آية سمرا: أتمنّى أن يسمع هذه الأغنية من يبحث عن وطن، أو حب، أو عن ذاته

من رحلة غيّرت مجرى حياتها، نقلتها من سوريا إلى ألمانيا في سنّ المراهقة، إلى إبداع موسيقى تمزج بين روح الطرب العربيّ وشغف الفلامنكو، استطاعت الفنّانة الفلسطينيّة آية سمرا، المقيمة في برلين، تحويل تجاربها الشخصية العميقة إلى أغانٍ مؤثرة. في مقابلة حصرية مع مجلّة ELLE Arabia، تتحدّث عن كيف أثّر النزوح على صوتها الفنيّ، ومعنى أغنيتها الأخيرة "المدينة"، ونهجها الفريد في مزج التقاليد الموسيقيّة، والرسالة التي تأمل أن تبقى راسخة في أذهان المستمعين حتى بعد أن تتلاشى الموسيقى.

 

١- كيف أثّرت رحلة النزوح التي استغرقت ٣٠ يومًا من سوريا إلى ألمانيا على طريقة استماعك وتأليفك للموسيقى اليوم؟

لقد غيرت تلك الرحلة كل شيء. غادرت سوريا عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولم أكن أعرف طوال ثلاثين يومًا أين سأنام، أو ماذا سيحدث غدًا، أو حتى إن كنت سأصل إلى ألمانيا. عندما تكون صغيرًا في السن، لا تفهم حقًا ما يحدث، لكن جسدك يتذكّر كل شيء،

وأعتقد أن هذا هو سبب كتابتي للموسيقى بالطريقة التي أكتب بها اليوم. لم أعد أؤلّف الموسيقى للهروب من مشاعري، بل أؤلفها لفهمها، وأصبحت الموسيقى المكان الوحيد الذي أستطيع فيه وضع كل الذكريات والخوف والأمل والحنين إلى الوطن والحب الذي حملته معي. بالنظر إلى الماضي، لا أعتقد أنني فقدت وطني، بل بأنني بدأت البحث عن تعريف جديد له. أصبح هذا البحث هو موسيقاي.

 

٢- أغنيتك الجديدة "المدينة" تبدو وكأنها تتنقل بين مدينة متخيلة ومساحة عاطفية داخلية. متى أدركتِ أن الأغنية لم تعد تتحدث عن مكان خارجكِ، بل عن شيء في داخلكِ؟

في البداية، ظننتُ أنني أكتب عن مدينة، مكان أشعر فيه أخيرًا بالأمان والتفهم والسلام، ثم أدركتُ أنني ورثتُ من جدّتي إصرارها على التمسك بحق العودة. ولكن مثلها، تعلّمتُ أن الإنسان قد يُقتَلع من أرضه من دون أن يقتلعها من قلبه. لفترة طويلة، بحثتُ عن مدينة تحتضنني، ثم أدركتُ أن كل ما كنتُ أبحث عنه كان يسكن في داخلي طوال الوقت. ما تركته جدتي في داخلي كان أكثر من مجرد ذكرى، كان وطنًا لا يُمكن تدميره. لذا بدأتُ ببناء وطن، وأينما ذهبت، أغرس جذوري في كل مكان رحّب بي. أنا... المدينة.

 

٣- تمزجين موسيقى الطرب مع أنغام حديثة كالفلامنكو. كيف توازنين بين الأصالة والتجريب؟

بالنسبة لي، لا تتنافس الأصالة والتجريب، بل يكمل كل منهما الآخر. نشأتُ على موسيقى الطرب، وهي جزء لا يتجزأ من هويتي. في الوقت نفسه، انجذبتُ بشدة إلى أنواع موسيقيّة كالفلامنكو والبلوز لأنها أيضًا نبعت من الألم والشوق والصمود، ورغم اختلاف ثقافاتها، إلّا أنّها تتحدّث لغة عاطفيّة واحدة. لا أسعى إلى تحديث موسيقى الطرب أو تقليد الفلامنكو، بل أحاول خلق مساحة تتّسع لقصّتي الشخصيّة بشكل طبيعي. إذا ساعدني لحن أو آلة موسيقية في سرد ​​تلك القصة بصدق، فهو مكانه في الأغنية.

 

4- تحمل موسيقاكِ مواضيع قوية عن الذاكرة والانتماء. ما الذي تأملين أن يشعر به المستمعون من أغنية "المدينة"؟

أكثر ما أتمناه هو أن يشعر الناس بأنهم ليسوا وحدهم. أتمنّى أن يسمع هذه الأغنية من يبحث عن وطن، أو عن حب، أو حتى عن ذاته، فيشعر بأنه مفهوم. لا تقدم أغنية "مدينة" إجابات، بل تقول ببساطة: "أعرف هذا الشعور". إذا شعر أحدهم بعد الاستماع إليها ولو بقليل من التواصل مع ذاته، فقد حققت الأغنية كل ما كنت أرجوه.

المزيد
back to top button