونفِّذ!
خرَجَ مازن بسرعة مِن مكتب جهاد حين اصطدَمَ بي وأنا مارّة مِن هناك، فوقعَت دفاتره أرضًا وأسرعتُ بمُساعدته على لَمِّها. هو بدا لي مُتوتِّرًا للغاية فسألتُه:
ـ ما بكَ؟ هل أنتَ بخير؟
ـ أجل... أجل... أنا بخير.
ـ لقد تحسَّنَت علاماتكَ قليلًا في الآونة الأخيرة... أنا فخورة بكَ.
ـ أنتِ فخورة بي؟ لَم يقُل لي أحَدٌ هذه الكلمة مِن قَبل.
ـ إنّها الحقيقة، فالمجهود أهَمّ مِن العلامات الجيّدة.
ـ وما الفائدة؟ فلن أنالَ إجازتي يومًا!
ـ ما هذا الكلام؟!؟ ينقصُكَ بعض الاجتهاد والتركيز، وأنا مُتأّكِدة مِن أنّكَ ستنجَح. إسمَع، لقد رأيتُ الكثير مِن الطلاب ينجَحون بعدما ظنّوا أنّهم سيرسبون.
ـ ربّما هم نجَحوا لكن أنا...
ـ بإمكاني مُساعدتكَ إن شئتَ، فأنا أُفكِّر في إقامة حصَص إسناد للّذين هم بحاجة إلى دَعم. هل تُريدُ الانضمام إلينا؟
نظَرَ الطالب إليّ بتعجّب، ثمّ إلى باب مكتب الأستاذ جهاد، وابتسَمَ ابتسامة عريضة ثمّ قال: "أجل! أُريدُ النجاح بمجهودي الخاصّ!". هنّأتُه وتابعَتُ طريقي.
بعد ساعات قليلة، وجدتُ ظرفًا على زجاج سيّارتي يحتوي على رسالة مفادها أنّ الأستاذ جهاد طلَبَ مِن أحَد طلّابي الاشتكاء عليّ بتهمّة التحرّش. تعرّفتُ على خط يَد كاتب الرسالة لأنّه أحَد طلّابي، وبالتحديد مازن الذي صادفتُه أمام مكتب رئيس الكلّيّة. عندها، فتّشتُ عن مازن الذي تفاجأ لأنّني علِمتُ أنّه هو، وبدأ يبكي وهو يُعطيني كلّ تفاصيل القضيّة. أقنعتُه بمُرافقتي إلى مقرّ مجلس إدارة الجامعة ليُطلِعهم على ما ينوي فعله الأستاذ جهاد. كنتُ أعي ما سيحصل له، وأسِفتُ لأنّني سأقضي على ما تبقّى له مِن سنوات في الكلّيّة وأحرمه مِن تقاعده، لكنّه بلَغَ حدًّا خطيرًا ولَم أكن أعلَم إلى ما سيلجأ لاحقًّا لأذيّتي. فتُهمة التحرّش هي أبشَع ما يُمكن لأستاذ أن يُتّهَم به، ليس فقط مهنيًّا، بل أيضًا إجتماعيًّا، ولَم أكن مُستعِدّة لتدمير سمعتي مِن أجل إنسان بلا ضمير.
وكما توقّعتُ، أوقِفَ الأستاذ جهاد عن مُمارسة دوره في الكلّيّة وأُحيلَ إلى المجلس التأديبيّ للجامعة. لَم أشأ الاشتكاء عليه مدنيًّا، لأنّني علِمتُ أنّه قد يدخل السجن إن فعلتُ، على خلاف ما كان ينوي أن يفعله بي!
إرتاحَت الكلّيّة بأسرها حين غادَرها جهاد، فهو لَم يكن محبوبًا على الإطلاق، بسبب قساوته وتمييزه بين الطلّاب. إتّصلَت بي زوجته وهي مُستاءة جدًّا منّي، لأنّها لَم تكن تعلَم حقيقة ما جرى بعد أن كذِبَ جهاد عليها بشأني. لكن حين أخبرتُها كامِل الحقيقة، اعتذرَت منّي بحرارة ووعدَتني أنّها لن تتّصِل بي مُجدّدًا. وقَبل أن تقفِل الخط، هي قالَت لي: "لطالما كان هكذا، لا يقبَل المُنافسة... فلا شيء يردَعه حين يُريدُ إزاحة أحَد مِن دَربه... سامحينا، أرجوكِ."
بعد ذلك، أكمَلتُ مسيرتي التعليميّة لسنوات طويلة، وسمعتُ مؤخّرًا أنّهم يُفكّرون بإعطائي منصِب رئيسة الكلّيّة. لكنّني سأرفضُ هذا العرض، فأنا أحِبّ التواجد مع طلّابي وتعليمهم كلّ ما أعرِفه، فهذه رسالتي.
حاورتها بولا جهشان