تُعيد نورة السليماني، مهندسة الديكور الداخلي ومؤسسة علامة مزلاج، تعريف طريقة سرد المملكة العربية السعوديّة لتاريخها من خلال التصميم، وذلك برؤيةٍ تجمع بين الأصالة والمعاصرة، محوّلة التراث الثقافي الغني للمملكة إلى قطع أثاث معاصرة تحمل في طياتها ذكرياتٍ وحرفيةً وهويةً أصيلة. تستمد نورة إلهامها من تنوع مناطق المملكة العربية السعودية، وعمارتها التاريخية، وحرفها التقليدية، وشعرها، وطقوسها، وتعتبر التصميم وسيلةً لسرد القصص الثقافية لا مجرد عملية إبداعية. في هذا الحوار الحصري مع مجلة Elle Arabia، تكشف نورا السليماني عن مصدر إلهامها لمجموعاتها، والقصص الكامنة وراء إبداعاتها، ورؤيتها لوضع التصميم السعودي على الساحة العالمية.

كيف يُلهمك التراث السعودي في تصميماتك المعاصرة للأثاث؟
لطالما آمنتُ بأن لكل ثقافة لغتها التصميمية الخاصة. خلال مسيرتي المهنيّة، سافرتُ كثيرًا، وزرْتُ المتاحف والمدن التاريخيّة ومعارض التصميم وورش الحرفيّين، بالإضافة إلى كبرى شركات تصنيع الأثاث في العالم.
كل رحلةٍ زادت من إعجابي بالثقافات التي صادفتها، بل وجعلتني أُقدّر وطني أكثر. كلّما اكتشفتُ العالم أكثر، أدركتُ ثراء المملكة العربيّة السعودية الاستثنائيّ. فنحن موطن لهويّات إقليمية مميزة، وتاريخ عريق يمتد لقرون في العمارة والشِّعر والموسيقى والحرف اليدويّة وكرم الضيافة، وتقاليد راسخة في واحدة من أقدم المناطق المأهولة باستمرار في العالم. ومع ذلك، غالبًا ما وجدتُ أنّ الكثير من هذا الثراء الثقافيّ لا يزال غير معروف للجمهور العالميّ.

قادني هذا الإدراك إلى سؤال واحد يُوجّه عملي منذ ذلك الحين: كيف يُمكن للمملكة العربية السعودية أن تروي قصتها من خلال التصميم المعاصر؟ مع "مزلاج"، ومن خلال عملي كمهندسة معمارية داخلية، اخترتُ الإجابة على هذا السؤال. تبدأ كل مجموعة بالبحث لا بالرسم. أنغمس في دراسة العمارة والشعر والفلكلور والحرف التقليدية والطقوس وأساليب حياة الناس قديمًا. أسعى لفهم ليس فقط شكل الشيء، بل سبب وجوده، وكيف تطور، وماذا كان يعني لمن ابتكروه. عندها فقط يبدأ التصميم. لا أرى التراث مجرّد مجموعة من الزخارف الجاهزة للتكرار، بل أراه لغة حية تتطور باستمرار. ليس دوري إعادة خلق الماضي، بل مواصلة سرد قصته.

ما الذي ألهمكِ لإطلاق "مزلاج"، وما كانت رؤيتكِ منذ البداية؟
لطالما أسرني الأثاث لأنّه يسجّل التاريخ الإنسانيّ بهدوء، إذ يشهد على الاحتفالات، والمحادثات، والدبلوماسيّة، والشعر، والتجمّعات العائليّة، والحياة اليوميّة. على عكس الأعمال الفنيّة المعروضة في المتاحف، يصبح الأثاث جزءًا من ذاكرة الناس، إذ يُلمس، ويُعاش معه، ويُورث، وينتقل من جيل إلى جيل.
قبل إطلاق "مزلاج" بفترة طويلة، أمضيتُ أكثر من خمسة عشر عامًا في تصميم الديكورات الداخليّة واستيراد الأثاث من بعض أشهر المصنّعين في العالم. سافرتُ كثيرًا لأفهم كيف يُصنع الأثاث الرائع، ليس فقط من الناحية الجماليّة، بل من الناحية التقنيّة أيضًا. درستُ النسب، وبيئة العمل، والحرفيّة، وأساليب الإنتاج، والتفاصيل الدقيقة التي تُحدّد الجودة الحقيقيّة.

