دكتاتورية اللحوم

ها قد مرّ أكثر من ستين عاماً على انخراطنا في حضارة اللحوم وكل ما فيها من تأثيرات سلبية على البيئة وصحّة الإنسان. فهل ما زالت معادلة "ثراء=لحم" قائمة في أيامنا هذه؟

   وجبة طعام بلا لحم؟ دعوة إلى الغداء من دون المشاوي؟ "عيب!" لا أحد يحتمل هذه المسألة ولا سيما أولئك الذين يتحلون بحس الضيافة! كلّما كانت الوجبة غنية باللحم كان أفضل ومن أجل تكريم الضيوف نضحّي بالدجاج والبقر والماعز والطيور حتى. 

في ما مضى كانت اللحوم كنزاً ثميناً ولم يكن التبذير موجوداً في حينها. لكنّ الزمن تبدّل كثيراً وازداد الاستهلاك الفردي للحوم ثلاثة أضعاف خلال قرن واحد كما ازداد خمس مرات الإنتاج العالمي منذ الخمسينيات ليصل إلى 265 مليون طناً! ظنّ الناس أنّ هذا التطوّر سيكون مفيداً للصحة لكن لسوء الحظ صار العكس! اليوم، يؤكد بعض مناصري المأكولات النباتية أنّ تناول اللحم يسهم في المجاعة حول العالم ويشارك في تدمير الكرة الأرضية وتشجيع المجازر المرتبكة بحق الكائنات الحيّة كما يهدّد صحتنا. فهل يبالغون؟ 

أضرار آكلي اللحوم

في وقت يستهلك فيه النباتي بمعدل 180 كيلوغراماً من الحبوب سنوياً، يبذّر مستهلك اللحوم 930 كيلوغراماً منها أي خمس مرات أكثر من النباتي إذ يجب احتساب إطعام الحيوانات التي تُربّى وهي من كبار مستهلكي الحبوب، إذ يأتي 80 في المئة من تغذية الحيوان من المزروعات التي تناسب البشر أيضاً كالذرة والصويا... وهذه كمية كافية لسد حاجات مليار شخص يعانون من سوء التغذية! يتطلب إنتاج الحبوب الضخم هذا زيادة في استهلاك المياه والأراضي القابلة للزرع مما يؤدي إلى زوال الأحراج واستعمال المبيدات وتدمير الأنظمة البيئية واختفاء التنوّع البيولوجي. 

إنّ تريية البقر وحدها دون سواها مسؤولة عن 80 في المئة من تدمير غابة الأمازون و18 في المئة من الانبعاثات السنوية للغازات الدفيئة و60 في المئة على الأقل من انبعاث الأمونياك، أحد الأسباب الرئيسية للمطر الحمضي. 

هل هي ضرورية للصحّة؟

في الماضي، كان الناس يستهلكون اللحوم مرة أو مرتين في الأسبوع أما اليوم فقد صار استهلاكها يومياً، إن لم يكن عدة مرات يومياً. خلافاً للأفكار المتوارثة، يمكننا العيش بسهولة بلا اللحوم! إن كانت اللحمة تزيد من نسبة تفشّي بعض أمراض السرطان (القولون، البروستات...) وأمراض القلب والأوعية والسمنة وداء السكر وارتفاع الضغط وغيرها، يعدّ الطعام النباتي المتوازن ممتازاً للصحة عموماً ويسهم في الوقاية من العديد من الأمراض لا بل في معالجتها. علاوةً على ذلك، تعدّ أماكن تربية الحيوانات بمثابة أمكنة تتكاثر فيها الجراثيم وتنتشر فيها الفيروسات الجديدة وأنواع بكتيريا جديدة.  

من الغريب أن نتبع سلوكاً قائماً على اللحوم ولا سيما في بلداننا الغنية بالأطباق الشهية المحضرة استناداً إلى نباتات متنوّعة، وحيث تفيض الأسواق بالخضار والفاكهة طيلة السنة وبأسعار معقولة. نراهن على أنّ المستقبل القريب سيشهد جيلاً شاباً مهتمّاً بصحّته وبالكوكب الذي يعيش عليه، ينزل إلى الشارع رافعاً شعار: "تسقط اللحمة وتحيا التبولة!".                      

 حسب منظمة الأغذية والزراعة (فاو)

"إنّ ثلاثة أرباع العوامل الجديدة المسبّبة للأمراض التي طاولت البشر خلال السنوات العشر الأخيرة تأتي من الحيوانات ومن المنتجات المستخرجة من الحيوان".

 

المزيد
back to top button