مع مرور الوقت، أدركتُ أمرًا هامًا: إيطاليا معروفة بتصميمها الإيطاليّ، وللدنمارك لغتها التصميمية الخاصة، واليابان وفرنسا والدول الاسكندنافية تُعبّر جميعها عن هويتها من خلال التصميم. ولطالما تساءلتُ: لماذا لا يكون للمملكة العربيّة السعودية لغتها الخاصة في الأثاث المعاصر؟ ووُلدت "مزلاج" من هذا التساؤل. لم يكن الهدف منها أن تكون مجرّد علامة تجاريّة للأثاث، بل منصّة ثقافيّة تهدف إلى ترجمة الثقافة السعوديّة إلى أثاث معاصر يليق بأي مكان في العالم، مع الحفاظ على هويّتها السعوديّة المميّزة. عندما أُطلق ميثاق الملك سلمان للعمارة والتخطيط العمراني، شعرتُ أنه يُجسّد مبادئ لطالما آمنتُ بها لسنوات طويلة، وهي أنّ العمارة والتصميم يجب أن يُعبّرا عن الهويّة، ويحترما المكان، ويحتفيا بالثقافة المحليّة، ويُقيما حوارًا بنّاءً بين التراث والمستقبل. وقد عزّزت مبادرة الطابع المعماري السعوديّ هذه الرؤية من خلال الاحتفاء بثراء الهويات الإقليمية للمملكة.
بالنسبة لي، أكّدت هذه الإنجازات أنّ المملكة العربيّة السعودية تدخل فصلًا ثقافيًا مميزًا، وشعرتُ أن الوقت قد حان لكي تُصبح "مزلاج" جزءًا من هذا الحوار. أقول دائمًا: نحن لا نصمم أثاثًا فحسب، بل نصمّم سفراء ثقافييّن. فكلّ قطعة تخرج من ورشتنا تحمل في طيّاتها قصّة من المملكة العربيّة السعوديّة.
الحرفية والمواد والاهتمام بالتفاصيل عناصر أساسية في إبداعاتكم. هل يُمكنكم أن تُحدثونا عن عملية التصميم لديكم؟
تبدأ كل قطعة من "مزلاج" قبل أن تُصبح مجرّد رسم تخطيطيّ، بقصة. وأحيانًا، تنبع هذه القصة من ذكريات أجدادي. أحيانًا أستوحي إبداعي من الشعر العربيّ، والموسيقى التراثيّة، والرقصات الشعبية السعودية، وطقوس الضيافة، والأزياء المحلية، والمجوهرات، والعمارة، أو حتّى من النقوش الدقيقة في القصور التاريخيّة، وأصف عملي غالبًا بأنّه ترجمة ثقافية. لا أنسخ التراث، بل أدرسه، وأحاول فهم سبب وجوده قبل التساؤل عن كيفية تطوره اليوم. بمجرد فهمي لجوهره، تبدأ رحلة التجريب.
كل نسبة، ومنحنى، ومادة، وتشطيب، ووصلة، وتفصيل في البناء، تخضع لتجارب لا حصر لها. أمّا الألوان والتشطيبات، فهي مستوحاة من اللغة البصريّة التي طوّرناها لعلامة مزلاج، والمستوحاة من المناظر الطبيعيّة السعوديّة، والعمارة، والأزياء، والمجوهرات، والآلات الموسيقيّة، والحرف اليدوية التقليديّة، والفنون الزخرفيّة من مختلف أنحاء المملكة. يتمّ تصنيع كلّ قطعة في ورشتنا بالرياض، حيث نتعاون مع حرفيّين سعوديّين ومؤسسات تراثية، ويضمن عملهم اليدويّ أنّ كل قطعة فريدة من نوعها.

هل هناك قطعة معينة صممتها تحمل لك مكانة خاصة في قلبك، ولماذا؟
هناك قطعتان تحملان لي مكانة خاصة في قلبي. الأولى هي مصباح الأرضية "مخل". استوحيت تصميمه من إحدى أقدم ذكرياتي عن جدتي رحمها الله وهي تستعدّ للعيد باستخدام مخلها التقليديّ. أصبح تصميم المصباح وسيلتي للحفاظ ليس فقط على قطعة من تراثنا، بل أيضًا على النور الذي كانت تنشره في عائلتنا. الثانية هي كرسي "هوداج". تاريخيًا، كان كرسيّ "هوداج" يُستخدم لنقل النساء والمسافرين المتميّزين عبر الصحراء العربيّة، رمزًا للراحة والكرامة وكرم الضيافة والرقي. إعادة تصميمه كقطعة أثاث عصريّة سمحت لي بالحفاظ على روحه مع منحه طابعًا جديدًا. تذكّرني كلتا القطعتيْن بأنّ الأشياء تحمل ذكريات تمامًا كما يفعل الناس.

ما هو الشعور الذي تأملين أن يشعر به الناس عندما يقتنون قطعة من "مزلاج" إلى منازلهم؟
آمل أن يشعروا أنّهم اقتنوا أكثر من مجرّد أثاث. آمل أن يكونوا قد اقتنوا قصة. لطالما حلمتُ بأن تصبح مزلاج علامة تجاريّة سعوديّة رائدة في مجال أسلوب الحياة، تُرسّخ روابط عاطفيّة عميقة. أطمح أن تُثير منتجاتنا الفخر، وتُحفّز الحوار، وتُخلّد الذكريات، وتُوفّر راحة استثنائيّة من دون المساومة على الجمال. إذا شجّعت قطعة ما شخصًا على اكتشاف جانب جديد من المملكة العربية السعوديّة، فقد حقّقت غايتها.

مع ازدياد شهرة التصميم السعودي عالميًا، ما الذي ترغبين أن يفهمه الناس حول العالم عن الهوية الإبداعية للبلاد، وإلى أين ترين مزلاج تتجه خلال السنوات القليلة القادمة؟
أودّ أن يُدرك الناس حول العالم أن التصميم السعودي ليس في طور الظهور، بل هو في طور الاكتشاف. لطالما وُجدت هويّتنا الإبداعيّة، وتشكّلت على مرّ آلاف السنين من خلال العمارة، والحرف اليدوية، والشعر، والموسيقى، وكرم الضيافة، ورواية القصص. في مزلاج، نجمع بين هذا العمق الثقافيّ والمعايير العالميّة في الحرفيّة والتصنيع والتصميم. يُعرَّف مفهوم الفخامة اليوم بالأصالة، إذ أنّ الناس يرغبون في معرفة مصدر الأشياء، ومن صَنَعها، والقصّة التي تحملها، والمملكة العربية السعودية لديها واحدة من أغنى القصص في العالم.
إنّني أتطلع إلى المستقبل، وأرى أن "مزلاج" ستصبح سفيرة للثقافة السعودية من خلال التصميم، ليس فقط بتصدير الأثاث، بل بتصدير الهوية والحرفية والذاكرة والثقافة. لطالما آمنتُ بأنّنا لا نحافظ على التراث بوضعه خلف الزجاج، بل نحافظ عليه بالسماح له بالتطور، وعندما أسافر، غالبًا ما أتعرف على البلدان من خلال تصميمها قبل أن أسمع لغتها، وآمل أن يحدث الشيء نفسه مع المملكة العربية السعودية يومًا ما. آمل أن يرى أحدهم، في مكان ما من العالم، قطعة من "مزلاج" فيتبادر إلى ذهنه المملكة العربية السعودية فوراً، ليس لأنّها تُقلّد الماضي، بل لأنها تحمل روحها إلى المستقبل. وإذا حدث ذلك، فسأعلم حينها أن "مزلاج" قد حقّقت غايتها.
